مقايضة الاعتراف.. ما سر الاهتمام الأميركي الإسرائيلي بأرض الصومال؟

داود علي | منذ ٤ أيام

12

طباعة

مشاركة

في خضم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ومع تصريحات وتلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الرامية إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، بدأت تلوح في الأفق تحركات مريبة ترتبط بجمهورية أرض الصومال.

وأشارت تلك التحركات إلى رغبة أميركية إسرائيلية في إقامة قواعد عسكرية في أرض الصومال، ذلك الكيان الإفريقي الذي يسعى منذ عقود لانتزاع اعتراف دولي بكيانه الانفصالي.

وقالت شبكة "كان" الإسرائيلية، مطلع مارس/آذار 2025: إن "أرض الصومال تحاول استغلال الوضع في غزة والساحة الفلسطينية، لتحقيق مكاسب سياسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل".

وتتردد تساؤلات عن صفقة خفية قد تكون قيد التشكل، تتضمن الاعتراف بأرض الصومال مقابل فتح أراضيها أمام مشاريع أمنية وإستراتيجية، من بينها استيعاب مهجرين فلسطينيين من غزة.

فهل يكون الطريق من غزة إلى أرض الصومال جزءا من تسوية إقليمية كبرى، لا تزال الكثير من تفاصيلها طي الكتمان؟

وما حقيقة ما يدور بين واشنطن وتل أبيب، وهرجيسا عاصمة أرض الصومال؟ وما علاقة الإمارات بتلك التفاصيل؟

تسريب للتهجير

وعلى مدار أيام متتالية تداولت وسائل إعلام إسرائيلية، تقارير تتحدث عن أرض الصومال كجهة منفتحة ومتقبلة لاستقبال سكان مهجرين من غزة، الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي غاشم، وذكرت أن هرجيسا لا تمانع استيعاب أهالي القطاع لديها شريطة الاعتراف بها.

وفي 11 مارس 2025، أوردت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، ما أسمته “تسريبا” بأن مسؤولين أميركيين تواصلوا مع حكومات من شرق إفريقيا لمناقشة إمكانية نقل النازحين الفلسطينيين من غزة.

فيما "أفادت هيئة البث العامة" الإسرائيلية، في 12 مارس، بأن وزير خارجية أرض الصومال عبد الرحمن ضاهر آدان قال: إنهم لا يستبعدون استيعاب سكان غزة.

وأضاف الوزير في تصريح زعمت الهيئة أنه مكتوب إليها: "نحن منفتحون على مناقشة أي مسألة، لكننا لا نريد التكهن بأمور لم تناقش بعد". 

وتابع: "يجب على جميع الدول المهتمة بمناقشة قضايا معينة معنا أن تنشئ أولا علاقات عمل معنا وأن تفتح بعثات دبلوماسية في أرض الصومال".

ويملك الإقليم الانفصالي عن الصومال، ساحلا بطول 740 كيلومترا على خليج عدن، ويحتل موقعا إستراتيجيا عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر.

وهو من الأماكن البارزة في منطقة القرن الإفريقي، ولا يحظى باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991.

نفي واتهامات 

وعلى وقع انتشار تلك التقارير، أدلي وزير خارجية أرض الصومال عبد الرحمن ظاهر آدان، في 14 مارس، ببيان مقتضب ذكر فيه “أنه لا توجد محادثات مع أي طرف بشأن توطين فلسطينيين من غزة”. 

وأكد أنه "لم أتلق أي مقترح بهذا الشأن، ولا محادثات مع أي شخص بشأن الفلسطينيين".

ولم تكن التقارير الإسرائيلية التي كشفت عن توجهات ومخططات تمس تهجير الفلسطينيين من غزة إلى تلك المناطق.

ففي 6 فبراير/ شباط 2025، نشر موقع "بي بي سي" البريطاني، أن "أرض الصومال، ومعهما المملكة المغربية، جهات مرشحة لاستقبال الفلسطينيين الذين ترغب الإدارة الأميركية في تهجيرهم". 

وكان ترامب، أعلن أن “سيطرة بلاده على غزة ستكون طويلة الأمد” وأن الفلسطينيين لن يعودوا للقطاع بعد إعماره.

وتبلغ مساحة أرض الصومال، نحو 212 ألف كيلومتر مربع، وهي تشكل بذلك نحو ثلث مساحة الصومال الكلية، ويقدر عدد سكانها بنحو 5 ملايين نسمة، ويتحدثون الصومالية والعربية والإنجليزية.

وفي عام 2024، أعلنت أرض الصومال، أنها ستعمل كدولة مستقلة “وظيفيا”، وذلك وسط نزاعات بشأن تعديلات دستورية في مقديشو، مع مساع وتحالفات أقامها الإقليم الانفصالي من أجل انتزاع الاعتراف به دوليا، لا سيما من القوى العالمية. 

قاعدة أميركية

وهناك معطيات أخرى جعلت فكرة احتمالية المقايضة السياسية ما بين الاعتراف بأرض الصومال وتهجير الفلسطينيين إليها، قائمة ومحتملة.

ومنها أن قضية أرض الصومال كانت حاضرة في وثيقة “مشروع 2025” للانتقال الرئاسي الأميركي، التي صاغها 140 من أعضاء وأنصار الحزب الجمهوري قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية 2024.

وتضمنت الوثيقة الأهداف الواجب تنفيذها على ترامب خلال المائة يوم الأولى من وجوده في البيت الأبيض.

واقترحت الوثيقة أنه في حال فوز ترامب، فستعترف واشنطن رسميا بـ "أرض الصومال"، وذلك على ما يبدو للاستفادة من موقعها الإستراتيجي. 

وكان عضو مجلس النواب الأميركي، سكوت بيري، قدم مشروعا إلى الكونغرس، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، يدعو إلى الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة.

وفي 15 مارس 2025، كشفت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، عن محادثات بين واشنطن وأرض الصومال، حول إقامة قاعدة العسكرية هناك.

ونقلت عن مسؤول أميركي كبير، لم تذكر اسمه، أن "إدارة ترامب بدأت مفاوضات مع قيادة أرض الصومال بشأن الاعتراف الرسمي".

وتابعت "مع ذلك، لا تزال المحادثات حساسة للغاية؛ حيث لم يعين الرئيس دونالد ترامب بعد مسؤولين رئيسين يشرفون على الشؤون الإفريقية". 

وتمحورت المناقشات حول اهتمام واشنطن بتأمين وجود عسكري طويل الأمد في بربرة، وهو ميناء بأرض الصومال، يطل على خليج عدن.

ويمثل الميناء حاليا محورا للتنافس الجيوسياسي في القرن الإفريقي، بحسب الصحيفة البريطانية. 

ولفتت إلى أن قلق الولايات المتحدة يتزايد بشأن النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، وتحديدا بعد أن حصلت بكين على قاعدة عسكرية في جيبوتي المجاورة.

دور إماراتي

وتمثل أرض الصومال أهمية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، تتجاوز حتى مخطط تهجير الفلسطينيين إليها، وهو ما عبرت عنه صحيفة هآرتس العبرية.

ونشرت الصحيفة في 3 ديسمبر 2024 تقريرا بعنوان "كل العيون تتجه نحو أرض الصومال.. الدولة الإفريقية الصغيرة التي تشكل مفتاح حرب إسرائيل على الإرهاب الحوثي".

وأكدت على توجه إسرائيل بدعم إماراتي لتدشين قاعدة عسكرية في أرض الصومال لمواجهة الحوثيين في اليمن، الذين يشنون هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على الأراضي الفلسطينية المحتلة دعما لغزة.

ومنذ بدء العدوان على غزة ودخول الحوثيين لاحقا على خط الإسناد، تعجز إسرائيل عن إيقاف هجماتهم بسبب البعد الجغرافي والصعوبات الاستخباراتية.

وتحدث موقع "ميدل إيست مونيتور" البريطاني، في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، عن وجود تحركات إسرائيلية لإنشاء قاعدة عسكرية في أرض الصومال.

وكتب الباحث بمعهد الشرق الأوسط بجامعة "سكاريا" التركية، أحمد فيفا ريندي، أن الهدف من تلك القاعدة مهاجمة وردع الحوثيين، في مقابل الاعتراف الرسمي بـ"هرجيسا" وتنفيذ استثمارات فيها.

وتطرق إلى أن إسرائيل سعت لإنشاء مناطق آمنة لأمنها بعمق إستراتيجي، مثل قبرص في البحر المتوسط، وتسعى أن تكون أرض الصومال، مماثلة لها في القرن الإفريقي.

كما نقل الموقع البريطاني عن مصادر دبلوماسية أن الإمارات التي طبعت علاقتها مع إسرائيل عام 2020، هي الوسيط بين تل أبيب وأرض الصومال. 

وأكد أن أبوظبي لم تقنع أرض الصومال بالسماح ببناء القاعدة العسكرية فحسب، بل أكدت لها أنها ستمولها أيضا. 

وتعد الإمارات من الدول التي أثارت جدلا بشأن خطط تهجير الفلسطينيين من غزة، فرغم أن موقف الدولة الرسمي المعلن رافض للتهجير، لكنها تتهم بالتماهي مع أطروحات ترامب.

وقال السفير الإماراتي في الولايات المتحدة، يوسف العتيبة في 14 فبراير 2025، إن نهج واشنطن الحالي تجاه غزة "صعب"، وتابع: "لكن في نهاية المطاف، نحن جميعا نبحث عن حل، لكننا لا نعرف إلى أين سينتهي الأمر". 

وفسر البعض هذه التصريحات على أنها إشارة إلى قبول ضمني من أبوظبي، بما أعلنه ترامب بشأن تهجير مليون ونصف المليون فلسطيني من غزة.