تخلي ترامب عن التزاماته تجاه الاتحاد الأوروبي والناتو.. كيف يفيد تركيا؟

منذ ٢٠ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في خضم سياسة متوترة وحالة عدم يقين بين الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية، يبرز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلاعب إستراتيجي لا غنى لأوروبا عنه في العديد من الملفات.

واليوم، تدرك تركيا حاجة الأوروبيين لها في ظل تراجع الثقة بالولايات المتحدة في ظل رئاسة دونالد ترامب، ولذلك تسعى خلال الآونة الأخيرة للتقارب مع دول الاتحاد.

واستعرضت صحيفة "فرانكفورتر روندشاو" الألمانية مظاهر ومآلات التقارب التركي الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بإرسال تركيا قوات إلى أوكرانيا، وبيع الصناعات العسكرية إلى بروكسل.

وتطرقت إلى قضية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى صياغة بديل عن فكرة الدمج، تحت عنوان "الشراكة المميزة".

لاعب رئيس

وتحدثت الصحيفة الألمانية عن "دهشة الأتراك من تفاجؤ الأوروبيين من السياسة الخارجية التوسعية للرئيس ترامب"،  وتعزو سبب هذه الدهشة إلى أن تركيا "لم تنظر يوما إلى الولايات المتحدة كشريك موثوق به".

مع ذلك، أوضحت أن هذا "لا يعني أن تركيا تشعر بالشماتة؛ حيث إن احتمال أن يمنح ترامب أوكرانيا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويفكك حلف الناتو (شمال الأطلسي)، يثير قلق أنقرة تماما كالاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة".

واستدركت: "لكن في نفس الوقت، يرى السياسيون الأتراك في هذه الأزمة المستمرة أيضا فرصة لإعادة ترتيب العلاقات مع أوروبا".

فقد أظهرت تركيا قوتها علنا في الشرق الأوسط؛ حيث عزز سقوط نظام بشار الأسد في سوريا نفوذها. لكنها في الوقت نفسه باتت تدرك بهدوء دورها كلاعب رئيس في أمن القارة الأوروبية.

واستعرضت الصحيفة أولى المؤشرات على تعميق الحوار الأمني بين فريق أردوغان ونظرائه الأوروبيين؛ إذ شارك وزير خارجية تركيا هاكان فيدان في 2 مارس/آذار 2025 بالقمة الطارئة بشأن أوكرانيا في لندن، التي دعا إليها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

جاء ذلك بعد يومين من مواجهة في البيت الأبيض بين ترامب ونائبه جي دي فانس من جهة، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من جهة أخرى.

وأضافت الصحيفة: "أصبحت تركيا جزءا من تحالف الراغبين الذي يقوده ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون".

وتابعت: "وبعد قمة نظمها الاتحاد الأوروبي في 6 مارس، ألمح أردوغان إلى احتمال نشر قوات تركية في أوكرانيا".

وفي منتصف الشهر ذاته عقد قادة عسكريون من أكثر من 30 دولة محادثات في باريس حول أمن أوكرانيا وإمكانية تشكيل قوة حفظ سلام دولية، وهي فكرة تحظى بدعم فرنسا والمملكة المتحدة.

إلى جانب ذلك، أفادت الصحيفة بأن أردوغان يتخذ خطوات ثنائية مع دول أوروبية أخرى؛ إذ زار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أنقرة، في 12 مارس، لبحث قضية أوكرانيا والأمن الأوروبي.

ضامن تركي

ورأت أن "شكل ومهام أي قوة أوروبية محتملة يتوقف على جهود ترامب المستمرة  لإقناع بوتين بالموافقة على وقف إطلاق النار، وإذا جرى التوصل إلى نوع من الاتفاق، فقد تلعب تركيا دورا مهما في ضمان تنفيذه".

ويُعزى ذلك بحسب الصحيفة، إلى السياسة الخارجية المتوازنة التي انتهجتها تركيا منذ بداية الحرب في فبراير/شباط 2022؛ إذ دعمت أنقرة كييف دون تردد، لكنها في الوقت نفسه حافظت على علاقاتها مع موسكو بل وقادت جهود وساطة بين الطرفين، وهو ما يجعل وجودها العسكري مقبولا على الأرجح من كلا الجانبين.

وأردفت الصحيفة: "وفي حين انتقدت موسكو بشدة فكرة نشر قوات أوروبية لحفظ السلام، فإنها لم تصدر أي موقف رسمي بشأن تركيا".

وتقدّر أن "هناك أسبابا عديدة تدعو للاعتقاد بأن أنقرة يمكنها أن تؤدي دور قوة حفظ السلام؛ فقد أرسلت تركيا خلال العقد الماضي قوات إلى عدة دول، من بينها سوريا وليبيا وأذربيجان".

ولفتت إلى أن تركيا دخلت (في تلك الدول) في مواجهات مباشرة مع روسيا، سواء ضد جيشها النظامي أو ضد قوات موالية له مثل مجموعة فاغنر.

"ومع ذلك، تمكنت القوات التركية في سوريا من تسيير دوريات مشتركة مع الجيش الروسي لضمان استقرار هش في منطقة إدلب، ما يعكس خبرتها في إدارة النزاعات مع موسكو"، تقول الصحيفة.

وتتابع: "باختصار، تبادل أردوغان وبوتين وكذلك قادة جيشيهما المواجهات الحادة، لكنهم جلسوا أيضا إلى طاولة المفاوضات لصياغة حلول".

تعاون اقتصادي عسكري

وتأمل الأوساط السياسية في تركيا أن تنعكس الشراكة الأمنية مع كتلة بروكسل في أوكرانيا على العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، مما قد يفتح الباب أمام شراكة أمنية أوسع تهدف إلى احتواء روسيا وتعزيز الاستقرار في القارة.

ومع ذلك، تعتقد الصحيفة أن لتركيا أيضا مصلحة اقتصادية واضحة؛ إذ تسعى إلى تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995.

وتكيفت أنقرة شأنها شأن الشركاء التجاريين الآخرين لأوروبا، مع الصفقة الخضراء التي أطلقتها المفوضية الأوروبية.

كما أصدرت قوانين تتماشى مع المعايير البيئية للاتحاد الأوروبي لضمان وصول غير مقيد إلى السوق الأوروبية الموحدة، لكنها في النهاية تطمح إلى توسيع مزاياها التجارية الحالية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الاتحاد الجمركي الحالي يقتصر على السلع الصناعية، لافتة إلى أنه أسهم بشكل إيجابي في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين أنقرة وبروكسل، كما أنه يدعم النمو القائم على الصادرات في وقت تواجه فيه تركيا صعوبات اقتصادية.

واستدركت: "بالرغم من ذلك، يتطلب (الاندماج الجمركي) تحقيق تقدم اقتصادي مستدام والانتقال إلى نموذج قائم على المعرفة والتقنية، والعمل على إدماج قطاع الخدمات في الاتفاقية، لتجنب ما يعرف بفخ الدخل المتوسط".

وتمثل الصناعات الدفاعية جزءا مهما من هذا المشهد؛ إذ تستعد أوروبا لزيادة إنفاقها العسكري، وتأمل الشركات التركية، مثل "أسيلسان" و"بايكار" -المصنعة للطائرة المسيرة "بيرقدار"- في الاستفادة من هذه التوجه، وفق الصحيفة.

وقد أسست "بايكار" أخيرا مشروعا مشتركا مع شركة "ليوناردو" الإيطالية المتخصصة في الصناعات الدفاعية، يركز على الذكاء الاصطناعي والمنصات غير المأهولة.

وأشارت الصحيفة إلى أن أنقرة "تسعى إلى الحصول على جزء من صناديق الدفاع الأوروبية التي يجرى جمعها عبر أسواق السندات المشتركة، وهو موضوع لا يزال يثير جدلا في بروكسل"؛ إذ يُطرح تساؤل مهم حول ما إذا كان ينبغي حصر هذه الأموال على الشركات الأوروبية فقط كما تدعو فرنسا أم أن الدول غير الأعضاء يمكنها الاستفادة منها أيضا، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لتركيا.

التأشيرات والاندماج 

من جهة أخرى، ذكرت الصحيفة أن "تركيا ترغب كذلك في دفع إحراز تقدم في ملف التأشيرات، وهو من أكثر القضايا حساسية في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي".

فوفقا لاتفاق اللاجئين الموقع عام 2016، والذي حصلت بموجبه أنقرة على مليارات اليوروهات مقابل استضافة نحو 4 ملايين لاجئ سوري، كان من المفترض تسهيل منح التأشيرات للمواطنين الأتراك لدخول منطقة شنغن.

ومع ذلك، ظل التقدم في هذا الملف محدودا؛ حيث يضطر ملايين المواطنين الأتراك إلى الانتظار في طوابير طويلة وتقديم كميات هائلة من الأوراق للحصول على تأشيرة. حسب الصحيفة الألمانية.

“في حين أن دولا مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مثل جورجيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو، يُسمح لمواطنيها بالسفر دون قيود مماثلة”.

وبالإضافة إلى الملفات السابقة، ترغب أنقرة في أن يكون إعادة دمجها في أوروبا جزءا من حزمة شاملة، وليس مجرد مبادرة معزولة مرتبطة حصريا بالحرب في أوكرانيا.

وتتابع: "غير أن تحقيق تقدم في هذا المسار يتطلب من أردوغان التخلي عن الخطاب التقليدي الذي يعد عضوية الاتحاد الأوروبي هدفا أساسيا".

وأضافت: "فمحادثات الانضمام متوقفة منذ أكثر من 15 عاما؛ بسبب الاتجاه الاستبدادي المتزايد في تركيا"، على حد تعبير الصحيفة.

علاوة على ذلك، "هناك مخاوف بشأن قضية الهجرة إلى أوروبا، مما أدى إلى شلل شبه كامل في مسار التفاوض".

ويدرك السياسيون الأتراك هذه الحقائق ضمنيا، ويبدون استعدادا للمضي قدما إذا أمكن تجاوز خلافات الماضي.

شراكة إستراتيجية

ويتمثل الحل من وجهة نظر الصحيفة، في "صياغة شراكة إستراتيجية مميزة، وهي فكرة سبق أن طرحها المسيحيون الديمقراطيون في أوروبا كبديل لانضمام تركيا للاتحاد".

ورأت أن "تحديث الاتحاد الجمركي وتعميقه قد يكون أحد أركان هذه الشراكة، بينما يمكن أن يشمل التعاون الأمني ملفات مثل أوكرانيا، والمشتريات الدفاعية، وإعادة إعمار سوريا".

وتروج الصحيفة لهذه الفكرة قائلة: الانتقال من وضعية “مرشح للانضمام” إلى "شريك إستراتيجي” لا يعني بالضرورة فقدان المكانة.

فمع وجود دول كبرى خارج الاتحاد مثل المملكة المتحدة، لا ينبغي لأنقرة أن تشعر بأنها عضو من الدرجة الثانية؛ إذ تظل لاعبا رئيسا في حلف الناتو وفي "الجماعة السياسية الأوروبية"، التي تعتزم عقد قمتها السنوية المقبلة في ألبانيا يوم 16 مايو/ أيار 2025.

في الوقت ذاته، تشير الصحيفة إلى أن "تخلي الاتحاد عن فكرة ضم تركيا، يعني فقدان بروكسل القدرة على محاسبة أنقرة على انتهاكات سيادة القانون والمعايير الديمقراطية، بما في ذلك التزامها بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، كما في قضية الناشط والملياردير عثمان كافالا".

وفي أبريل/نيسان 2022، قضت محكمة تركية بالسجن المؤبد على كافالا بتهمة الضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، ما أثار انتقادات غربية.

كما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارا يقضي بالإفراج عن كافالا، لكن لم تلتزم به تركيا التي ترى أنها غير مجبرة على تنفيذه، في ظل تأكيدها على تورط الناشط التركي بالمحاولة الانقلابية.

وأقرت الصحيفة أنه “من الناحية الواقعية، فقد الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة تأثيره على السياسة الداخلية التركية”، مبينة أن أي تغيير داخلي يعتمد على إرادة المواطنين والنخب، وليس على الشروط التي تفرضها بروكسل.

ورأت -في الوقت ذاته- أن هناك "بعض المؤشرات الإيجابية في المشهد الداخلي التركي رغم الأجواء المتشائمة؛ إذ "هُزم أردوغان في الانتخابات البلدية لعام 2024، كما ظهرت بوادر إنهاء الصراع في المقاطعات الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية".

ختاما، تشدد الصحيفة على أن “أوروبا تشهد إعادة تشكيل سياسي في ظل التحديات التي يفرضها كل من بوتين وترامب”.

وهو ما يفتح الباب أمام تركيا للانضمام كعضو كامل في المنظومة الأوروبية وفق قواعد جديدة، و"على أنقرة اغتنام هذه الفرصة وعدم تركها تفلت من يدها".