بعد تشاد وأفغانستان.. إلى أي مدى ستنجح قطر في إنهاء النزاع شرق الكونغو؟

لم يتضح كيف سيُنفذ أو سيُراقب الاتفاق الجديد
في إطار الجهود القطرية لوقف النزاع في الكونغو الديمقراطية، دخلت الدوحة على خط الوساطة بين رواندا التي تدعم جماعة "إم 23" المتمردة، والجيش الكونغولي.
وبحسب موقع "دويتشه فيله" الألماني، استغلت قطر علاقتها الاقتصادية الوثيقة مع كل من الكونغو ورواندا لجمع طرفي النزاع على طاولة المفاوضات.
وفي ظل سجل حافل للإمارة الخليجية في التوسط في اتفاقيات السلام، يستعرض الموقع فرص نجاح الدوحة في تثبيت وقف إطلاق النار في شرق الكونغو.

سجل حافل
وجمع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني كلا من الرئيس الرواندي بول كاغامي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسكيدي، في 18 مارس/ آذار 2025، في العاصمة القطرية الدوحة.
ووفقا لبيان مشترك نشرته وزارة الخارجية القطرية عقب المحادثات، أكد الرئيسان الإفريقيان التزامهما بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.
ومع ذلك، لم يتضح كيف سيُنفذ أو سيُراقب هذا الاتفاق، إذ لم تُعلن أي قرارات فورية بشأن ذلك.
وبحسب الموقع الألماني، كان هذا أول اجتماع يجلس فيه الرئيسان على طاولة المفاوضات منذ أن سيطر متمردو "حركة 23 مارس" على مدينتي غوما وبوكافو الإستراتيجيتين في شرق الكونغو الديمقراطية مطلع عام 2025.
وترى بيفرلي أوتشينغ، الباحثة في برنامج إفريقيا بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أن "جهود السلام السابقة التي بذلتها مجموعة شرق إفريقيا (منظمة حكومية دولية وإقليمية تأسست عام 1967، تضم حاليا سبع دول)، ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي قد فشلت.
كما فشلت جميع اتفاقيات وقف إطلاق النار التي كانت قيد الإعداد، قبل أن تدخل حتى حيز التنفيذ.
وأضافت: "مثلت مشاركة قطر مفاجأة، ولكن هناك عدة سوابق لمشاركتها في مبادرات سلام أو حوار، كان بعضها على مستوى القارة الإفريقية".
وأشارت أوتشينغ إلى أن "قطر تمتلك سجلا حافلا بالنجاح في الوساطة في اتفاقيات السلام؛ حيث أدّت المحادثات التي رعتها بين المتمردين التشاديين والحكومة الانتقالية في تشاد إلى (تهدئة القتال بين الفصائل المتمردة)".
كما سلطت الخبيرة الأمنية الضوء على “نجاح الدوحة كوسيط طويل الأمد في أفغانستان”، مؤكدة أن "العقوبات الدولية المفروضة على رواندا بسبب نزاع شرق الكونغو الديمقراطية قد تمنح هذه الوساطة زخما لتعزيز الاستقرار الإقليمي، بينما سيكون خطر فقدان السمعة ضئيلا بالنسبة لقطر".
وأضافت: "قد يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت قطر إلى محاولة التوسط بين تشيسكيدي وكاغامي".

روابط اقتصادية
وأوضحت تينا سلامة، المتحدثة باسم رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، عبر منصة إكس، أن المحادثات جاءت بمبادرة من الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، كما وصفت قطر بأنها "حليف إستراتيجي لكلا البلدين" الواقعين في وسط إفريقيا.
ونظرا لاستثماراتها الواسعة، تُعد قطر شريكا إستراتيجيا مهما لرواندا؛ حيث تمتلك شركة الخطوط الجوية القطرية ما يقرب من نصف أسهم نظيرتها الرواندية (رواند إير)، حسب الموقع الألماني.
إضافة إلى امتلاكها 60 بالمئة من أسهم مطار بوغيسيرا الدولي، الواقع بالقرب من العاصمة الرواندية كيغالي.
كما وقعت "رواندا إير" و"الخطوط الجوية القطرية" اتفاقية تسيير رحلات مباشرة بين كيغالي والدوحة، لتعزيز العلاقات الاقتصادية.
من هذا المنطلق، رأى الموقع أن "اهتمام قطر برواندا يأتي كجزء من إستراتيجيتها الشاملة للنمو".
ويقول إيفون مويا سيمناغا، من كلية دراسات الصراعات بجامعة سانت بول الكندية: "قطر دولة صغيرة في الشرق الأوسط، وتسعى لإثبات نفسها على الساحة الدولية".
وأضاف: "من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، تتعاون قطر ورواندا في عدة مجالات، تشمل السياسة والرياضة والدبلوماسية والاقتصاد".
ويُعد النفط والغاز الطبيعي الركيزة الأساسية للاقتصاد القطري؛ حيث يشكلان أكثر من 70 بالمئة من إجمالي الإيرادات الحكومية.
وتملك قطر ثالث أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم، كما أنها ثالث أكبر مُصدر لهذه المادة الحيوية.
"ومع ذلك، تسعى الدوحة لتنويع اقتصادها، وترى في منطقة البحيرات العظمى الإفريقية، الغنية بالموارد الطبيعية، فرصة استثمارية واعدة"، يقول سيمناغا.
وعقب الموقع: "يبدو أن قطر تعتمد على إستراتيجية الاستثمار في المنطقة؛ حيث تركز على مشاريع البنية التحتية، من خلال تحديث المطارات والموانئ".
وأكمل: "شهدت العلاقات الثنائية بين قطر ورواندا نموا مستمرا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 2017؛ إذ وقع البلدان العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات التجارة والطيران والزراعة".
وأضاف: "تسعى قطر لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الكونغو الديمقراطية، حيث أعلنت الخطوط الجوية القطرية عام 2024 عن توسيع شبكة رحلاتها لتشمل العاصمة الكونغولية كينشاسا، ما يسهم في زيادة عدد الرحلات الجوية وتحسين الربط مع العاصمة الأنغولية لواندا ومناطق أخرى".
وأخيرا هبطت أول رحلة جوية من الدوحة إلى كينشاسا في مطار ندجيلي الدولي في الأول من يونيو/ حزيران 2024، في "خطوة رمزية يمكن أن تعزز العلاقات الاقتصادية والثقافية بين البلدين"، وفق الموقع.

ضغوط دولية
وبناء على تلك المعطيات، يعتقد أن "دور الوساطة القطرية في عملية السلام في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ليس مفاجئا تماما".
ويمكن تفسير الوساطة القطرية من خلال العلاقات الوثيقة التي تطورت خلال السنوات الأخيرة بين النظام الملكي القطري والبلدين المتنازعين.
من جانب آخر، أفاد الموقع بأن جواو لورينكو، الرئيس الأنغولي ورئيس الاتحاد الإفريقي والوسيط في النزاع الكونغولي، "يواصل الضغط من أجل إجراء محادثات مباشرة بين كينشاسا ومجموعة إم 23 المتمردة".
فبعد الاجتماع الذي عُقد في الدوحة، أعلن مكتب الرئيس الرواندي عبر منصة إكس أن القادة بحثوا أيضا "الحاجة الملحة إلى إجراء حوار سياسي مباشر مع (قوات الكونغو الديمقراطية/ إم 23)، لمعالجة جذور الصراع في شرق الجمهورية" المذكورة.
ولفت الموقع إلى أن لقاء رئيسي الدولتين في قطر "جاء بعد فشل محاولة سابقة لجمع حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردين من حركة 23 مارس، على طاولة المفاوضات".
إذ "انسحب المتمردون في 17 مارس 2025 من المفاوضات، وذلك بعد إعلان الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على قيادتهم".
وبحسب "دويتشه فيله"، تسعى حركة إم 23 ورواندا، الداعم الرئيس لها، إلى "السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي قبل الدخول في حوار جاد مع كينشاسا".
ويرى الموقع أن "استعداد كاغامي الجديد للتفاوض، يشير إلى أن الضغوط الدولية المتزايدة بدأت تؤتي ثمارها بالفعل".
واختتم بأن "مجرد عقد لقاء بين تشيسكيدي وكاغامي، رغم عدم تحقيق نتائج واضحة حتى الآن، يعد تطورا ملحوظا يحمل دلالات رمزية كبيرة".