"إدارة الفوضى".. لهذا السبب تتجنب باكستان السعي لإسقاط طالبان

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في خضم التحولات الإقليمية المعقدة، لا سيما في ظل الأزمات المتفاقمة في الشرق الأوسط، تبنّت باكستان مقاربةً محسوبة ومتعددة المستويات في تعاملها مع أفغانستان.

وبحسب صحيفة "8 صبح" الأفغانية، فإن الغارات الجوية، ومحاولات إعادة التموضع على الساحة الدولية، إلى جانب التحركات الميدانية في مناطق حساسة مثل ولاية نورستان شمال أفغانستان، تشير إلى أن إسلام آباد تجاوزت مرحلة السياسات الانفعالية، واتجهت نحو إستراتيجية مدروسة ذات طابع هجومي.

وفي هذا السياق، تتساءل الصحيفة المعارضة لطالبان عن سبب تجنّب باكستان العمل على إقصاء الحركة الحاكمة في أفغانستان بشكل كامل رغم استيائها منها، واعتمادها بدلاً من ذلك سياسة تهدف إلى ممارسة ضغوط مدروسة عليها.

مشروع فاشل

وترى أنه "لفهم هذا السلوك، ينبغي النظر إلى الإخفاق النسبي لمشروع (إدارة الفوضى) في المنطقة، وهو مشروع كان يهدف إلى تنشيط بؤر عدم الاستقرار في آسيا انطلاقا من أفغانستان".

فوفق زعمها، "كان من المتوقع أن توفر طالبان بيئة ملائمة لنشاط الشبكات الإرهابية العابرة للحدود، غير أن حسابات البقاء والحاجة إلى الحد الأدنى من التفاعل مع قوى إقليمية مثل إيران وروسيا والصين، أدت إلى تعطيل هذا المسار".

وتابع التقرير: "ومن ثم، تجد طالبان نفسها اليوم أمام مأزق إستراتيجي؛ فمن جهة، قد يؤدي تنشيط الجماعات الإرهابية الأجنبية إلى تقويض شرعيتها الهشة على المستوى الإقليمي، بما يشكل تهديدا مباشرا لبقائها السياسي".

"ومن جهة أخرى، فإن الاعتماد على مشاريع عابرة للإقليم لا يوفر لها ضمانات حقيقية للحماية من ردود الفعل الإقليمية"، وفق الصحيفة.

وتقدر الصحيفة أنه "في حال فشل هذه السيناريوهات، ستواجه الحركة ضغوطا متزامنة على المستويين الداخلي والإقليمي، من بينها تصاعد حركات المقاومة وزيادة السخط الشعبي".

في هذا السياق، ذكرت الصحيفة الأفغانية أن "باكستان اتجهت إلى تبني سياسة بديلة تقوم على إضعاف طالبان بشكل مدروس، مع الحفاظ على خيارات موازية، وذلك في إطار تزايد قلقها من تقارب بعض أجنحة طالبان مع الهند، إضافة إلى تراجع قدرتها على التحكم المباشر في الحركة".

موضحة أن "إسلام آباد تدرك جيدا أنه في حال انهيار حركة طالبان بشكل كامل، فإن الفراغ في السلطة يمكن أن تملأه جماعات مثل داعش-خراسان، التي لديها القدرة على إحداث فوضى واسعة النطاق لا يمكن السيطرة عليها، وبإمكانها أن تربك التوازن الإقليمي بشكل خطير".

وفي هذا الإطار، يرى التقرير أن "شبكة حقاني تمثل رصيدا إستراتيجيا مهما لباكستان؛ نظرا لارتباطاتها الأمنية والعملياتية العميقة، ما يجعلها أداة توازن في معادلات الساحة الأفغانية".

ولفتت إلى أن "موقف قادة حقاني الحذر تجاه التوتر مع باكستان يشير إلى إدراكهم لضرورة الحفاظ على هذا الرابط".

ومع ذلك، تقدر أن "الضغوط الداخلية داخل طالبان، إلى جانب التنافس مع جناح قندهار، تؤدي إلى تآكل تدريجي في تماسك هذه الشبكة، وتزيد من مخاطر تفككها".

توازن دقيق 

استنادا إلى هذه المعطيات، تفسر الصحيفة "التحركات الأخيرة في نورستان، خاصة في مناطق مثل كامديش بولاية نورستان، ضمن إطار أوسع؛ إذ لا تقتصر هذه التحركات على كونها إجراءات تكتيكية حدودية، بل قد تكون جزءا من خطة أشمل لفتح مسارات نفوذ وتحرك أمام الجماعات المتطرفة".

وأردفت: "ومع وجود قوات مرتبطة بجناح قندهار تعرقل هذه السيناريوهات، يصبح خلق حالة من عدم الاستقرار المدروس وسيلة لتغيير المعادلات الميدانية".

من جهة أخرى، "فإن البيئة الاجتماعية والأيديولوجية في بعض مناطق شرق أفغانستان، بما في ذلك انتشار التوجهات السلفية وتزايد السخط على سياسات طالبان القمعية، توفر أرضية أكثر ملاءمة لنفوذ داعش".

وتوقعت الصحيفة أن "يؤدي استمرار هذا الوضع إلى بروز فاعل بديل لا يشكل تحديا خطيرا لطالبان فحسب، بل يتحول أيضا إلى أداة جديدة في صراعات النفوذ الإقليمية".

في المجمل، تنظر الصحيفة إلى هذه التطورات في إطار "مشهد معقّد يتشكل من لعبة متعددة المستويات تجمع بين باكستان وطالبان وعدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين".

ووفقا لها، "تسعى باكستان من خلال هذه السياسة إلى تحقيق توازن دقيق بين الضغط والدعم، بما يمنع طالبان من الانفراد بالسيطرة، ويحول في الوقت نفسه دون بروز تهديدات جديدة خارجة عن السيطرة".

ومع ذلك، ترى الصحيفة أن "هذه المقاربة، في ظل تعقيدات الميدان وتضارب مصالح الأطراف المختلفة، قد لا تمثل حلا مستداما بقدر ما تنذر بتكريس حلقة جديدة من عدم الاستقرار في أفغانستان والمنطقة".