الانتخابات النقابية في الأردن.. هل يعود الإسلاميون لصدارة المشهد مجددا؟

يوسف العلي | منذ ٣ أيام

12

طباعة

مشاركة

تحظى الانتخابات النقابية في الأردن باهتمام بالغ لدى القوى والتيارات السياسية والجهات الحكومية على حد سواء، كونها تضم نحو نصف مليون منتسب من مختلف شرائح المجتمع، وبالتالي فهي تمثل أحد أبرز أوجه الحراك السياسي والاجتماعي في البلاد.

الانتخابات التي تجرى كل ثلاث سنوات كان آخرها عام 2022، انسحبت منها عدة قوائم بارزة خصوصا في نقابة المهندسين التي تعد إحدى أكبر النقابات الأردنية، وسط اتهامات نالت الحكومة بالتدخل والتلاعب في النتائج لصالح جهات قريبة منها.

 تحذيرات مسبقة

ما جرى في عام 2022، حذر حزب "جبهة العمل الإسلامي" (الذراع السياسي للإخوان المسلمين بالأردن) من تكراره في 2025، مطالبا بوقف "ممارسات التدخل في انتخابات النقابات المهنية"، حسب مذكرة وجهها إلى رئيس الحكومة الأردنية، جعفر حسان، مطلع فبراير/ شباط 2025.

وأكد الحزب في مذكرته أن هذه التدخلات التي تمارسها بعض الجهات الأمنية قد تضر بوحدة الوطن وتسيء لصورته في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توحيد الصف الوطني لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية. 

وأوضح الأمين العام للحزب وائل السقا أن "التدخلات تشمل التهديد والترغيب للمرشحين، ما أدى إلى انسحاب العديد منهم، فضلا عن فرض مرشحين غير ذوي علاقة بالعمل النقابي ولا يحظون بتأييد الهيئات العامة".

واتهم السقا جهات رسمية بتسديد الاشتراكات الجماعية لبعض منتسبي الأجهزة الأمنية والشباب العاطلين عن العمل لتوجيههم نحو انتخاب مرشحين محددين، إضافة إلى التأخير غير القانوني لإجراء انتخابات نقابة المعلمين، التي أثرت على خدمة أكثر من 120 ألف معلم.

وشدد السقا على أن هذه الممارسات تشكل تهديدا للديمقراطية وتتناقض مع الإصلاح السياسي في الأردن، مشيرا إلى أنها تسهم في تراجع دور النقابات المهنية وتأثيرها في المجتمع الأردني، وأن تكرار هذه التدخلات يعكس تراجع أداء الأخيرة ويزيد من عدم قناعة الأعضاء بتمثيلهم الفعلي داخل هذه الهيئات.

وفي السياق ذاته، قال نائب مراقب الإخوان المسلمين في الأردن، ونقيب المهندسين الأسبق، عبدالله عبيدات، إن “سيناريو انتخابات نقابة المهندسين 2022 تكرر هذا العام في عدد من الفروع، خصوصا في الزرقاء وإربد”.

ونقلت وكالة "البوصلة" الأردنية عن عبيدات في 2 فبراير/شباط 2025، قوله: إن التدخلات أصبحت أكثر حدة وتنظيما، إذ يجرى توجيه الانتخابات عبر حشد العشائر والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، إلى جانب النوادي والبلديات، مما يؤثر بشكل مباشر على مسار العملية الانتخابية.

وأوضح عبيدات أن من "يهندس الانتخابات" لا يدرك أن التلاعب بالنتائج والتحريض الطائفي يعدان جريمة وفق القانون الأردني، لافتا إلى أن ما جرى في انتخابات فرع الزرقاء يتضمن إثارة للنعرات الطائفية وإنفاق مئات الآلاف من الدنانير لحشد الناخبين ضد مرشحين محسوبين على حزب "جبهة العمل الإسلامي".

وبدأت الانتخابات النقابية مطلع فبراير/شباط 2025، وتمتد حتى مايو من العام نفسه، وذلك على شكل مراحل تبدأ بانتخاب الفروع والشعب، وصولا إلى اختيار الهيئة القيادية لكل نقابة.

أهمية بالغة

وبخصوص الأهمية التي تشكلها النقابات في الأردن، قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني، حازم عياد، إنها "تعود إلى طبيعة وتركيبة هذه النقابات وعدد أعضائها، فهي تضم 500 ألف عضو في هيئاتها العامة، وهذا يعادل نحو 5 بالمئة من نسبة سكان الأردن".

وأوضح عياد لـ"الاستقلال" أن هذه المؤسسات "تضم نخبة المجتمع المثقفة والمتعلمة والمهنية والحرفية والاقتصادية في الأردن، وهي قطاعات مهمة إنتاجيا واقتصاديا، ولها مفاعيل اجتماعية وأدوار سياسية في المجتمع الأردني تمارسه عبر النقابات المهنية".

وأكد الكاتب الأردني أن "وجود هذه الكتلة الضخمة للنشاطات المهنية والحرفية والاقتصادية تترجم في بعض الأحيان إلى مفاعيل سياسية، فهي لها مصالح اقتصادية واجتماعية وتؤثر في الطروحات والقوانين والنقاشات السياسية داخل الأردن وكذلك لها مواقف في قضايا السياسة الخارجية والإقليمية بحكم تمثيلها الواسع لشرائح المجتمع الأردني وثقلها وقدرتها على التأثير".

وتابع: "عندما كانت الحياة السياسية والحزبية معطلة في مرحلة ما من تاريخ الأردن، فإن النقابات مثلت في وقتها المساحة المفتوحة للنشاط والحراك الساسي في البلاد، ورغم تراجع هذا الدور بعد بروز البرلمان والأحزاب لكنها لا تزال أحد الفاعلين المهمين في الساحة السياسية".

وأشار إلى أن "أهمية الانتخابات النقابية تظهر بصفتها تعكس المزاج العام السياسي في الأردن، وحالة التجاذب والتدافع المستمر بين الدولة والمؤسسات السيادية وبين مؤسسات المجتمع المدني، والتي لا تنقطع في أي دولة من الدول التي تتوافر فيها مساحة من الحرية والنشاط السياسي".

وبيّن عياد أن "الانتخابات الحالية شهدت تجاذبات مهمة، خصوصا أن النقابات حاليا تعاني من أزمة كبرى في الجانب المالي، ترافقت مع غياب للتجمعات السياسية- وعلى رأسها جبهة العمل الإسلامي- عن عضوية الكثير من النقابات المهنية".

وأكد عياد أن "واحدة من القضايا الحساسة التي تدور حولها النقاشات والحملات الانتخابية هو الوضع المالي للنقابات ومستقبل العضوية فيها والمحافظ التقاعدية، إلى جانب القضايا السياسية الكبرى مثل الحرب في قطاع غزة والمواقف السياسية تجاه التحولات في الإقليم".

وحسب عياد، فإن "هناك فرصا كبيرة للإسلاميين وجبهة العمل الإسلامي للحصول على مقاعد، خصوصا الانتخابات الأولية للشعب، التي اكتسحوا في بعضها خصوصا في العاصمة عمّان".

لكن الكاتب الأردني أكد وجود "نزعة للذهاب إلى تفاهمات وتقارب بين التيار المحافظ القريب من الدولة، والتيارات الإسلامية وعلى رأسها جبهة العمل الإسلامي، وحتى مع الأطراف الأخرى اليسارية التي تصنف على أنها معارضة".

ولفت إلى أن "هذه التحالفات تعكس توجها للذهاب لانتخابات تشاركية تسمح بتوزيع المناصب"، مشيرا إلى أن "جبهة العمل الإسلامي تتجه نحو تفضيل أن تتولى مناصب نائب النقيب العام وليس النقيب، وهذا في إطار من التفاهمات مع باقي الكتل المشاركة بالانتخابات الحالية".

"صراع سياسي"

وفي المقابل، قال النقابي هشام البستاني الذي يمثل التيار اليساري، إن "النقابات المهنية الأردنية كانت تمثل أحد أبرز أوجه الحراك السياسي والاجتماعي في البلاد، وتبنت قضايا حساسة كمقاومة التطبيع والدفاع عن القضية الفلسطينية ومناهضة السياسات الاقتصادية الحكومية والمطالبة بالحريات العامة".

ونقلت صحيفة "إندبندنت عربية" عن البستاني في 24 مارس/آذار 2025، قوله: إن "ما شهدته النقابات من تحولات في أدوارها بعد صعود جماعة الإخوان المسلمين واستثمار هذا التحكم كأداة للصراع مع الدولة، وأيضا بسبب تسلل قوى مقربة من الحكومة، أدى إلى تراجع القوى القومية واليسارية".

وأوضح البستاني أن "النقابات كانت في الماضي تمثل ضمير المجتمع، لكنها اليوم باتت أداة في الصراع السياسي بين السلطة والقوى الإسلامية، وشهدت الأعوام الأخيرة صعود قيادات نقابية من خلفيات اقتصادية نافذة".

وفي معرض انتقاده لتولي جهات قريبة من السلطة إدارة النقابات، قال البستاني: إن "النقابات المهنية الأردنية، التي كانت يوما ما رأس الحربة في المشهد السياسي والاجتماعي، تخلت عن موقعها كمحرك رئيس للحراك الشعبي، واتجهت نحو التكيف مع الواقع السياسي السائد".

وتعد النقابات المهنية في الأردن من أبرز مؤسسات المجتمع المدني، فهي تقدم لأعضائها عددا من الخدمات المهمة، مثل: القروض وخطط الإسكان والتأمين الصحي ومعاش التقاعد وخدمات أخرى، كذلك فإنها تشكل مظلة حماية اجتماعية لهؤلاء المنتسبين. 

ومنذ تسعينيات القرن العشرين، يسيطر التيار الإسلامي، وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين في الأردن على عدد من النقابات المهنية، لا سيما نقابات المهندسين والمحامين والأطباء، ولاحقا نقابة المعلمين التي أغلقت بقرار قضائي عام 2020.

وحسب "إندبندنت عربية"، فإن النقابات المهنية في الأردن شهدت تراجعا ملحوظا في دورها وحضورها، مقارنة بأعوامها الذهبية في تسعينيات القرن الـ20 ومطلع الألفية الجديدة، حين كانت تشكل أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي والاجتماعي.

وفي عام 2022، واجهت الحكومة الأردنية اتهامات بالتدخل في الانتخابات النقابية والسيطرة عليها والتأثير على نتائجها لصالح جهات سياسية قريبة منها، مما دفع مرشحي جماعة الإخوان إلى الانسحاب من كثير من هذه النقابات، الأمر الذي أظهر تراجعا للدور النقابي بالمجتمع الأردني.