بسبب ضغوط ترامب.. هل تتدهور العلاقات الأميركية الأردنية؟

“مقترحات إدارة ترامب قد تُلحق ضررا بالغا بالأردن”
بات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يشكل "خطرا وجوديا" على الأردن، بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية أبالاتشيان الأميركية، كورتيس ريان، الذي قال: إن عَمان "في مواجهة أزمة وشيكة".
جاء ذلك في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أوضح فيه أن "علاقة الأردن بالولايات المتحدة تخضع أيضا لانتقادات شديدة داخل المملكة".
وأكد ريان أن "عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض زادت الوضع تعقيدا في منطقة الشرق الأوسط، التي كانت تشهد اضطرابات بالفعل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023".
أزمة وجودية
ففي غضون أسابيع من توليه المنصب، حاول ترامب إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) وتجميد المساعدات الأجنبية لجميع الدول المتلقية باستثناء إسرائيل ومصر.
وفي اجتماع عقده في فبراير/شباط 2025 مع العاهل الأردني عبد الله الثاني وولي العهد حسين بن عبدالله، طرح ترامب خطته لـ"إخلاء" غزة، وفرض سيطرة أميركية على القطاع، و"إعادة توطين" سكان غزة في الدول العربية المجاورة.
لكن عبد الله الثاني، بدعم من قطر والسعودية والإمارات ونظام مصر، رفض بشدة اقتراح ترامب، متحديا تأكيداته في يناير/كانون الثاني 2025 بأن الأردن "سيفعل ذلك"؛ لأن الولايات المتحدة "تقدّم له الكثير".
وتابع: "لقد صمد الأردن طويلا في وجه الحروب الخارجية والداخلية وموجات اللاجئين، وتقلبات الدول المجاورة، والركود الاقتصادي الحاد، إلا أن هذه الأزمة الأخيرة قد تكون وجودية".
وتُعدّ واشنطن أقرب حليف لعمّان، إلا أن الحكومة الأردنية والمعارضة السياسية والمجتمع المدني تفاعلوا مع خطة ترامب لإعادة التوطين بإجماع وغضب نادر، مُنددين بأي ترحيل قسري للفلسطينيين إلى الأردن، وفق المقال.
واستطرد: "مع ذلك، فإن علاقة الأردن بالولايات المتحدة قد جعلت الوضع أكثر تعقيدا؛ إذ تواجه عمّان المهمة المستحيلة المتمثلة في التصدي لواشنطن في ظل استمرار اعتمادها عليها".
وقال ريان: "لطالما اتجهت الحكومة الأردنية إلى الامتثال لرغبات السياسة الأميركية حتى عندما كانت هذه الرغبات لا تحظى بشعبية كبيرة لدى الرأي العام الأردني، وعلى عكس معظم جيرانها العرب، فإن لديها معاهدة سلام كاملة مع إسرائيل".
واستدرك: "لكن الغضب الشديد الذي أبداه الأردنيون يجعل أي محاولة من إدارة ترامب لفرض قبول اللاجئين الفلسطينيين من غزة على البلاد أمرا مستحيلا".
ومنذ فترات بعيدة، يعتقد الكثيرون في حركات المعارضة الأردنية أن علاقات المملكة بواشنطن تقوض سيادة الأردن وأمنه وتجعله عرضة للضغوط الخارجية.
وقد أعاد العدوان على غزة تعبئة حركات المعارضة، ورغم الإدانات الرسمية للحكومة لإسرائيل، واصل المتظاهرون الضغط عليها لتغيير سياساتها جذريا.
وطالبوا الأردن بإلغاء معاهدة التطبيع وإنهاء صفقة الغاز المثيرة للجدل مع إسرائيل، وطرد القوات الأميركية وغيرها من القوات الأجنبية من المملكة، وقطع أي إمدادات تصل إلى إسرائيل عبر الأراضي الأردنية طالما استمر العدوان.
كما أثار إسقاط الصواريخ الإيرانية أوائل عام 2024 غضبا شعبيا كبيرا، وتزايد الضغط على الحكومة بعد ذلك.
وفي الانتخابات البرلمانية الأردنية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2024، حصلت الأحزاب والمرشحون المعتدلون والمحافظون والموالون للنظام على معظم المقاعد الـ138، لكن حزب "جبهة العمل الإسلامي" المعارض حقق نتائج جيدة أيضا؛ حيث حصل على 31 مقعدا وبرز بصوت مؤثر في البرلمان الجديد.
ولفت إلى أنه "مع ازدياد علو أصوات المعارضة في البرلمان، ونزول معارضة مدنية نشطة -تضم قوى علمانية وإسلامية- إلى الشوارع للتظاهر، ستواجه الدولة الأردنية مقاومة حقيقية لسياستها الخارجية".
وتابع: "لكن حتى لو اختلفت قوى المعارضة مع الدولة في العديد من القضايا السياسية، فقد تبلور إجماع قوي ضد التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة، وربما الضفة الغربية أيضا".
قرارات كارثية
وبحسب ريان، فإن قرارات ترامب في السياسة الخارجية في بداية ولايته الثانية “أثبتت صحة هذه الانتقادات إلى حد كبير”؛ إذ كان الأردن من بين الدول التي علّقت الإدارة مساعداتها لها، وأثارت مساعي ترامب لنقل أكثر من مليوني غزّي إلى مصر والأردن غضب الشعب الأردني والحكومة أيضا.
وقبل أيام قليلة من تنصيب ترامب في يناير 2025، ترسّخ أخيرا وقف إطلاق نار هشّ بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مما أوقف القصف مؤقتا.
لكن بدلا من استغلال فترة التهدئة لإحلال الهدوء في المنطقة، أوقفت الإدارة الأميركية الجديدة فورا جميع المساعدات الخارجية لمدة 90 يوما، وقطعت تمويل وكالة الأونروا، وحاولت إلغاء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بالكامل.
وكان تأثير هذه القرارات كارثيا على الأردن -وفق المقال- فلم تعتمد أي دولة في الشرق الأوسط على الوكالة الأميركية أو الأونروا أكثر من الأردن.
ومن المرجح أن يُنهي تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مئات مشاريع المساعدات والتنمية المختلفة في الأردن التي تدعم خدمات أساسية كالصحة العامة والتعليم وتوفير المياه والحكم المحلي والشركات الصغيرة والمدارس.
كما سيُشل شبكة المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية المرتبطة بالمساعدات الأميركية والتي توظف عشرات الآلاف من الأردنيين.
وقال ريان: إن "حديث ترامب عن نقل (تهجير) كامل السكان الفلسطينيين من غزة فاقم الصدمة، فقد رفضت كل من مصر والأردن هذا الطرح على الفور، وسرعان ما دعمت قطر والسعودية والإمارات موقفهما الرافض لأي ترحيل قسري للفلسطينيين".
واجتمع حلفاء الولايات المتحدة العرب بالعاصمة القاهرة في مارس/آذار 2025؛ حيث عرضت مصر قيادة خطة بديلة لما بعد الحرب في غزة، تضمن عدم حدوث أي نزوح جماعي للفلسطينيين، لكن إدارة ترامب ترفض المقترح بشكل قاطع.
ورأى ريان أن "هذه التقلبات أثارت ارتباك القيادة الأردنية، لتجد نفسها أمام خطة ترامب التي -في حال تنفيذها- ستؤدي فعليا إلى قيام كيان واحد يضم إسرائيل وغزة والضفة الغربية، ولكن دون فلسطينيين".
وأشار إلى أن "ترامب قد يظن أنه قادر على فرض إرادته على حليف يعتمد على واشنطن، لكن الظروف في الأردن تجعل مشاركة الحكومة في مثل هذا المخطط أمرا مستحيلا".
وأوضح ريان أنه “رغم ضعف اقتصادها وافتقارها للموارد الطبيعية، استوعبت المملكة على مدى عقود موجات من اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948، ثم العراقيين النازحين بسبب حروب الخليج، وأخيرا السوريين الفارين من الحرب بعد عام 2011”.
وأضاف "واليوم، لا تملك الأردن القدرة الاقتصادية على استقبال ملايين اللاجئين الفلسطينيين".
وتابع: "كما أن وصول أعداد كبيرة منهم سيخلّ بما يعده كثير من الأردنيين توازنا ديموغرافيا هشا بين الأردنيين من أصول فلسطينية، الذين تنحدر جذورهم من الضفة الغربية، وبين الذين تعود أصولهم إلى شرق النهر".
وأكد ريان أن “الأمر يزداد تعقيدا مع وجود تيار قومي متشدد، يضم شخصيات نافذة في البرلمان وأجهزة الأمن، ينظر بعين الريبة إلى أي تحرك قد يغيّر المعادلة الديموغرافية القائمة”.
الضغط على الأردن
لكن حتى بالنسبة لكثير من الأردنيين الذين يرفضون هذا الخطاب القومي المتشدد، فإن خطر التهجير الجماعي للاجئين الفلسطينيين إلى الأردن يبدو وكأنه تجسيد لمخاوفهم الممتدة لعقود.
هذه المخاوف تتمحور حول ما يُعرف بـ"الخيار الأردني"، وهو طرح تدعمه الأوساط اليمينية المتطرفة في إسرائيل بصفته حلا للقضية الفلسطينية خارج حدود الأراضي المحتلة، الأمر الذي لطالما عده المسؤولون الأردنيون خطا أحمر.
واستطرد ريان: "لا يبدو أن هناك أي حوافز يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة للأردن تجعل قبول مئات الآلاف من الغزيين خيارا مجديا اقتصاديا أو سياسيا للحكومة الأردنية".
ويرى أنه "من المحتمل أن يكون ترامب يحاول دفع أطراف أخرى في الشرق الأوسط إلى تقديم تنازلات من خلال التلويح بخطة توطين جذرية".
واستدرك: "لكن مجرد التهديد بهذه الخطة يزعزع استقرار حليف رئيس ويزيد الضغوط على الدولة لتغيير سياساتها وربما الابتعاد عن الولايات المتحدة، وهو ما لا يرغب فيه المسؤولون الأردنيون".
ولذلك أكد ريان أن “توحد المسؤولين الأردنيين والنشطاء المعارضين والمواطنين العاديين في رفضهم لخطة ترامب يجب أن يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في نهجها تجاه كل من خطة غزة وتجميد المساعدات”.
وشدد على أن "هذا الإجماع شبه غير المسبوق في السياسة الأردنية يعكس الطبيعة الوجودية للأزمة".
وقال ريان: “لقد اعتاد الأردنيون على التحذيرات التي غالبا ما تكون مبالغا فيها وتصدر من خارج المملكة، بأن بلادهم على حافة الانهيار، لكن حالة الذعر الواسعة والمعارضة المتماسكة داخل الأردن تشير إلى أن الأزمة الوشيكة هذه المرة فريدة من نوعها في حدّتها”.
وأشار إلى أن "مقترحات إدارة ترامب قد تُلحق ضررا بالغا بالأردن على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو ما ستتردد آثاره في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك إسرائيل".
واستدرك: “مع ذلك، لا يزال الوقت متاحا أمام الولايات المتحدة لتعيد التزاماتها السابقة بالمساعدات، والأكثر أهمية من ذلك أن تتوقف عن الدعوات إلى التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة”.
وختم ريان قائلا: إن "على واشنطن أن تصغي لحليفها، فبعد عقود من العلاقات الوثيقة بين البلدين، يستحق الأردن أن يُسمع صوته".