من وادي السيليكون إلى تيك توك.. لاري إليسون بين السياسة الأميركية ودعم إسرائيل

لاري إليسون رجل أعمال من أثرى أثرياء العالم يسيطر على تيك توك
برز اسم لاري إليسون الملياردير الأميركي ومالك شركة أوراكل إلى الواجهة بعد أن أعلنت "بايت دانس" المالكة لتطبيق تيك توك إتمام صفقة تقضي بإنشاء كيان جديد لتشغيل المنصة في الولايات المتحدة، مملوك بغالبيته لتحالف مستثمرين أميركيين.
وبموجب الصفقة الجديدة، انتقلت إدارة بيانات المستخدمين الأميركيين وخوارزمية توصيات المحتوى إلى خوادم سحابية تديرها أوراكل داخل الولايات المتحدة، فيما احتفظت شركة بايت دانس بحصة أقلية دون سيطرة تشغيلية.
وجاءت الصفقة استجابةً لقانون أقره الكونغرس الأميركي عام 2024 يفرض بيع عمليات تيك توك محليًا أو حظره كاملًا، بدعوى حماية الأمن القومي من وصول بيانات المستخدمين إلى الصين.

ما قصة إليسون؟
لاري إليسون رجل أعمال ومبرمج أميركي اشتهر بتأسيس شركة أوراكل العملاقة في مجال التقنية وقواعد البيانات عام 1977.
يُعد من أثرى أثرياء العالم (بلغت ثروته نحو 300 مليار دولار في فترة ما)، وقد بنى نفوذه من خلال عقود وثيقة مع الحكومة الأميركية وقطاع التكنولوجيا المتقدمة.
أوراكل نفسها بدأت كمشروع ممول من وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، قبل أن تتوسع تجاريًا وتصبح إحدى أعمدة صناعة البرمجيات.
وعُرف إليسون بشخصيته الصارمة وطموحه الكبير، ما انعكس في إدارة شركته وتحركاته الاستثمارية الأخيرة في قطاعات الإعلام والتواصل الاجتماعي.
ففي عام 2020، أثار الجدل داخل شركته عندما نظم حملة لجمع التبرعات لدعم الرئيس دونالد ترامب في فترته الأولى، مما دفع مئات الموظفين في أوراكل للاحتجاج على ما عدوه تسييسًا للشركة.
ورغم هذه المعارضة الداخلية، استمر إليسون في تعزيز دوره كشريك مقرب لترامب وكداعم مالي كبير للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة.
هذا التقارب الاستثنائي بين إليسون وإدارة ترامب غذّى التكهنات حول دوره في صفقة تيك توك، إذ رأى منتقدوه أن وجوده في هذا التحالف لم يكن صدفة، بل نتيجة علاقاته السياسية ونفوذه لدى صناع القرار.
ووصف ترامب أليسون بأنه واحد من "أهم اللاعبين" في عالم التقنية. إذ لم يكتفِ بدوره التقليدي في أوراكل، بل وسّع إمبراطوريته أخيرًا لتشمل منصات إعلامية وترفيهية.
فابنه دافيد يقود شركة للإنتاج السينمائي اندمجت مع استوديوهات باراماونت، كما استحوذت عائلة إليسون على شبكة CBS الإخبارية في 2025 ضمن صفقة قدرت بمليارات الدولارات.
هذه التوسعات وضعت العائلة في موقع تأثير غير مسبوق عبر مجالات متعددة تشمل التقنية والإعلام والأمن المعلوماتي، وهي تقاطعات تتجلى الآن في سيطرتهم على عمليات تيك توك الأميركية.
ورغم أن الدافع المعلن للصفقة أمني وتقني، فقد لعبت تقديرات سياسية دورًا خلف الكواليس في اختيار تحالف المستثمرين، وذلك بفضل علاقات إليسون بترامب، الذي كان أول من هدد بحظر تيك توك.
إذ ظهر إليسون في الصفوف الأولى خلال حفل تنصيب ترامب عام 2025، وحضر اجتماعات غير معلنة لمناقشة مصير تيك توك، بل كان جالسًا إلى جانب قطب الإعلام روبرت مردوخ عندما وقع الرئيس الأميركي أمرًا تنفيذيًا لتسهيل تمويل صفقة الاستحواذ.
هذه المعطيات دفعت البعض لاتهامه باستغلال نفوذه السياسي للحصول على موطئ قدم في تيك توك.
كما أن مواقف إليسون الأيديولوجية لعبت دورًا في ترجيح كفة أوراكل، فالشركة معروفة بدعمها الصريح لإسرائيل، الأمر الذي جعلها خيارًا "طبيعيًا" لدى دوائر ضغط أميركية مؤيدة لتل أبيب كانت تضغط لنقل إدارة المنصة إلى أيد أميركية.
هكذا امتزجت تقديرات الأمن القومي بالتحالفات السياسية في إخراج الصفقة إلى النور، مما جعل حضور إليسون فيها مثيرًا للجدل وأثار انتقادات بعض الأطراف.

علاقة إليسون بإسرائيل
يتمتع لاري إليسون بعلاقات وثيقة ومعلنة مع تل أبيب، إلى حد وصفته صحيفة تايمز أوف إسرائيل بأنه “صديق مقرب لنتنياهو”، فيما وصفته تقارير أخرى بأنه "رجل إسرائيل في وادي السيليكون".
وقد وصل الأمر بأن عرض على نتنياهو شغل مقعد في مجلس إدارة شركة أوراكل براتب سنوي يقارب نصف مليون دولار تقديرًا لخبرته، لكن رئيس الوزراء لم ينضم فعليًا للمجلس.
وفي عام 2021، استضاف إليسون نتنياهو وعائلته في جزيرته الخاصة في هاواي لقضاء إجازة بعيدًا عن الأضواء، ما عد دليلًا آخر على متانة العلاقة بينهما.
على صعيد الدعم المالي، يُعد إليسون أحد أكبر الممولين الأميركيين للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفق ما تقول “تايمز أوف إسرائيل”.
وقالت: إن رجل الأعمال الأميركي تبرع عام 2017 بمبلغ 16.6 مليون دولار لمنظمة ما تسمى "أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي" (FIDF) لصالح إنشاء مرافق تدريبية وترفيهية للجنود الإسرائيليين. وهذه الهبة كانت أكبر تبرع فردي في تاريخ المنظمة حتى ذلك الحين.
وقد صرح إليسون خلال حفل التبرع بأن “إسرائيل تمثل للشعب اليهودي وطنا تاريخيًا ينبغي الدفاع عنه”، مقدرا دعم الجنود "أعظم شرف" له، وفق تعبيره.
ولم يتوقف دعمه عند هذا الحد، إذ واظب على تمويل فعاليات لجمع التبرعات لصالح جنود الاحتلال وقدم عشرات الملايين عبر السنوات لتعزيز قدرات الجيش.
كذلك ترتبط شركة أوراكل نفسها بعلاقات عمل قوية في إسرائيل، حيث افتتحت عام 2021 مركز بيانات سحابي حكومي في القدس المحتلة ضمن عقد بلغت قيمته حوالي 319 مليون دولار لتقديم خدمات حوسبة سحابية للحكومة الإسرائيلية.
وشاركت أوراكل أيضًا في مشاريع سرية مع الجيش الإسرائيلي، منها مشروع تقني مع سلاح الجو حمل اسم "MENTA" لتطوير أنظمة متقدمة على مدى أربع سنوات، وذلك وفقًا لصور من منشورات على منصة سلاك حصل عليها موقع “ذا إنترسبت” الأميركي ونشر تفاصيلها ضمن تحقيق في فبراير 2025.
وقد مكّن مشروع مينتا، الذي لم يُكشف عنه سابقًا، سلاح الجو الإسرائيلي من تنفيذ "مجموعة من الأمور العسكرية الهامة التي لا يمكننا مشاركتها معكم"، كما كتب شيمون ليفي، رئيس قسم الاتصالات في أوراكل إسرائيل، لزملائه على منصة سلاك في ديسمبر/كانون الأول 2021، وفقًا لثلاثة مصادر داخلية. وأرفق ليفي رسالته برمز تعبيري لسيف.
وفي عام 2022، قال ليفي أيضًا في المنصة نفسها إن الوحدة 81 التابعة للجيش الإسرائيلي - وهي في الأساس قسم حلول تكنولوجية تابع لجهاز المخابرات - كانت في المرحلة النهائية من برنامج مدته ثلاث سنوات مع أوراكل لتسريع عمليات الشراء من خلال تمكين كل جندي من تقديم طلبات الشراء العسكرية الخاصة به.
في العام نفسه، استضافت أوراكل فعالية هاكاثون بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي بهدف "تطوير حلول تقنية للتحديات الاجتماعية الملحة".
وكتب ليفي في منشور مرفق بصورة من الفعالية: "انظروا إلى تلك الوجوه! نحن هنا لدعم الجنود في مهمتهم لجعل العالم مكانًا أفضل، باستخدام تقنية أوراكل!".
وتتبنى قيادة أوراكل موقفًا صريحًا بدعم تل أبيب. فقد قالت صافرا كاتز الرئيسة التنفيذية الإسرائيلية الأصل للشركة المذكورة في تصريح لمجلة +972 العبرية عام 2021: “إن التزامنا تجاه إسرائيل لا يُضاهيه التزام".
وأردفت: "نحن لسنا مرنين فيما يتعلق بمهمتنا لدعم إسرائيل، ومن لا يوافق على ذلك من الموظفين فهذا ليس المكان المناسب له".
وجاء هذا التصريح وقتها وسط توترات داخلية، حيث اشتكى موظفون في أوراكل من انحياز الشركة التام لإسرائيل خلال العدوان على غزة.
وفي صيف 2024، حضرت كاتز اجتماعًا خاصًا للضغط على أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي للدعوة إلى استمرار شحنات الأسلحة إلى إسرائيل.
وفي الخريف، أعلنت شركة أوراكل عن شراكتها مع شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة، إحدى أكبر شركات الأسلحة الإسرائيلية، في مشروع ذكاء اصطناعي لتزويد المقاتلين بمعلومات سريعة وقابلة للتنفيذ في ساحة المعركة.
وتؤكد هذه المواقف المعلنة أن إليسون وإدارته ينظرون إلى أوراكل كشريك إستراتيجي لإسرائيل في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، وهو ما يفسر جانبًا من حرصه على لعب دور في إدارة منصة عالمية مثل تيك توك يمكن أن تؤثر في الرأي العام.

تداعيات محتملة
في خضم هذه العلاقات، يثير دخول لاري إليسون وتحالفه إلى ملكية تيك توك مخاوف بشأن مستقبل حرية التعبير على المنصة، لا سيما فيما يتعلق بالمحتوى المتعلق بفلسطين.
فخلال السنوات الأخيرة، برز تيك توك كأحد أهم المنصات التي يستخدمها الناشطون الفلسطينيون والمتضامنون معهم لإيصال روايتهم إلى الجمهور العالمي، عبر مقاطع توثق العدوان الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية.
وقد أوضحت لارا فريدمان، رئيسة مؤسسة السلام في الشرق الأوسط (مقرها واشنطن) لمجلة +972، أن جيل الشباب في الغرب تشكّلت نظرته بشكل ملحوظ عبر ما شاهده على تيك توك من مشاهد الحرب على غزة والانتهاكات ضد الفلسطينيين، بعيدًا عن الرواية التقليدية في الإعلام السائد.
لهذا السبب تحديدًا، رأت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل أن تيك توك يمثل مشكلة إستراتيجية. فعلى سبيل المثال، حذر المدير التنفيذي لرابطة مكافحة التشهير (ADL) جوناثان غرينبلات عام 2023 من وجود "مشكلة" لدى الجالية اليهودية في أميركا من هذه المنصة.
وزعم أن المنصة أصبحت مرتعًا لـ"محتوى معاد للسامية" يؤثر في وعي الشباب، وفق تعبيره.
كذلك صرّح السناتور الجمهوري والمرشح الرئاسي السابق ميت رومني بأن حجم المحتوى المتعاطف مع الفلسطينيين على تيك توك يفوق بمراحل ما هو موجود على أي منصة أخرى، ما عده دليلًا على خطر المنصة في تشكيل الرأي العام ضد إسرائيل.
وقد أسهمت هذه المخاوف في حشد التأييد داخل الكونغرس لتمرير قانون حظر تيك توك ما لم يبع، حيث نقلت مجلة +972 عن خبراء أن "القلق من صورة إسرائيل" كان عاملًا خفيًا وراء الإجماع النادر على التشريع إلى جانب الدواعي الأمنية المزعومة الخاصة بالصين.
ومع انتقال دفة خوارزمية تيك توك إلى شركة أوراكل، عبرت جهات موالية لإسرائيل عن أملها في تغير سياسات المحتوى على المنصة لصالحها.
وقد عبّر عن ذلك صراحة، إريك فينغرهوت الرئيس التنفيذي لاتحادات الجاليات اليهودية في أميركا الشمالية (JFNA) الذي رحب بالصفقة.
ووصف فينغرهوت تيك توك قبلها بأنه "أكبر وأسوأ ناشر للكراهية ومعاداة السامية على الإنترنت"، مقدرا انتقاله لملكية أميركية فرصة "تبعث على الأمل الكبير" لضبط المحتوى، وفق زعمه.
وتشير تقارير إلى أن أوراكل بدأت بالفعل بالتعاون مع الحكومة الإسرائيلية في مجال "إدارة الرواية" عبر منصات التواصل.
ففي خضم الحرب على غزة عام 2023، شارك خبراء من شركة إليسون في تطوير أداة رقمية بالتنسيق مع وزارة الخارجية الإسرائيلية سُمّيت "كلمات من حديد" (Words of Iron) بهدف الترويج للمحتوى الإسرائيلي على منصات مثل تيك توك وإنستغرام وإكس، ومجابهة الروايات المنتقدة لإسرائيل.
وبعد شهر من اندلاع الحرب، استخدم ليفي منصة سلاك الخاصة بالشركة للإشادة بموظفي أوراكل الذين يقودون "مبادرة تطوعية هامة لتطوير وتشغيل أداة فريدة" للعلاقات العامة الإسرائيلية على وسائل التواصل الاجتماعي.
في فبراير/شباط 2024، تعاون قسم الأمن السيبراني التابع للجيش الإسرائيلي مع شركة أوراكل في هاكاثون آخر "لإيجاد حلول تقنية لإعادة تأهيل المستوطنات الإسرائيلية قرب غزة باستخدام تقنية أوراكل"، كما كتب ليفي، وفقًا لرسائل داخلية على منصة سلاك.
وأعلن ليفي أيضًا أن الشركة تبرعت بحقائب تحتوي على مستلزمات طبية وبيئية لجنود الاحتلال، بقيمة نصف مليون دولار.
كذلك كشف تحقيق لموقع ذي إنترسبت أن شركة أوراكل أبدت انحيازًا داخليًا واضحًا لصالح إسرائيل أثناء الحرب، حيث أزالت من نظام التبرعات الخيري الخاص بالموظفين أي خيارات للتبرع لمنظمات إغاثة تدعم الفلسطينيين (مثل مؤسسة الإغاثة الطبية للفلسطينيين MAP ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين - أونروا).
وتزامن ذلك مع تلويح إدارة أوراكل بإمكانية إنهاء عمل الموظفين الذين يبدون تعاطفًا مع الضحايا في غزة.
وجاء هذا التلويح بعد أن نشر هاني ريشق، مدير هندسة المؤسسات في أوراكل المملكة المتحدة على موقع لينكد إن: "هل يستطيع أي من موظفي أوراكل البالغ عددهم أكثر من 155 ألف موظف حول العالم ممن لديهم رأي مختلف عن كاتز، التعبير عن رأيهم دون أن يتعرضوا للعقاب أو حتى الفصل؟".
وينبئ هذا التوجه الصارم بأن إدارة تيك توك الجديدة قد تنتهج سياسة رقابية أكثر تشددًا حيال المحتوى الفلسطيني أو المناصر له، بذريعة "مكافحة معاداة السامية".
وتحذّر جهات حقوقية من خطر إسكات الأصوات الفلسطينية على المنصة أو تقليص وصولها إلى الجمهور بحجة معايير جديدة يضعها المالكون الجدد.
وقالت مروة فتافتا، مديرة السياسات والمناصرة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "أكسس ناو": "ما يثير دهشتي حقًا هو مدى التواطؤ الصارخ. إنهم يستغلون بوضوح الإفلات من العقاب الذي تتمتع به إسرائيل. لا توجد أي عواقب".
المصادر
- Israel’s Biggest US Donor Now Owns CBS
- Oracle allegedly suppresses Pro-Palestinian voices & cuts charity support amid TikTok takeover bid
- The billionaire family poised to rewire U.S. media in Israel’s favor
- Larry Ellison: Oracle co-founder who overtook Musk as world’s richest person
- Record $53.8 million raised for IDF soldiers at Beverly Hills gala
- Poised to Take Over TikTok, Oracle Is Accused of Clamping Down on Pro-Palestine Dissent














