أحزاب المعارضة الموريتانية تنتفض ضد الحكومة .. الأسباب والتداعيات

عالي عبداتي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تعيش موريتانيا حالة من التوتر بسبب زيادة أسعار المحروقات، حيث تحذر أحزاب سياسية من تداعياتها على السلم الاجتماعي، فيما تقول الحكومة إنها رافقتها بإجراءات داعمة للفئات المتضررة.

وجاء هذا الجدل عقب رفع الحكومة أسعار البنزين والكازوال بنحو 10 إلى 15بالمئة، وتقليص دعمها لأسعار الغاز المنزلي، ضمن حزمة إجراءات قالت إنها تهدف إلى تخفيف كلفة دعم الطاقة المتزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار عالميا وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وبموجب القرارات الجديدة، ارتفع سعر الكازوال بنسبة 10بالمئة ليصل إلى 563.5 أوقية قديمة للتر، فيما زاد سعر البنزين بنسبة 15.3بالمئة ليبلغ 589.7 أوقية، مع استمرار تحمل الدولة جزءا من فارق التكلفة.

وذكر موقع "صحراء ميديا" في 31 مارس/ أيار 2026، أن الإجراءات شملت أيضا تعديل أسعار قنينات الغاز المنزلي، حيث ستباع قنينة B12 بسعر 5000 أوقية مقارنة بتكلفة تتجاوز 9000 أوقية، بينما ستباع قنينة B6 بسعر 2400 أوقية، وقنينة 2 كلغ بسعر 1100 أوقية، مع استمرار دعم حكومي كبير.

وأوضحت الحكومة أن هذه الإجراءات تتزامن مع تدابير اجتماعية للتخفيف من آثارها، من بينها رفع الحد الأدنى للأجور إلى 50 ألف أوقية، وتقديم دعم نقدي للأسر المسجلة في السجل الاجتماعي، إلى جانب زيادات استثنائية لبعض العاملين في القطاع العام.

وتعد هذه الزيادة الثانية خلال شهر، إذ سبقتها زيادة أولى في 3 مارس، ما يعكس التأثير المباشر لأزمة الإمدادات العالمية، بعد أن تسببت الحرب في اضطرابات واسعة بسلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الاستيراد، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضبط السوق.

Capture d’écran 2026-04-05 154648.png

احتقان متصاعد

في المقابل، أعلنت الحكومة الموريتانية عن حزمة إجراءات للتخفيف من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكدة أن التدابير الجديدة تراعي الفئات الهشة ولن تؤثر على أسعار المواد الأساسية.

وقال الناطق باسم الحكومة الحسين مدو في ندوة صحفية في 31 مارس، إن السلطات قررت حظر تنقل السيارات داخل المدن عند منتصف الليل، ابتداء من الخميس 02 أبريل/نيسان 2026، في إطار مساع لترشيد استهلاك الطاقة.

وأضاف مدو أن الرئيس الموريتاني قرر التنازل عن مليون أوقية قديمة من راتبه، فيما سيتنازل الوزير الأول عن 400 ألف أوقية قديمة، للمساهمة في تخفيف آثار ارتفاع أسعار الطاقة.

وفي سياق متصل، أعلنت الحكومة تقديم دعم مباشر للموظفين العموميين بقيمة 45 ألف أوقية قديمة، لمساعدتهم على مواجهة ارتفاع أسعار الغاز المنزلي.

وأكد الوزير الناطق باسم الحكومة، أن هذه الإجراءات لن تنعكس على أسعار المواد الأساسية، التي قال إنها ما تزال خاضعة للتسقيف. مشيرا إلى أن لدى الحكومة إستراتيجية مُعدة سلفا للتعامل مع التقلبات، وغير مرتبطة مباشرة بتطورات الأسواق العالمية.

وأوضح أن الحكومة اعتمدت مقاربة تهدف إلى إيجاد حل عملي للأزمة، مع مراعاة القدرة الشرائية للأسر، خصوصا الفئات الأكثر هشاشة.

بدورها، أعلنت وزارة التجهيز والنقل، عن وضع رقم أخضر مجاني (1886) رهن إشارة المواطنين للتبليغ عن أي تجاوزات تتعلق بزيادات غير مبررة في أسعار النقل العمومي للأشخاص، سواء الحضري أو بين المدن، أو في نقل البضائع.

وقالت الوزارة في بيان صدر الجمعة 03 أبريل 2026، إن الخط الهاتفي مخصص لتلقي شكاوى المواطنين حول المخالفات في هذا المجال، بما يتيح للجهات المختصة التدخل السريع واتخاذ الإجراءات اللازمة.

هذه الإجراءات المعلنة لم تشف غليل الأحزاب السياسية الموريتانية، والتي أكدت أن الزيادة في أسعار المحروقات تجاوز القدرة التحملية لعموم المواطنين.

وفي هذا الصدد، عبر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية،  عن رفضه لهذه الزيادة المجحفة والتي ستنعكس سلبا لا محالة على أسعار النقل والمواد الأساسية، مما يفاقم الأعباء اليومية الملقاة على كواهل الأسر التي يعيش العديد منها تحت خط الفقر.

واستنكر الحزب في بيان صدر الأربعاء 01 أبريل 2026 تجاهل الحكومة للظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون، مشددا أنه في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، يصبح من اللافت واللامسؤول تحميل المواطن البسيط كل تبعات الأزمات التي يتوجب على السلطة مجابهتها بحكم تبعات  المسؤولية السياسية والأخلاقية الملقاة عليها.

وطالب الحزب المعارض "الحكومة بإلغاء أو مراجعة القرار المتعلق بهذه الزيادة في أفق زيادة الدعم، بما يراعي المصالح العليا للبلد ومواطنيه"، داعيا إلى "ضرورة إرساء مبادئ الشفافية والمحاسبة ومحاربة الفساد بكل أشكاله المؤدي إلى سوء التسيير وتبديد موارد الثروة الوطنية".

كما انتقد حزب "موريتانيا إلى الأمام" القرار الحكومي، مؤكدا أنه سيزيد من معاناة المواطنين، خصوصا ذوي الدخل المحدود، ومشككا في جدوى الإجراءات المصاحبة له، من بينها حظر التجوال الليلي، الذي اعتبره متعارضا مع حرية التنقل.

بدورها، دعت جبهة المواطنة والعدالة "جمع" إلى مراعاة الظروف المعيشية الصعبة للمواطنين، مطالبة بمراجعة بعض الزيادات، خاصة المتعلقة بالغاز المنزلي، وتعزيز الدعم الموجه للفئات الهشة.

من جهته، أكد حزب تجديد الحركة الديمقراطية "تحدي"، أن حزبه قرر، بعد اجتماع استثنائي لأعضاء مكتبه التنفيذي النزول للشارع احتجاجا على ما وصفه ب"تغول النظام".

وطالب الحزب في تصريح صحفي في 1 أبريل، الحكومة بتقديم إيضاحات في ما يتعلق بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، مشيرا إلى أنها شملت الغاز الذي تعد موريتانيا ضمن مجموعة الدول المصدرة له.

وأكد أن الأمانة العامة للحزب وجهت "رسائل إلى السلطات الإدارية في مقاطعتي لكصر وتفرغ زينة، لإشعارها بتنظيم الحزب لمسيرة احتجاجية سلمية منسجمة مع القانون يوم الأحد القادم".

وأشار إلى أنه "لا خيارات أخرى أمام الحزب سوى المطالبة بالحقوق والنزول للشارع، والتصدي بشجاعة وقوة لقرارات النظام الارتجالية وغير المبررة".

محاولة احتواء

أمام حدة الجدل والغضب الشعبي بالشارع الموريتاني، استقبل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، 2 أبريل 2026، رؤساء أحزاب ائتلاف المعارضة، في لقاء خُصص لبحث تداعيات ارتفاع الأسعار والإجراءات الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثاره على المواطنين.

وأفادت الوكالة الموريتانية للأنباء أن اللقاء يندرج ضمن سلسلة مشاورات سياسية دورية تجمع الرئيس بمختلف الفاعلين السياسيين في البلاد.

وخلال الاجتماع، تم استعراض مجموعة من التدابير الهادفة إلى دعم الفئات الهشة والحفاظ على التوازنات الاقتصادية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحمي القدرة الشرائية.

ووفق المصدر ذاته، تناولت المباحثات أبرز القضايا الوطنية الراهنة، خصوصا القرارات الأخيرة لمجلس الوزراء المرتبطة بأزمة الطاقة وتداعيات التطورات الدولية على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي.

فيما أشاد حزب الإنصاف الحاكم بالإجراءات الحكومية، واصفا إياها بـ "المقاربة المتوازنة"، ومؤكدا أن السياق الدولي الضاغط وارتفاع كلفة الدعم إلى مستويات كبيرة يفرضان اتخاذ مثل هذه القرارات، داعيا المواطنين إلى تفهمها.

IMG_2198.jpeg

تظاهر ضروري

في ظل هذا النقاش السياسي الموريتاني، أكد رئيس حزب تجديد الحركة الديمقراطية، يعقوب ولد أحمد لمرابط، أن الدعوة للتظاهر والخروج للشارع رفضا لقرارات الحكومة أمر ضروري.

وشدد ولد أحمد لمرابط لـ "الاستقلال"، أن حزبه دعا للتظاهر طبقا للقانون الموريتاني، كما قام بإشعار الجهات المعنية وبلغ كذلك مؤسسة المعارضة بالبرلمان.

ورأى أن التظاهر يضع السلطة أمام تحد أساسي يتمثل في أن نكون دولة ديمقراطية تطبق القانون وتضمن الحقوق والحريات، أو العكس.

وأكد أن ما يجري من تأزيم اجتماعي واقتصادي يعاني منه المواطن الموريتاني تسببت فيه السلطة الحاكمة، إثر الخطوات المرتجلة التي اتخذها بخصوص أسعار الغاز والمحروقات.

ورأى ولد أحمد لمرابط أن هذه الزيادة هي أمر مرفوض، لا سيما أن المستفيد الرئيس منها هي شركات المحروقات والموردين على حساب المواطنين البسطاء.

وذكر المتحدث ذاته أن الخروج للشارع هو ضد الغلاء المعيشي وارتفاع الأسعار والفساد وتخبط الرئيس ولد الغزواني وحكومته، والتي دمرت المواطن الموريتاني وقوت يومه وهمشت الشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة وغيرهم.

ودعا ولد أحمد لمرابط حكومة بلاده إلى أن تأخذ الدول المجاورة كقياس، والتي نرى أنها تعمل على خفض أسعار المحروقات، ومنها السنغال التي خفضت الغاز للمرة الثالثة، عكس موريتانيا، رغم أنها دولة مصدرة للغاز.

وشدد الفاعل الحزبي أن ما يجري من إجهاز حكومي على القدرة الشرائية للمواطنين يتطلب دعم الشعب الموريتاني للقوى المعارضة وحمايته للأصوات الداعمة لمصالحه الحقيقة.

ودعا ولد أحمد لمرابط الحكومة إلى الزيادة في الرواتب وخفض الأسعار وخلق مبادرة حوار وإصلاح وطني حقيقي لمعالجة الوضع القائم والمنذر بنتائج ومآلات سلبية.

دعت جهات حزبية بموريتانيا إلى التظاهر بالشارع رفضا لقرار الزيادة في أسعار المحروقات، غير أن السلطات الحكومة واجهتها إما بالرفض أو العنف.

وفي هذا الصدد، أعلن "حزب موريتانيا إلى الأمام" أنه قام بإشعار الجهات الحكومية بنيته تنظيم وقفة احتجاجية في ساحة الحرية، غير أن الجهات الحكومية، ممثلة في حاكم تفرغ زينه، رفضت منح الترخيص دون تقديم مبرر كاف، مكتفية بالقول إنها لن ترخص لأي وقفة في هذا التوقيت.

وأكد الحزب في بيان في 2 أبريل 2026 أن "هذا الرفض يُعتبر تضييقا على الحريات ومساسا بحق التعبير".

كما قامت الشرطة الموريتانية بفض مظاهرة احتجاجية مساء الأحد 05 أبريل 2025 وسط العاصمة نواكشوط، نظمها عدد من النشطاء والسياسيين للتنديد بارتفاع أسعار المحروقات.

واستخدمت شرطة مكافحة الشغب المسيلات والهراوات لتفريق المحتجين، وسط مناوشات بين الشرطة والمتظاهرين في الشوارع الفرعية.

وفرضت الشرطة طوقا أمنيا مشددا في المنطقة الواقعة بين "ملتقى طرق بي ام دي" و"محطة استار" قبيل وصول المحتجين.

ورفع المشاركون في تلك الاحتجاجات الشعارات المنددة بارتفاع الأسعار، قبل أن تتدخل الشرطة مستخدمة قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

واعتقلت الشرطة مشاركين في الاحتجاجات فيما نشر نشطاء مقاطع فيديو تظهر إصابة متظاهرين بحالات إغماء.

هذا وحمل النائب المعارض محمد الأمين سيدي مولود، السلطات كامل المسؤولية عن أي ضرر يلحق بأي متظاهر ضد الغلاء.

وأضاف سيدي مولود في تدوينة نشرها عبر فيسبوك في 5 أبريل، الحكومة مسؤولة لأنها قام بإجراءات ظالمة وماحقة في حق الشعب، ثم رفضت ترخيص التظاهر لأحزاب مرخصة وهذا ظلم.

واسترسل النائب البرلماني، "ثم قامت بقمع غير مبرر ولا مسؤول ضد متظاهرين سلميين".

نظرة مستقبلية

في السياق، رأى المحلل الاقتصادي والمالي محمد أحمد أمجار، أن مقاربة قرار زيادة أسعار المحروقات تقتضي تجاوز ردود الفعل الآنية، والنظر إليه ضمن سياقه الاقتصادي والمالي الأوسع، بما يحمله من إكراهات حقيقية، كما ينطوي عليه من فرص ينبغي استثمارها بحسن تقدير.

وأوضح أمجار في مقال رأي بالمناسبة نشره موقع "الأخبار" المحلي في 4 أبريل، أنه منذ مارس 2026، يشهد العالم اضطرابات جيوسياسية حادة في مضيق هرمز، أحد أبرز الممرات الإستراتيجية لنقل النفط عالميا، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الخام إلى مستويات تفوق 90 دولارا للبرميل.

وبالنسبة إلى موريتانيا التي تعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المنتجات النفطية المكررة، يقول الكاتب، فقد انعكس هذا الارتفاع بشكل مباشر على كلفة الطاقة محليا.

وزاد، كما كانت المالية العامة تتحمل أصلا عبئا يتجاوز 45 مليار أوقية سنويا لدعم أسعار الوقود. ومع الارتفاع الأخير، أصبح هذا المستوى من الدعم غير قابل للاستمرار دون الإخلال بالتوازنات المالية، أو المساس بقدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية.

وعليه، يردف أمجار، فإن قرار تعديل الأسعار يندرج في إطار الضرورة المالية، أكثر مما يعكس توجّها سياسيا أو خيارا إيديولوجيا، وفق تعبيره.

وشدد الكاتب أن الأثر الاجتماعي لأي تعديل في الأسعار يبقى عنصرا حاسما في تقييم جدواه، منبها إلى أن "الإصلاح الذي لا يواكبه نظام فعال للحماية الاجتماعية، قد يتحول إلى عبء إضافي على الفئات الأكثر هشاشة".

ومن ثم، يردف المصدر ذاته، "فإن الحفاظ على التوازن الاجتماعي يقتضي اعتماد آليات دعم موجهة، تضمن الحد الأدنى من الحماية للقدرة الشرائية".

وذكر أمجار أن من أولويات المرحلة "الشروع في إعادة التفاوض بشأن عقود الغاز بما يعزز العائدات"، و"تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية الموجهة"، و"تسريع وتيرة تنويع مصادر الطاقة"، و"مراجعة نماذج التعاقد المستقبلية بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق".

وشدد أمجار أن التحولات الجارية تضع موريتانيا أمام اختبار حقيقي في كيفية إدارة مواردها وتكييف سياساتها مع المتغيرات الدولية، مؤكدا أن "السيادة الاقتصادية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارات متوازنة تحمي مصالحها في سياق متغير".