العدوان الإسرائيلي المتواصل ضد سوريا “رسالة” إلى تركيا.. كيف؟

"إسرائيل تريد أن تكون سوريا حديقة آمنة لها ومنزوعة من السلاح"
لم تتوقف إسرائيل عن قصف مواقع عسكرية بسوريا منذ اليوم الأول لسقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، في محاولة لمنع الدولة الجديدة من النهوض وبناء قدراتها العسكرية.
وقد ركزت تل أبيب على استهداف ثكنات عسكرية توجد فيها أسلحة دفاعية إستراتيجية في أكثر من محافظة سورية، توازيا مع توغلات برية في كل من محافظتي القنيطرة ودرعا جنوب سوريا.
وقد نفذت إسرائيل في 2 أبريل/ نيسان 2025 سلسلة غارات نالت خمس نقاط مختلفة، بما في ذلك العاصمة دمشق وحماة وحمص.
إذ طال القصف مطار "T4" في محافظة حمص، وقاعدة جوية عسكرية في محيط مدينة حماة، إضافة إلى منشآت وبنى تحتية عسكرية في العاصمة دمشق، بما في ذلك مركز البحوث العلمية في حي برزة.
وفي اعتداء آخر، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي في 2 أبريل توغلا بريا بعشرات الآليات والمدرعات العسكرية إلى حرش سد الجبيلية الواقع بين مدينة نوى وبلدة تسيل غربي درع جنوب سوريا.
وأفادت مصادر محلية بأن أهالي مناطق نوى وتسيل والبلدات الغربية بدرعا اشتبكوا مع الرتل الإسرائيلي وأجبروه على التراجع، في حين ذكرت صحيفة “الوطن” المحلية أن 11 مواطنا سوريا استشهدوا وأصيب آخرون خلال الاشتباكات.
وقالت وزارة الخارجية السورية في بيان لها إن الغارات الجوية التي نفذتها إسرائيل، أدت إلى "تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري، وإصابة العشرات من المدنيين والعسكريين".
ورأت الوزارة أن هذا "التصعيد العسكري محاولة متعمدة لزعزعة استقرار سوريا ومفاقمة معاناة الشعب السوري"، مؤكدة كذلك أنه "انتهاك واضح للقانون الدولي وسيادة سوريا".
قصف إسرائيلي
ما كان لافتا هو تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عقب القصف الجديد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بالقول "إذا سمحت للقوات المعادية بدخول سوريا وتهديد مصالح الأمن الإسرائيلي، ستدفع ثمنا باهظا".
وقال كاتس في بيانه: إن "النشاط الذي قام به سلاح الجو قرب المطارات في قاعدة (T4)، وحماة، ومنطقة دمشق يرسل رسالة واضحة ويشكل تحذيرا للمستقبل".
بدوره قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في 3 أبريل 2025 إن إسرائيل قلقة من "الدور السلبي" الذي تلعبه تركيا في سوريا ولبنان ومناطق أخرى.
وأضاف ساعر خلال مؤتمر صحفي في باريس "يبذلون قصارى جهدهم لجعل سوريا محمية تركية.. من الواضح أن هذه هي نيتهم".
من ناحية أخرى، أدلت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية بتصريحات تعقيبا على القصف الإسرائيلي الجديد الكثيف لسوريا منذ سقوط الأسد.
ونقلت صحيفة "جيروزالم بوست"، إحدى المؤسسات الإعلامية الكبيرة في إسرائيل، عن مصادر قولها: إن الهجمات على سوريا تم تنفيذها في الواقع "لإرسال رسالة إلى تركيا".
وقالت مصادر "جيروزاليم بوست": "بهذا الهجوم، أرسلت السلطات رسالة مفادها أن تركيا لا ينبغي أن تقيم قاعدة عسكرية في سوريا ولا ينبغي لها أن تتدخل في تحركات إسرائيل في سوريا".
والصحيفة ذاتها قالت مطلع إبريل إن مسؤولا أمنيا إسرائيليا أعرب عن قلقه بشأن احتمال سماح الحكومة السورية لتركيا بإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، قائلا: "إذا تم إنشاء قاعدة جوية تركية في سوريا، فسوف يؤدي ذلك إلى تقويض حرية حركة إسرائيل في سوريا".

وسبق أن نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر أمنية في 23 مارس قولها: إن هناك اتصالات بين دمشق وأنقرة لإعطاء منطقة قرب تدمر بريف حمص للجيش التركي مقابل حصول سوريا على دعم اقتصادي وعسكري وسياسي من أنقرة.
وجاء ذلك بعدما شن جيش الاحتلال الإسرائيلي في 21 مارس 2025 غارات على قاعدتين عسكريتين في تدمر بريف حمص.
وحينها، وصفت مصادر عسكرية إسرائيلية الضربات بأنها "واسعة النطاق"، وأدت إلى تدمير قدرات من شأنها الحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي في المنطقة، وفق صحيفة "إسرائيل اليوم".
وفي 23 مارس 2025 عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشاورات أمنية مع قادة الأجهزة الأمنية تتعلق ببحث مسألة حدوث "صدام محتمل" مع الجيش التركي في الأراضي السورية.
ومن المعروف أن إسرائيل تسعى دائما كي تكون متفوقة جويا على سائر بلدان المنطقة، وبناء تركيا قدرات دفاعية في سوريا، يشكل مصدر قلق لها، وفق مراقبين.
لا سيما أن تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي "ناتو" تمتلك صواريخ نظام دفاع جوي متطور يستخدم من أجل حماية القواعد والموانئ والمرافق والوحدات العسكرية من التهديدات الجوية مثل الطائرات والمسيرات ذات الأجنحة الثابتة والدوارة وصواريخ كروز وصواريخ جو-أرض.
كما لدى تركيا "القبة الفولاذية" وهي نظام مزودة بأنظمة أسلحة الدفاع الجوي والرادار، والأنظمة الكهروضوئية، ووحدات الاتصالات، ومحطات التحكم في القيادة، والذكاء الصناعي، والتي توصف بأنها "حارسة" المجال الجوي لتركيا.
تقييد اعتداءات إسرائيل
وتشير تقارير صحفية إلى وجود تفاوض بين أنقرة ودمشق على اتفاقية دفاعية منذ ديسمبر 2024، عقب الإطاحة ببشار الأسد، وستضمن الاتفاقية أن توفر تركيا غطاء جويا وحماية عسكرية للحكومة السورية الجديدة.
وبحسب تقرير لموقع "ميدل إيست آي"، نشر مطلع أبريل فإن تركيا بدأت جهودا للوجود في قاعدة تياس الجوية السورية، المعروفة أيضًا باسم T4، وتستعد لنشر أنظمة الدفاع الجوي هناك.
ويضيف "ميدل إيست آي" بمجرد تركيب النظام، ستُعاد بناء القاعدة وتوسيعها بالمرافق اللازمة، كما تخطط أنقرة لنشر طائرات استطلاع وطائرات مسيرة مسلحة، بما في ذلك طائرات ذات قدرات هجومية موسعة، وفق الموقع.
وأضاف المصدر أن القاعدة ستساعد تركيا على ترسيخ السيطرة الجوية على المنطقة ودعم جهودها في مكافحة تنظيم الدولة الذي لا يزال لديه خلايا تنشط في البادية السورية.
وتهدف أنقرة في نهاية المطاف وفق "ميدل إيست آي" إلى إنشاء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات في القاعدة وحولها، والذي سيكون لديه قدرات دفاع جوي قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى ضد مجموعة متنوعة من التهديدات، من الطائرات النفاثة إلى الطائرات بدون طيار إلى الصواريخ.
وأشار مصدر ثان لـ "ميدل إيست آي" إلى أن وجود أنظمة الدفاع الجوي والطائرات بدون طيار التركية من المرجح أن يردع إسرائيل عن شن ضربات جوية في المنطقة.

وضمن هذا السياق، قال رئيس مركز "رصد" السوري للدراسات الإستراتيجية العميد المتقاعد عبدالله الأسعد، إن "إسرائيل لا تريد لتركيا أن توجد في سوريا لأنها ستحد من هامش تحركاتها الجوية ومنعها من ضرب الأراضي السورية".
وأضاف لـ"الاستقلال": "عندما تكون تركيا جادة في بناء قواعد عسكرية في سوريا فإن المناطق الجوية تصبح ضمن نطاقها وممنوع على إسرائيل أن تقوم بضربها".
وأردف "لكن في نهاية المطاف لا يمكن لتركيا أن تحمي كل الأراضي السورية إلا ضمن المواقع الموجودة فيها في الوقع".
وذهب الأسعد للقول "إسرائيل تريد منع تركيا من ترسيخ وجود عسكري دائم لها في سوريا عبر اتفاقيات مع الدولة السورية الجديدة ولهذا فإن قصف إسرائيل مطار تدمير وتي فور هي لضرب البنية التحتية الجاهزة وإرسال رسائل إلى تركيا وربما جاء ذلك بعد وصول قطع جديدة إلى تلك المطارات العسكرية".
وتابع: "إسرائيل تريد أن تكون سوريا حديقة آمنة لها ومنزوعة من السلاح ولا يوجد فيها أي قوات عسكرية أو جيش فعال وتتحرك فيها كيفما تشاء وتبدأ بقضم الأراضي السورية ضمن مراحل محددة".
وكانت إسرائيل عقب سقوط الأسد ألغت اتفاقية "فض الاشتباك"، المُوقعة مع نظام حافظ الأسد (الأب) عام 1974، وبدأت في مهاجمة وقصف وتدمير القدرات العسكرية السورية كافة، عبر غارات جوية مكثفة وتوغلات برية.
كما احتلت إسرائيل جبل الشيخ وأراضي وقرى بعمق يزيد عن 25 كم داخل سوريا، لتضاف إلى هضبة الجولان المُحتلة منذ عام 1967.
وجبل الشيخ أو "جبل حرمون" هو جبل يقع بين سوريا ولبنان يطل على الجولان المحتل ويمكن رؤيته من الأردن.
"ضمانة لأمنها"
وسبق أن طالب رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو في فبراير 2025 بجعل جنوب سوريا الذي يضم ثلاث محافظات (درعا - القنيطرة - السويداء) منزوع السلاح بشكل كامل، محذرا من أن حكومته لن تقبل بوجود القوات الأمنية التابعة للسلطات الجديدة في سوريا قرب حدودها.
وفي كلمة ألقاها خلال القمة العربية الطارئة في القاهرة في مارس 2025، حضّ الشرع المجتمع الدولي على "الضغط على إسرائيل للانسحاب الفوري من الجنوب السوري".
وأبدت تركيا منذ سقوط الأسد، مساعدتها للجارة سوريا للنهوض من جديد وتقديم كل الدعم في هذا المجال.
وزار الشرع في 4 فبراير/ شباط 2025، العاصمة التركية أنقرة، المحطة الخارجية الثانية له بعد السعودية، منذ توليه منصبه رسميا في 29 يناير من العام المذكور.
وآنذاك التقى الشرع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، في المجمع الرئاسي بأنقرة، حيث عقدا مؤتمرا صحفيا مشتركا، أكد فيه الأخير أن هناك توافقا في الآراء بين أنقرة ودمشق في جميع القضايا.
إلا أنه لم يصدر عن تركيا أي تصريحات رسمية بشأن وجود عسكري طويل في أي مكان بسوريا عقب سقوط الأسد.
وقد قالت وزارة الدفاع التركية (MSB) في 3 أبريل 2025 إن التصريحات الصادرة عن الجهات الرسمية فقط هي التي يجب اعتمادها فيما يتعلق بالتطورات في سوريا.

وضمن هذا الإطار، يرى الكاتب السوري عبد العزيز الخليفة، أن "تركيا ترغب في مساعدة سوريا على التحول إلى جارة قوية قادرة على حماية حدودها وأمنها".
وأضاف لـ “الاستقلال”: "ترى أنقرة أن ضعف دمشق يشكل تهديدا لأمنها من عدة جوانب، ليس فقط من ناحية الصراع مع التنظيمات الكردية، بل يمتد ذلك أيضا إلى المخاوف من التنظيمات المتطرفة والتوترات مع فلول الأسد في الساحل السوري، والتي قد يمتد تأثيرها داخل حدودها".
ولفت الخليفة إلى أن "أنقرة تعتقد أن استمرار الاعتداءات والتوغل الإسرائيلي يؤخر قدرة الحكومة السورية على فرض الأمن".
وذهب للقول "إسرائيل تعتمد على استمرار ضعف سوريا كضمانة لأمنها، وتريد أن تبقى الأراضي السورية مسرحا لتوغلات قواتها، ولديها رغبة في أن تكون سوريا مقسمة يحد منها دعم المجتمع الدولي لوحدة سوريا وإنهاء الصراع فيها".
وختم بالقول "من الناحية المنطقية، الوجود التركي في سوريا ليس تهديدا مباشرا لإسرائيل، الخلاف الحالي يتعلق فقط بموقف كل منهما من سوريا، فكل طرف يريد لها مصيرا مختلفا يدعم مصالحه الذاتية".