غليان في شوارع إندونيسيا ضد توسيع دور الجيش في الحكومة.. ماذا يحدث؟

"تشريع على غرار تجربة سيسي مصر”
تواجه إندونيسيا تحديات كبيرة تتعلق بالديمقراطية وحرية الإعلام وحقوق الإنسان، بسبب توسيع الرئيس برابوو سوبيانتو، وهو وزير الدفاع السابق، وجنرال سابق في عهد الديكتاتور سوهارتو، دور الجيش في الحكومة، عبر تشريع وافق عليه البرلمان.
القانون العسكري بتوسيع دور الجيش أثار احتجاجات شعبية وطلابية، وانتقده صحفيون وإعلاميون بسبب الخشية من تراجع الحريات المدنية، خاصة أنهم يعانون بالفعل من تهديدات متزايدة لوسائل الإعلام المستقلة.
ومنذ تولي الجنرال سوبيانتو حكم إندونيسيا، وهو الذي صنع اسمه من خلال الاختطاف والتعذيب والمذابح، يتخوف الإندونيسيون والحقوقيون مما يصفونه بـ"الشتاء القادم"، في إشارة إلى دخول البلاد مرحلة مظلمة.
واشتهر سوبيانتو بعمليات تعذيب وإخفاء قسري لمعارضين، ويوصم بأنه "ديكتاتور فاشي"، وبمساعدة الجيش وأجهزة الدولة العميقة أصبح رئيسا.
قانون جديد
ووافق البرلمان الإندونيسي بالإجماع في 20 مارس/آذار 2025، على تعديلات مثيرة للجدل على قانون الجيش، تسمح للضباط العسكريين بتولي مزيد من المناصب المدنية دون الحاجة إلى الاستقالة من الخدمة العسكرية، وذلك على غرار تجربة "سيسي مصر".
وأيدت جميع الأحزاب الثمانية الممثلة في البرلمان مشروع القانون؛ حيث يسيطر على مجلس النواب أحزاب مؤيدة للرئيس سوبيانتو.
وتشمل هذه المناصب التي سيتولاها عسكريون في الجيش لا يزالون بالخدمة، مكتب المدعي العام، والمحكمة العليا، ووزارة التنسيق للشؤون السياسية والأمنية.
وقد أثارت هذه التعديلات مخاوف من عودة النفوذ العسكري إلى الحياة المدنية، مما يعيد إلى الأذهان فترة الحكم الاستبدادي للرئيس الأسبق سوهارتو.
وانتقدت منظمات المجتمع المدني التعديلات، وقالت: إنها قد تعيد ثالث أكبر ديمقراطية في العالم إلى حقبة "النظام الجديد" القاسية التي فرضها سوهارتو، عندما هيمن ضباط الجيش على الشؤون المدنية.
لذا اجتاحت البلاد موجة من الاحتجاجات في جميع أنحاء إندونيسيا، واستخدم المتظاهرون الحجارة وقنابل المولوتوف، ورفعوا لافتات تحمل شعارات مثل "ارفضوا قانون الجيش"، و"الرأسمالية لا تتوافق مع جيل زد".
وجاءت هذه الاحتجاجات، خاصة بين الطلاب والنشطاء الذين يخشون من تراجع الديمقراطية في البلاد، في سياق معارضة متزايدة لدور الجيش المتنامي في الشؤون المدنية.
وحاولت الحكومة تهدئة غضب الشارع بالزعم أن هذه الخطوة تتماشى مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا أن منظمات المجتمع المدني عبرت عن قلقها من احتمال حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان وتآكل الديمقراطية في البلاد.
وأفادت الحكومة بأن مشروع القانون لا يُلزم الضباط بالاستقالة من الجيش قبل تولي مناصب مدنية في إدارات مثل مكتب المدعي العام.
وقال وزير الدفاع، شافري شمس الدين، أمام البرلمان خلال دفاعه عن القانون المعدل: إن "التغيرات الجيوسياسية والتكنولوجيا العسكرية العالمية تتطلب من الجيش التحول لمواجهة الصراعات التقليدية وغير التقليدية"، دون أن يحدد التحديات الجيوسياسية التي يقصدها.
ونظم متظاهرون من تنظيمات مختلفة وطلاب مسيرات أمام مبنى البرلمان في جاكرتا، واعتصموا عند البوابة الخلفية للمبنى احتجاجا على القانون، وطالبوا الحكومة بسحب جميع العسكريين من الوظائف المدنية.
مكاسب العسكريين
هناك عدد من الأسباب التي أثارت القلق الشعبي من هذا القانون الذي يعني "عسكرة" المناصب، مثل رفع عدد الوزارات المسموح للعسكريين بالعمل فيها بصفتهم العسكرية.
وذلك من عشر وزارات ومؤسسات حكومية فقط، بموجب القانون الحالي، إلى 14 وزارة ومؤسسة حكومية يُسمح للعسكريين بالخدمة فيها، بوظائف عسكرية غير قتالية، وفق القانون المعدل.
كما يمنح بند جديد أيضا للرئيس سلطةَ تعيين عسكريين في وزارات أخرى حسب الحاجة، بحسب القانون المعدل.
أيضا يسمح القانون بتعيين "الجنود النَّشِطين" في المناصب المدنية، ويتيح لهم شغل 14 منصبا إستراتيجيا في الوزارات والوكالات، ما سيخلق تضاربا في المصالح، لتمكين الجنود بالقيام بوظائف مدنية دون ترك الهياكل العسكرية.
وفي الوقت الحالي لا يمكن للضباط العسكريين العاملين بالخدمة، بالعمل إلا في الوزارات أو المؤسسات الحكومية المرتبطة بالأمن أو الدفاع أو الاستخبارات بموجب قانون صدر عام 2004 قلص دور الجيش في الشؤون المدنية.
وهو ما سيتغير عقب مصادقة الرئيس على القانون؛ إذ يتضمن تعديل قانون القوات المسلحة الإندونيسية لعام 2004 عدة تغييرات تهدف إلى توسيع دور الجيش إلى ما هو أبعد من الدفاع.
فبمجرد دخوله حيز التنفيذ، سيسمح القانون الجديد للضباط العاملين بتولي مناصب مدنية دون الحاجة إلى التقاعد أو الاستقالة من الخدمة في أربع هيئات أخرى، بما في ذلك مكتب النائب العام، والمحكمة العليا، ووزارة تنسيق الشؤون السياسية والأمنية.
ومدد القانون المعدل سن التقاعد لكبار الضباط من 58 إلى 60 عاما، وحتى 62 عاما للجنرالات، مع يعني توسيع نطاق النفوذ في النظام العسكري.
وظيفة مزدوجة
وأثارت التعديلات مخاوف الناشطين المؤيدين للديمقراطية والطلاب من أن يؤدي توسيع دور الجيش في المناصب المدنية إلى استعادة "الوظيفة المزدوجة" للقوات المسلحة التي كانت لديها في عهد الديكتاتور سوهارتو.
ففي ذلك الوقت، كانت مقاعد المجلس التشريعي محجوزة للجيش، وشغل الضباط آلاف المناصب المدنية، من رؤساء المقاطعات إلى وزراء الحكومة.
وكان نظام الوظيفتين المزدوجتين، قد حول القوات المسلحة فعليا إلى أداة بيد سوهارتو، عندما أصبح رئيسا لاحقا، لسحق خصومه السياسيين.
وعندما سُئل قائد القوات المسلحة إير مارشال في أكتوبر 2024، عن عودة الجيش إلى الحياة المدنية، رحَّب بالتغييرات، قائلا: إن الجيش لن يمارس "وظيفة مزدوجة" بل "وظائف متعددة"، وفق موقع " إندونيسيا في ملبورن" 10 أكتوبر 2024.
لذا رأت منظمة "إمبارسيال" الحقوقية الإندونيسية، أن القانون الجديد يتعارض مع روح الإصلاحات التي أعقبت نهاية أكثر من ثلاثة عقود من حكم سوهارتو في عام 1998 وأعادت الجيش إلى ثكناته.
وأكدت في 21 مارس 2025، أن "هذه الخطوة من شأنها أن تؤدي إلى استعادة النظام الاستبدادي".
ومن بين الانتقادات الرئيسة الموجهة إلى هذا القانون الطريقة التي تمّت مناقشته بها خلف الأبواب المغلقة، مع القليل من المشاركة العامة، وفي عملية سريعة.
واكتشف نشطاء مؤيدون للديمقراطية أن المشرعين والمسؤولين الحكوميين اجتمعوا سرا لمناقشة تعديلات المسودة في فندق خمس نجوم جنوب جاكرتا في 15 مارس 2025.
وقُدمت مسودة مشروع القانون من الرئيس سوبيانتو إلى البرلمان، وتمّت الموافقة عليها، بصورة عاجلة، في أقل من شهر، حيث وقف الرئيس العسكري وراء تسريع قبولها.
وسبق أن قال الرئيس السابق جوكو ويدودو، عام 2017: إن “القوات المسلحة الإندونيسية يجب أن تبقى خارج السياسة، وأن تضمن ولاءها فقط للدولة والحكومة، كجيش البلاد، لكن الرئيس الحالي زاد من توغل الجيش في السياسة”.
تقييد الإعلام
وبالتوازي مع تغلغل العسكر في الوظائف المدنية، تم فرض المزيد من القوانين القمعية منذ تولي الرئيس الحالي العسكري سوبيانتو، في تكرار لتجربة سوهارتو.
وفي عهد سوهارتو، فرضت القوانين القمعية قيودا صارمة على حرية الصحافة، وفي الوقت الراهن سيُعيد قانون جنائي جديد مثير للجدل، سيدخل حيز التنفيذ عام 2026، فرضَ حظر على انتقاد الحكومة كان قد ألغته المحكمة الدستورية سابقا.
كما سيحظر قانون البث الجديد المقترح "بثَّ محتوى الصحافة الاستقصائية" التي تكشف فساد السلطة.
ويتعرض الصحفيون في إندونيسيا للقتل والتهديد والسجن، وهو ما سيزيد مع مشروع القانون العسكري الجديد الذي قد يزيد الأمور سوءا.
ومجلة "تيمبو" الإندونيسية المعروفة بتغطيتها النقدية للرئيس سوبيانتو، تتعرّض لتهديدات مقلقة؛ حيث تلقى مكتب المجلة بجاكرتا في مارس 2025، طردا يحتوي على رأس خنزير مقطوع الأذنين، كنوع من التهديد.
وفي حادثة أخرى، عثر على صندوق يحتوي على ستة فئران مقطوعة الرأس.
وتعد هذه الأفعال محاولات لترهيب الصحفيين وإسكات الأصوات الناقدة.
وأدانت منظمات حقوقية وجمعيات الصحفيين هذه التهديدات، داعية السلطات إلى إجراء تحقيقات شاملة وضمان حماية حرية الصحافة في البلاد.
وفي ظل النظام الجديد، أيضا تم تقييد نشاط المجتمع المدني بشدة، وقد تم سن قانون عام 2017 يسمح للحكومة بحلّ المنظمات غير الحكومية دون أي إجراءات قضائية، وقد حُظرت بالفعل ثلاث منظمات أهلية.
ويتحدث العديد من النشطاء صراحة عن مخاوفهم من استهدافهم وترهيبهم من قبل متصيدي الحكومة أو حتى أجهزة الاستخبارات.
ويخشى آخرون أن يستغل الرئيس العسكري سوبيانتو صلاته بمنظمات مجتمع مدني للضغط على جماعات أخرى يراها منتقدة أو نزع الشرعية عنها.
وعقب توليه السلطة في أكتوبر 2024، أظهر سوبيانتو عدم حماسه للديمقراطية، إذ قال إنها "مُرهقة للغاية" و"فوضوية للغاية ومُكلفة للغاية".
وكان من أهم ركائز النظام الجديد مبدأ "الوظيفة المزدوجة"، وهو المبدأ الذي سمح للعسكريين العاملين بتولي مناصب مدنية، مما أتاح لهم السيطرة على الحكومة، وهو مبدأ أُلغي بعد سقوط سوهارتو عام 1998.
لكن تعديلات قانون الخدمة المدنية، التي أُقرت في أكتوبر 2024، ثم وافق عليها البرلمان في مارس 2025، سمحت مجددا للأفراد العاملين في الجيش والشرطة بشغل مناصب مدنية.
لذا وصف محمد إسنور، رئيس “مؤسسة المساعدة القانونية الإندونيسية” غير الحكومية، مشروع القانون بأنه لا يخدم سوى "مصالح النخب العسكرية والسياسيين المدنيين الذين هم غير قادرين أو غير راغبين في الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية".
وانتقد موافقة كل الأحزاب في إندونيسيا على تعديلات القانون، ووصفها بـ"الجواميس التي تقودها أنوفها، وتتبع إرادة أولئك في السلطة"، وفق صحيفة "نيويورك تايمز" في 20 مارس 2025.
وعقب تولي الرئيس العسكري الحالي للسلطة، قال المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في إندونيسيا، عثمان حامد، لصحيفة "الغارديان" البريطانية: إن "الشتاء قادم، أيا كان اسمه"، في إشارة إلى دخول البلاد مرحلة مظلمة.
تاريخ أسود
سوبيانتو، الذي وقف وراء تمرير هذا القانون، هو جنرال سابق في الجيش، وهو الصهر السابق للديكتاتور الراحل سوهارتو (حكم منذ 1967 حتى 1998)، وله تاريخ استبدادي مثله، بحسب صحيفة "الغارديان" في 15 فبراير 2024.
كما أنه متهم بارتكاب فظائع تتعلق بحقوق الإنسان، بصفته جنرالا عسكريا لعب أدوارا مشبوهة خلال فترة سوهارتو.
وسبق أن تم تسريحه من الجيش بسبب انتهاكات يعود تاريخها إلى الثمانينيات لتورطه في تعذيب واختفاء معارضين بارزين، ورأى حقوقيون ونشطاء أن فوزه معناه دخول إندونيسيا "فصلا مظلما جديدا في تاريخها".
فقد كان قائدا لفترة طويلة في القوات الخاصة (لكوباسوس) التي قامت باختطاف وتعذيب النشطاء السياسيين عام 1998، يقدر عددهم بـ22 ناشطا اختطفوا في ذلك العام، ولا يزال 13 منهم في عداد المفقودين.
وسوبيانتو متهم أيضا بالتورط في انتهاكات حقوق الإنسان في بابوا وتيمور الشرقية، بما في ذلك مذبحة عام 1983 التي قُتل فيها مئات الأشخاص، معظمهم من الرجال، في قرية كراراس التيمورية.
وجاء تسريحه من الخدمة العسكرية بعد أن أمر قواته بمحاصرة القصر الرئاسي في عهد يوسف حبيبي، الذي خلف سوهارتو في حكم البلاد، مما دفع مجلس شرف الضباط لمحاكمته أمام محكمة عسكرية، وفصله من الجيش في 14 يوليو/تموز 1998 بعد إدانته بـ7 تهم.
واختار سوبيانتو الأردن منفى اختياريا عقب فصله ومنه إلى بلدان أوروبية، ثم عاد إلى إندونيسيا عام 2001، وسار على خطى شقيقه الأصغر رجل الأعمال هاشم جوجوهاديكوسومو، الذي يعد أحد أغنى رجال الأعمال في إندونيسيا.
وأنشأ سوبيانتو عدة شركات تعمل في مجال الطاقة وزيت النخيل والفحم والغاز والتعدين والزراعة وصناعات صيد الأسماك.
وبسبب تاريخه الأسود، فرضت عليه الولايات المتحدة وعلى مجموعة من قيادة القوات الخاصة حظر السفر إلى أراضيها، بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد شعب تيمور الشرقية.
واستمر هذا الحظر حتى عام 2022، عندما تم رفعه فعليا حتى يتمكن سوبيانتو من زيارة الولايات المتحدة بصفته وزيرا للدفاع في إندونيسيا.
وعام 2004 عاد ليدخل مجال السياسية بانضمامه إلى حزب غولكار (حزب سوهارتو)، ثم ترشح للرئاسة التي خسرها مرتين قبل أن يفوز في أكتوبر 2024.
المصادر
- Indonesia parliament passes contentious amendments to military law
- Why Indonesia’s new military law is alarming pro-democracy activists and rights groups
- Indonesia’s new president, Prabowo Subianto, finds democracy ‘very tiring’. Are darker days ahead for the country?
- In Indonesia, a Parliamentary Action Evokes an Authoritarian Past
- Indonesian Parliament Passes Law Expanding Military’s Role in Government
- Indonesia passes controversial law allowing greater military role in government