تحذيرات غير مسبوقة.. هل يفجر نتنياهو الحرب الأهلية في إسرائيل؟

يتفاقم الغضب الشعبي بسبب الانطباع بأن نتنياهو يستفيد سياسيًا من الحرب
تصاعدت التحذيرات من اشتعال حرب أهلية داخل إسرائيل في ظل تفاقم الصراع بين حكومة بنيامين نتنياهو والمؤسسة القضائية وجهاز الأمن العام "الشاباك".
ولم يكن هذا الصراع هو السبب الوحيد الذي فاقم الانقسام داخل إسرائيل؛ حيث تحضر كذلك قضية الأسرى الإسرائيليين في غزة، والغضب تجاه حكم نتنياهو.
فمتى ولماذا بدأ التحذير من هذه الحرب المفترضة؟ وماذا تقول النخب السياسية ووسائل الإعلام العبرية عنها؟ وهل يمكن أن تحدث فعلا في ظل التشظي غير المسبوق داخل إسرائيل؟

نهج الحكومة
أولى التحذيرات بدأت بعد تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو في ديسمبر/كانون الأول 2022 من المتطرفين المتشددين، وما تبع ذلك من محاولات للانقلاب على القضاء.
فمع بداية عام 2023، بدأت الحكومة بالدفع نحو إقرار تشريعات لتعديل القضاء، عدتها المعارضة "انقلابا على الديمقراطية" كونها تحدّ من سلطات المحكمة العليا.
وتبع ذلك مظاهرات عارمة وغير مسبوقة وموجة هجرة عكسية إلى الخارج بسبب ما أطلق عليه الإسرائيليون "المناخ غير الديمقراطي" عبر اتخاذ إجراءات تضمن استمرار هيمنة اليمين على مقاليد الحكم على حساب مفاهيم ليبرالية.
ولكن في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، علق الإسرائيليون صراعاتهم الداخلية لتشكيل جبهة عسكرية موحدة ضد ما قالوا إنه تهديد خارجي مشترك تقوده إيران وتشارك فيه أذرعها.
وبعدها استأنفت إسرائيل العدوان على غزة مع القتال على جبهات أخرى منها لبنان واليمن مع تصعيد كبير في الضفة الغربية وقصف متقطع على سوريا.
غير أن الانقسام والخلافات الداخلية عادا إلى الواجهة بفعل إدامة نتنياهو الحرب خوفا على مستقبله السياسي ومنعا لانهيار ائتلافه الحكومي الذي يطالب بالقضاء التام على حركة المقاومة الإسلامية “حماس”.
وعاد نتنياهو لتوسيع سيطرته على منافذ السلطة الأخرى، عبر إقالة رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك" رونين بار وكذلك المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا، وهما شخصان نافذان يُشرفان على التحقيقات مع رئيس الوزراء ومساعديه.
ووافقت حكومة نتنياهو على اقتراح بحجب الثقة عن ميارا وأيضا إقالة رونين بار، لكن القرار المتعلق بالأولى يمثل مجرد بداية لعملية طويلة، حيث يتعين على لجنة خاصة الآن النظر في القضية، فيما تدخلت المحكمة بشأن رئيس الشاباك.
وتسعى الحكومة إلى إقالة المستشارة بسبب معارضتها المتكررة لقراراتها التي تعدها غير قانونية. ويتهم نتنياهو وحلفاؤه الجهاز القضائي في إسرائيل بأنه يتمتع بسلطة مفرطة ويتدخل بشكل كبير في عمل السلطة التنفيذية.
فيما جاءت إقالة رونين بار بسبب غياب الثقة بينه وبين نتنياهو. ومن المتوقع إجراء اختبار حاسم في 8 أبريل/نيسان 2025، عندما تقرر المحكمة العليا إصدار حكمها بشأن قانونية القرار.
وقد ألمح نتنياهو إلى أنه قد يتجاهل الحكم، وسيشير رده إلى مدى استعداده لتحدي النظام الدستوري.
ويتهرب نتنياهو من المسؤولية عن الفشل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويجري كذلك التحقيق معه في قضايا فساد ورشوة وإساءة الأمانة.
ومع نهاية مارس/آذار 2025، سيُصوّت البرلمان على خطة الحكومة لمنح نفسها سيطرة أكبر على اختيار قضاة المحكمة العليا، وهي مؤسسة لطالما أحبطت طموحات حلفاء نتنياهو من القوميين المتطرفين والمحافظين دينيًا.
وإضافة إلى ذلك، أثار نتنياهو المزيد من الغضب الداخلي بخرقه وقف إطلاق النار مع حماس في غزة، ليس خوفا على الفلسطينيين ولكن خشية من مقتل نحو 24 محتجزا ما زالوا على قيد الحياة من أصل 59.
وبعودته إلى الحرب، عاد الحوثيون في اليمن إلى إطلاق الصواريخ والمسيرات تجاه إسرائيل، كما أن نتنياهو يختبر صبر عشرات الآلاف من جنود الاحتياط المنهكين الذين سيُطلب منهم مواصلة ما كانت بالفعل أطول حرب خاضتها دولة الاحتلال.
ويتفاقم الغضب الشعبي بسبب الانطباع بأن نتنياهو يستفيد سياسيا من العودة إلى الحرب، مما ساعد في دعم حكومته الائتلافية الهشة.
فقد انسحب حزب “القوة اليهودية” المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير، من الحكومة فورا بعد توقيع وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني 2025، وعاد اليوم إلى الائتلاف بعد استئناف العدوان.
وعززت عودة الحزب أغلبية نتنياهو في البرلمان، مما مهد الطريق أمامه لتمرير الميزانية الجديدة، التي كانت ضرورية لمنع انهيار الحكومة. ويُعدّ بن غفير، الذي يشرف الآن على الشرطة، من أشد المؤيدين لإقالة رونين بار وغالي بهاراف ميارا.

طبيعة التحذيرات
وكانت إحدى أبرز التحذيرات من خطورة التشرذم الحالي، صدرت من رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية الأسبق، أهارون باراك، الذي قال إن “إسرائيل قد تصل إلى مرحلة الحرب الأهلية بسبب تفاقم الانقسامات الداخلية”.
وخلال مقابلة مع القناة 12 العبرية في 20 مارس، قال باراك: إن “المشكلة الأكبر أمام المجتمع اليوم هي الانقسام العميق بين الإسرائيليين أنفسهم، وهو ما أسميه الجبهة الثامنة”.
وأردف أن "هذا الانقسام يتفاقم وقد ينتهي كالقطار الخارج عن القضبان، بالانحدار إلى الهاوية وحدوث حرب أهلية، ولذلك يجب منع استبداد الأغلبية”.
وانتقد هنا ما وصفه باستخدام الأغلبية البرلمانية في الكنيست لاتخاذ قرارات سياسية خطيرة، مثل عزل مسؤولين بارزين.
وقال: "إذا رفع الأخ سلاحه على أخيه فأعداؤنا سيتكفلون بإنهاء المهمة وتصفيتنا جميعا، الدولة لن تنجو من الحرب الأهلية".
وبدوره، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت: "أسس الدولة تهتز. في إسرائيل، نتنياهو مستعد للتضحية بكل شيء من أجل بقائه، ونحن أقرب إلى حرب أهلية مما يُدركه الناس".
وأردف خلال مقابلة مع نيويورك تايمز الأميركية في 24 مارس: "في غزة، عدنا إلى القتال - ولماذا؟ وفي الخارج، لا أتذكر أبدا مثل هذه الكراهية، أو هذه المعارضة، لدولة إسرائيل".
ووافق المؤرخ الإسرائيلي إيلي بارنافي آراء سابقيه، قائلا إن إسرائيل توشك أن تدخل في أزمة دستورية غير مسبوقة، تجعل ظلال لاحرب الأهلية تخيم على البلاد.
وأوضح في مقابلة مع صحيفة ليبراسيون الفرنسية في 21 مارس: إن إسرائيل منقسمة إلى جهتين لا يفهم أي منهما الآخر.
وبين أن نتنياهو يستلهم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فكرة تفكيك كل ركائز الديمقراطية لتحقيق هدفه بالبقاء في السلطة، مستخدما الحرب كأداة لتثبيت موقعه.
وقال: إن نتنياهو يعتمد على قاعدته الشعبية الصلبة التي تمثل نحو ربع السكان، في حين أن نحو 70 بالمئة من الإسرائيليين يطالبون برحيله مع عدم وجود آلية دستورية لإزاحته.
ورأى المؤرخ أن رفض المحكمة العليا لإقالة رئيس الشاباك يعد خطوة حاسمة قد تؤدي إلى أزمة دستورية إذا تجاهل نتنياهو القرار.
وأوضح أن القضية أخطر مما يبدو لأن الشاباك ليس مجرد جهاز أمني، بل هو مسؤول عن حماية الديمقراطية، حسب القانون.
وأردف: "لدينا رئيس وزراء ملاحق قضائيا يحارب الديمقراطية ويشن الحروب، ومع أن الديمقراطية الإسرائيلية أثبتت مرونتها سابقا بفضل المحكمة العليا والتعبئة الشعبية، فإن رفض نتنياهو الالتزام بقرار المحكمة، فقد يجعلنا نواجه انفجارا للعنف".
ولم يغب السياسيون الإسرائيليون عن تلك التحذيرات، حيث انضم إلى نفس التحذيرات زعيم معسكر الدولة بيني غانتس رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت اللذان استقالا في السابق من مجلس الحرب الإسرائيلي بسبب تعنت نتنياهو في استعادة الأسرى من غزة.
وقال غانتس: "هناك العديد من التحديات الأمنية من الخارج، ورغم ذلك فإن أمن إسرائيل في خطر بسبب الانقسام الداخلي”.
وأردف: "عندما نمزق الشعب من الداخل فإننا ندفع حماس لزيادة تعنتها ونعطيها الأمل بأنها قادرة على كسرنا، الأمر الأكثر إلحاحا الآن هو استعادة مختطفينا".
وأضاف "من يتجاهل ذلك الآن يضر بأمن الدولة عن علم، ما يحدث هنا يضع الأساس للكارثة المقبلة ويعطي وقودا لأعدائنا".
وبدوره، قال آيزنكوت: "بينما يدعم معظم المواطنين الإسرائيليين العودة الفورية للمختطفين ومواصلة الحرب الحاسمة على الإرهاب حتى هزيمته تركز الحكومة على النضال ضد حراس البوابة (يقصد قادة الأجهزة الأمنية) والنظام القضائي".
وهذا الكم من التحذيرات دفع نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر وعدد من الوزراء الآخرين للخروج والتأكيد على أنه “لن تكون هناك حرب أهلية”.

شكل الحرب
وعن شكل هذه الحرب، يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي مهند مصطفى: إن المقصود بها هو الانقسام الداخلي العميق في إسرائيل.
ولفت في مقابلة تلفزيونية إلى أن هذا المصطلح يجري ترديده في إسرائيل منذ توقيع اتفاق أوسلو للسلام مع السلطة الفلسطينية مطلع التسعينيات.
وأردف أن هذا التعبير “يدل على أن إسرائيل لا تحتمل انقساما داخليا عميقا، فهي بنيت على توافقات وتسويات داخلية بصفتها دولة مهاجرين، فيها مجموعات إثنية وثقافية وتوجهات سياسية وأيديولوجية مختلفة”.
وبين أن مصدر قوة إسرائيل يكمن في أنها “استطاعت أن تجد توافقات وتسويات بين كل هذه الشرائح”.
واستدرك: “لذلك عندما يأتي شخص مثل نتنياهو يريد أن يحسم كل هذه القضايا مرة واحدة بفترة زمنية قصيرة ودون حوار فهذا يؤدي إلى انقسام”.
وقد يؤدي هذا الانقسام بدوره إلى هجرة معاكسة إلى الخارج بالذات من الشرائح العلمانية المنتجة اقتصادية والمعارضة لمشروع اليمين المتطرف.
وبين مصطفى أن تعبيرات الحرب الأهلية قد تكون تقليدية مثل اشتباك الناس مع بعضها أو مع الشرطة، التي تحولت إلى ذراع لليمين الإسرائيلي بقيادة إيتمار بن غفير.
وأردف: “هي شرطة محتلة من قبل اليمين ونرى قوات الشرطة اليوم على سبيل المثال يعتدون على يائير غولان نائب رئيس هيئة الأركان الأسبق الذي خدم بالجيش 38 عاما (وزعيم حزب الديمقراطيين الإسرائيلي حاليا). هذا ما تعنيه الحرب الأهلية”.
وأصبحت مشاهد اعتداء الشرطة الإسرائيلية على المتظاهرين ضد سياسات نتنياهو فيما يخص القضاء أو المطالبة بعقد صفقة مع حماس، أمرا عاديا وشبه يومي في إسرائيل.
وتحدث عن ذات الأمر عضو الكنيست الإسرائيلي ماتان كهانا بالقول: إن “الحرب الأهلية لن تكون بالضرورة حربا مثل الحرب في الولايات المتحدة (1861-1865 بمشاركة جنود من ولايات جنوبية ضد أخرى شمالية)”.
وأردف كهانا في مقال على موقع القناة السابعة العبرية أن “المظاهرات الحاشدة التي تخرج عن السيطرة وتتحول إلى عنف وتتسبب في وقوع إصابات ووفيات، هي حرب أهلية تماما”.
وأشار إلى أنه قد يبدأ هذا السيناريو في حال عدم امتثال الحكومة لقرار محكمة العدل العليا، وهو ما قد يؤدي إلى رفض الخدمة في الجيش".
ولفت إلى أن “نظرة سريعة على قنوات الإعلام وتصفح عشوائي لوسائل التواصل الاجتماعي من شأنه أن يكشف شدة الغضب والاستياء المخزن عند كل طرف تجاه الآخر”.
وفي نفس الوقت أكد أنه "لا أحد يريد حربا أهلية، لكن الهواء مليء بأبخرة الوقود السام، وكل ما يتطلبه الأمر هو شرارة صغيرة لإحداث انفجار وحريق".
وأوضح أن “المسؤولية الرئيسة لتهدئة الوضع تقع على عاتق الحكومة ورئيسها بسبب تراكم القضايا التي قرر الائتلاف معالجتها في هذا الوقت بالذات، إذ لا يزال 59 أسيرا في غزة والحرب تستأنف بما يشكل زلزالاً للبلاد”.
وختم بالقول: إن "عدم الامتثال لحكم المحكمة العليا قد يكون القشة التي ستقصم ظهر البعير".
وتوجه إلى نتنياهو قائلا: "لا تجرنا إلى هذا المكان، وأتوقع من قضاة المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة أن يفهموا مدى خطورة الوضع، وأن يتصرفوا بالقدر اللازم لضبط النفس".