هجرة عكسية من بلد "الحريات".. لماذا يهرب مسلمو فرنسا إلى دول أخرى؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ أعوام

12

طباعة

مشاركة

مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الفرنسية في أبريل/نيسان 2022، وتصاعد العنصرية اليمينية في خطابات غالبية المرشحين، واتهام المسلمين بالسعي لاحتلال البلاد عبر فكرة "الاستبدال العظيم"، يضطر مسلمو فرنسا للهجرة إلى دول أخرى.

وأكدت صحف فرنسية وجود هجرة للمسلمين بسبب العنصرية ضدهم، وأن بعضهم كفاءات ويختارون قسرا الانتقال إلى تركيا، حيث الأجواء مناسبة لهم دينيا واقتصاديا.

هذه الهجرة العكسية للمسلمين، الذين يشكلون 10 بالمئة من سكان فرنسا، التي تسمى في الغرب "بلد الحريات"، أرجعتها تقارير صحفية إلى "الإسلاموفوبيا وجرائم العنصرية والكراهية".

هروب هادئ

وسلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الضوء في 13 فبراير/شباط 2022، على "الهروب الهادئ للمسلمين من فرنسا" وهجرة المئات منهم بالفعل؛ بحثا عن حياة أكثر أمنا في دول أخرى، وسط تصاعد الإسلاموفوبيا بصورة كبيرة.

الأستاذ بجامعة ليل الفرنسية، أوليفييه إستيفيز، أجرى مسحا على 900 مسلم فرنسي هاجروا، والتقى مع 130 آخرين، قال إنهم "يهربون إلى كندا وبريطانيا لأن بلدهم يربطهم بالجريمة والأمراض الاجتماعية، وفرنسا تطلق النار على نفسها بعنصريتها".

وبدأ سياسيون فرنسيون بربط المسلمين أخيرا بـ"الجريمة" وغيرها من الأمراض الاجتماعية بتعبيرات عنصرية تصفهم بـ"الغزاة"، والمطالبة أن يكون "مكانهم مناطق خارج فرنسا" أو في "معازل"، وبعضهم طالب بحرمانهم من العمل.

صحيفة "الغارديان" البريطانية أكدت أن هذه الإسلاموفوبيا "لن تجعل فرنسا فقط في خطر، بل كل الاتحاد الأوروبي، لأن من سيفوز من هؤلاء اليمينيين سيقود أوروبا في ظل رئاسة فرنسا للاتحاد".

وهذه أول انتخابات فرنسية تدور بين "التطرف ومزيد من التطرف"، كما قالت الغارديان في 14 فبراير/شباط 2022، في ظل تباري مرشحي الرئاسة في التصريحات العنصرية ضد المسلمين إلى حد الدعوة لطردهم وإبعادهم عن البلاد.

ووصلت هذه العنصرية والعداء لكل ما هو إسلامي، حد مطالبة أعضاء بمجلس الشيوخ الفرنسي (يسيطر عليه اليمين) في 11 فبراير/شباط 2022، بحظر الحجاب في المنافسات الرياضية.

وإذا شرعت باريس في منع الرياضيات المحجبات المشاركات في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية المقامة عام 2024 بفرنسا، فقد تحرم من استضافتها، لذا يفكرون في التراجع عن مطالب الحظر.

أسباب الهجرة

ورصدت صحيفتا "نيويورك تايمز"، و"لو جورنال دو ديمانش" الفرنسية، الوضع الذي "يزداد سوءا يوما بعد يوم"، والذي دفع بعض المسلمين لمغادرة فرنسا، والعيش في بلدان جديدة هربا من العنصرية.

"لو جورنال دو ديمانش"، أكدت في 16 فبراير 2022 أن "العنصرية ضد المسلمين الفرنسيين تسببت في هجرة شباب مبتكر إلى تركيا، استقروا هناك هربا من ممارسات الإسلاموفوبيا في بلادهم".

وأشارت إلى أن أنقرة "جذبت مئات المسلمين ممن كانوا يعيشون في فرنسا، وأن معظم من تركوا باريس واستقروا في تركيا يغلب عليهم التدين والابتكار".

وبينت الصحيفة أن "الفرنسيين الذين غادروا هربا من العنصرية والتمييز، ذهب بعضهم أولا إلى البوسنة والهرسك والنرويج قبل أن يستقروا في تركيا".

مسلمون آخرون قالوا لصحيفة "نيويورك تايمز" إن التركيز على موضوع الهجرة في خطابات المرشحين لرئاسيات 2022، أثار مخاوفهم وقلقهم فغادروا، خصوصا أن جميع المرشحين يشتركون في ذات الخطاب المعادي والمحرض ضدهم.

وأشاروا إلى أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكتوبر/تشرين الأول 2020 خطته لمكافحة ما سماه "النزعات الانفصالية"، ضمن قانون "تعزيز قيم الجمهورية"، كان هدفه المعلن محاولة إدماج المسلمين.

لكن ما حدث لاحقا هو "طرد لا إدماج" بزيادة مراقبة المساجد والجمعيات وغلق بعضها، وتقييد تمويل أنشطتها، وتعرض المسلمين إلى التمييز العنصري أثناء الحصول على وظيفة.

ولفت المتحدثون إلى "تأكيد الحكومة الفرنسية نفسها لذلك، في دراسة نشرتها خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أظهرت أن الفرنسيين من أصول مسلمة أقل حظا في الحصول على وظائف، بسبب أجواء الكراهية والعداء ضدهم".

كما انتقدوا "عقاب" حكومة فرنسا لكل المسلمين جماعيا، وعدم قبول اندماجهم ومحاكمتهم بـ"أخطاء غيرهم".

وزادت الهجمات المعادية للمسلمين في فرنسا منذ عام 2020 بنسبة 52 بالمئة، بحسب بيان لهيئة "حقوق الإنسان" الحكومية، في 31 يناير/كانون الثاني 2021، وأصبح العرب والسود عرضة لتوقيف الشرطة لهم وفحص هوياتهم بنسبة 20 ضعفا.

بعض هؤلاء المسلمين رووا تجاربهم التي دفعتهم للهرب من فرنسا بسبب تصاعد الإسلاموفوبيا لصحيفة "نيويورك تايمز" التي نشرتها في 13 فبراير/ شباط 2022.

الكاتب صبري لواتة، وهو حفيد مهاجر جزائري مسلم، وأحد هؤلاء الذين تركوا فرنسا وهربوا إلى الولايات المتحدة، قال إنه لم يعد بمأمن وتعرض للبصاق والشتيمة والصراخ في وجهه، ووصفه بـ"العربي القذر".

فيما قال "عامر مركوز"، الذي ولد في باريس "أنا فرنسي ومتزوج من فرنسية وأتحدث الفرنسية وأعيش كفرنسي، لكن في بلدي أنا لست فرنسيا".

وبين مركوز أن معظم من هاجروا معه من فرنسا إلى بريطانيا، "لم يكونوا قادرين على الحصول على وظيفة، ومنهن محجبات.

مطاردة الساحرات

ودفعت العنصرية ضد المسلمين، وهجرة بعضهم بالفعل، الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية في أوروبا "ENAR" لدق ناقوس الخطر حول تدهور الوضع الحقوقي لمسلمي فرنسا.

ووصفت رئيسة الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، كارين تايلور، ما تفعله فرنسا بالمسلمين بأنه أشبه بـ"مطاردة الساحرات"، على غرار ما كانت تفعله الكنيسة في العصور الوسطى من مهزلة اضطهاد أشخاص تدعي أنهم يمارسون السحر.

وقالت إنهم "يستخدمون نظريات المؤامرة لجعل المسلمين أكباش فداء للعملية السياسية، بدلا من الاعتراف بمشاكل الإسلاموفوبيا".

ونشرت الشبكة بيانا في 14 فبراير/شباط 2022 تندد فيه بـ"التمييز العنصري" الذي تمارسه الحكومة الفرنسية ضد مسلمي البلاد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وتحذر من انتشار هذه العنصرية المؤسسية في باقي أوروبا مع الرئاسة الفرنسية للاتحاد.

وحذرت من أن "هذا التوجه العنصري الذي تتبعه الحكومة الفرنسية، سيؤثر على السياسات الأوروبية بعدما تقلدت باريس مطلع هذا العام رئاسة الاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر، عندما بدأت هذه الجالية تفضل الرحيل هربا من الاضطهاد اليومي".

واعتبرت الشبكة أن "فرنسا تعيش بالفعل حكما يمينيا متطرفا"، مشيرة إلى قرارات "حل جمعيات ومدارس إسلامية وغلق مساجد بدون سند قانوني".

"الاستبدال العظيم"

وكانت خطابات التحشيد والهجوم العنصرية من المرشحين الرئاسيين ضد المسلمين، واستحضارهم لنظرية عنصرية تتهم المسلمين المهاجرين بأنهم سيحتلون فرنسا بدل المسيحيين البيض، ما تسبب في اعتداءات ضدهم، أحد أسباب هجرتهم.

المرشح المتطرف، إريك زمور، روج لنظرية "الاستبدال العظيم" زاعما أن أجزاء من فرنسا "يتم استعمارها" من قبل المهاجرين المسلمين، وتعهد بطردهم من البلاد.

ودعم أفكار زمور المعادية للمسلمين، الرئيس الأميركي السابق اليميني المتطرف دونالد ترامب، واتصل به هاتفيا في 15 فبراير 2022، لإسداء النصح له، ودعاه للتمسك بأفكاره الرجعية ضد المسلمين.

"زمور" استهدف المساجد والأذان في تصريحات أخيرة له على إحدى القنوات الفرنسية قائلا: "لا أريد أن أسمع صوت المؤذن في فرنسا، ولن أسمعه إذا أصبحت رئيسا للجمهورية، نرحب بالكنائس بدلا من المساجد لأسباب ثقافية"، وفق تعبيره. 

ليس زمور فقط من هدد المسلمين واستخدم نظرية "الاستبدال العظيم" التي تشبه نظرية زعيم النازية أدولف هتلر في التعامل مع الأقليات، في الدعاية ضدهم، وأثار مخاوفهم.

المرشحة المحافظة، فاليري بيكريس، استخدمت أيضا خطاب اليمين المتطرف وأشارت إلى نظرية المؤامرة "الاستبدال العظيم" في أول تجمع انتخابي كبير لها في 13 فبراير 2022.

وتعمدت بيكريس القول إن "ماريان ليست امرأة محجبة"، لكي تزعم أن "فرنسا ليست للمسلمين".

و"ماريان" شخصية لسيدة تعتبر رمزا للثورة الفرنسية وترفع تماثيلها في البلاد أو على عملتها، وتظهر عارية الصدر، ما يتعارض مع الحجاب الإسلامي، ويعتبرها الفرنسيون رمزا لهويتهم المعادية للحجاب والإسلام عموما.

خبراء سياسيون اعتبروا استخدام بيكريس هذا الشعار العنصري، "يسلط الضوء على تحول فرنسا إلى اليمين، والتأثير الساحق للأفكار اليمينية في هذه الحملة"، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" في 15 فبراير/شباط 2022.

الخبير في اليمين المتطرف بمعهد السياسة في ليون، فيليب كوركوف، اعتبر استخدام بيكريس لتعبير ماريان "دليل عنصرية واضحا ضد المسلمين، ومؤشرا لأنه سيتم التمييز بين الفرنسيين وفقا للمعايير العرقية".

المرشح الرئاسي اليميني، إريك سيوتي، هاجم أيضا المسلمين وزعم أن "الهجرة العربية الإسلامية تهديد للحضارة المسيحية اليهودية" في فرنسا، ووصف الحجاب بأنه "رمز" و"علم" للإسلام السياسي.

وخلال برنامج على قناة "BFM TV" في 14 فبراير/شباط 2022، قال سيوتي إنه يريد حظر الحجاب للطالبات والنساء اللائي يستفدن من خدمات الحكومة.

ومن شبه المؤكد أن يواجه ماكرون المرشحين اليمينيين اللذين يعتنقان نظرية "الاستبدال العظيم"، بيكريس وزمور في انتخابات أبريل/نيسان 2022، والثلاثة يتنافسون ببرامج عنصرية ضد مسلمي فرنسا.

ونظرية "الاستبدال العظيم"، طرحها الكاتب الفرنسي اليميني المتطرف، رونو كامو، في كتابه "الاستبدال الكبير"، وتدور حول غزو المهاجرين القادمين من إفريقيا، لفرنسا ثقافيا ودينيا واجتماعيا.

وتجادل هذه النظرية بأن "الحضارة المسيحية يجرى استبدالها عمدا باستخدام الهجرة الإسلامية من إفريقيا"، بحسب صحيفة "ديلي ميل" البريطانية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2021.

ويرى باحثون أن "الاستبدال الكبير" هي نظرية قديمة تبنتها الحركة النازية التي كانت تروج للتهديد بقرب اندثار الشعوب الأوربية البيضاء وخطر اليهود على العرق الآري.

وكل ما فعله "كامو" واليمين الفرنسي المتطرف هو أنهم استبدلوا اليهود بالمسلمين في نظرية الاستبدال، بحسب إذاعة "مونتي كارلو" الفرنسية في 17 مارس/آذار 2019. 

وترجع جذور الفكرة لفترة العصور الوسطى المسيحية، التي اعتبرت المسلمين واليهود تهديدا، وروجت حينئذ لنظرية "غرق" فرنسا في فيضان "غاز أجنبي" مفترض، بحسب صحيفة "لوموند" في مقال نشرته في 31 يناير/كانون الثاني 2022.

وقد استند سفاح نيوزيلاندا "برينتون تارونت" الذي قتل 50 مصليا في مسجدين خلال مارس/آذار 2019، لهذه النظرية كمبرر لارتكاب جريمته، وعنون البيان الذي نشره على الإنترنت قبل المجزرة بنفس عنوان كامو "الاستبدال الكبير".

تشجيع الإسلاموفوبيا 

تصاعد العداء للمسلمين والدعوة لطردهم، انعكس على عداء المزيد من الفرنسيين للمسلمين، كما أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز "هاريس انترأكتيف" الفرنسي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

الاستطلاع كشف أن ثلثي الفرنسيين تأثروا بهذه "الدعاية السوداء" ضد المسلمين، ويعتقدون أن المسيحيين البيض "مهددون بالانقراض" بسبب هجرة المسلمين، لذلك يرغبون في إبعادهم ويضيقون عليهم لترك فرنسا.

الاستطلاع سأل الفرنسيين عن فكرة "الاستبدال العظيم" للسكان البيض والمسيحيين في أوروبا بالمسلمين المهاجرين من إفريقيا، فقال 61 بالمئة منهم إن هذا السيناريو سيحدث "بالتأكيد" أو "من المحتمل".

الاستطلاع، الذي أجراه "هاريس انترأكتيف"، سأل عما إذا كان الناخبون يؤمنون بهذا المفهوم (الاستبدال العظيم) أم لا؟

وكانت المفاجأة أن 61 بالمئة من الفرنسيين قالوا إنهم يعتقدون أن هذه الظاهرة "يمكن أن تحدث في فرنسا"، بينما قال 27 بالمئة إنهم "متأكدون" من حدوثها، فيما قال 39 بالمئة فقط أن ذلك "محتمل" أو "مؤكد لن يحدث".

وحين تم طرح سؤال آخر، هل الفرنسيون "قلقون" أو "غير قلقين" بشأن فكرة "الاستبدال العظيم"؟، قال 67 بالمئة إنهم قلقون بشأن تحقق هذه الفكرة، مقارنة بـ33 بالمئة فقط نفوا إمكانية تحققها.

والمثير أن دراسة نشرتها "لوموند" في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أكدت أن فرنسا بعيدة كل البعد عن هذا "الغزو"، حتى ولو كانت الهجرة لفرنسا (من قبل المسلمين) تتزايد.

وأوضحت أن نسبة المهاجرين 10.2 بالمئة، وهي أقل من المتوسط ​​في فرنسا ولا تستدعي مطالبة السياسيين بوقف الهجرة أو منعها، وحديث بعضهم عن تقديم "خطة كاملة للسيطرة على الهجرة".

"لوموند" أكدت أنه "يوجد اليوم 6.8 ملايين مهاجر مقابل 67.3 مليون نسمة، أي 10.2 بالمئة من السكان من المهاجرين، مقارنة بـ4.7 بالمئة عام 1975 و5 بالمئة في 1946.

ونقلت "لوموند" عن خبراء، منهم رئيس قسم الهجرة الدولية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، جان كريستوف دومون، قوله إن "هذا المعدل أقل بكثير في دول الخليج، حيث يصل المهاجرون إلى 70 بالمئة".

وأضافت أنه معدل أقل من إسبانيا 13.3 بالمئة، وهولندا 13.5 بالمئة، والمملكة المتحدة 13.7 بالمئة، وألمانيا 16.2 بالمئة، وبلجيكا 17.3 بالمئة، وكندا 20.3 بالمئة، فكيف يقال إن "المسلمين يغزون فرنسا ونسبتهم 10 بالمئة؟"