رفض إسباني يربك واشنطن.. لماذا تحدّى سانشيز طلب ترامب لضرب إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

موقف حازم اتخذه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، برفضه طلب الولايات المتحدة استخدام القواعد الإسبانية لضرب إيران، ما أبرز تساؤلات حول دوافعه من هذا القرار.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 3 مارس/آذار 2026، أن إدارته ستقطع جميع العلاقات التجارية مع مدريد؛ ردا على رفضها السماح للجيش الأميركي باستخدام قاعدتي روتا ومورون الإسبانيتين.

"البازوكا التجارية"

وتحدث ترامب إلى جانب المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال زيارته للبيت الأبيض، وانتقد مدريد بشدة قائلا: "لقد كانت إسبانيا فظيعة".

ثم انطلق في سلسلة من الانتقادات اللاذعة لرفض إسبانيا تخصيص 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، قبل أن يعود إلى تهديد واضح للسيادة الإسبانية.

وقال ترامب: "بإمكاننا استخدام قاعدتهم إن أردنا، بإمكاننا ببساطة الهبوط واستخدامها، ولن يمنعنا أحد من ذلك". بينما كان ميرتس يراقب الموقف بصمت.

وبحسب معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، فـ"لا يزال من غير الواضح كيف ستنفذ إدارة ترامب تهديداتها".

وقبل أيام قليلة، أعلنت أمازون عن استثمار إجمالي قدره 33.7 مليار يورو لبناء مراكز بيانات في إسبانيا، والتي قد تكون نقطة انطلاقها.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، صرحت في 4 مارس، بأن مدريد "وافقت على التعاون مع الجيش الأميركي"، ثم نفت الحكومة الإسبانية ذلك سريعا.

ومع ذلك، أكد المعهد البريطاني ضرورة أن توضح المفوضية الأوروبية أن أي إكراه اقتصادي يُمارس ضد دولة عضو، بغضّ النظر عن مصدره، سيؤدي إلى تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه، والمعروفة باسم "البازوكا التجارية".

ومنذ 28 فبراير/ شباط 2026، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران، أودت بحياة مئات الأشخاص، على رأسهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، فيما ترد طهران بإطلاق رشقات صاروخية ومسيرات باتجاه إسرائيل.

موقف مبدئي

وأضاف التقرير: "قد يُقال إن سانشيز يُمارس استعراضا سياسيا لاسترضاء شركائه اليساريين في الائتلاف، أو حتى أنه يسعى إلى قضية شعبية لتحديد أجندة الانتخابات".

وأوضح: "صحيح أن مثل هذا الموقف قد يُفيده في استطلاعات الرأي؛ حيث كانت معارضة حزبه لحرب العراق عاملا أساسيا في فوزه بانتخابات عام 2004".

واستدرك: "مع ذلك، يظل موقف إسبانيا منطقيا ومتسقا، فالأمر ممكن أن يكون صحيحا من أكثر من زاوية في الوقت ذاته".

وتابع: "لطالما سعى سانشيز للدفاع عن السيادة والعمل متعدد الأطراف وسيادة القانون الدولي، وسواء تعلق الأمر بفنزويلا أو غرينلاند أو قطاع غزة أو أوكرانيا أو إيران، فقد ظل موقف إسبانيا ثابتا".

ومن الأمثلة البارزة على ذلك رفضه السماح لسفن تنقل أسلحة إلى إسرائيل بالرسو في إسبانيا عام 2024.

وأوضح وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن "قواعدنا لا تُستخدم في هذه العملية (ضد إيران)، ولن تُستخدم لأي غرض غير منصوص عليه في الاتفاقية مع الولايات المتحدة، أو لأي غرض لا يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة".

ومقابل هذا الموقف الإسباني الرافض بقوة، قال ترامب: إن ألمانيا "تقدم المساعدة" بالسماح للقوات الأميركية بالوصول إلى قواعدها.

أما المملكة المتحدة، فقد رفضت في البداية طلب واشنطن استخدام قواعدها لقصف إيران، قبل أن يعلن رئيس الوزراء كير ستارمر، أن بريطانيا ستسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في "ضربات دفاعية".

وبحسب "تشاتام هاوس"، يكتسب موقف سانشيز المبدئي أهمية بالغة، وكما قال هو نفسه: "لن نتواطأ في أمر يضر بالعالم ويتعارض مع قيمنا ومصالحنا لمجرد الخوف من ردود فعل انتقامية من أي جهة".

وأكد المعهد أن "التصدي لرئيس أميركي متشدد ومتوعّد ليس شجاعة فحسب، بل ضرورة".

وكما لاحظت تيريزا ريبيرا، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التنافسية والوزيرة السابقة في حكومة سانشيز: "ما نشهده اليوم يشبه إلى حد كبير ما حدث قبل شهر واحد فقط مع تلك التهديدات، التي اتسمت أيضا بنبرة متغطرسة، بشأن غرينلاند".

وكما تُظهر غرينلاند، فعندما تستجيب أوروبا بسرعة وبشكل موحد، يمكنها إجبار الرئيس الأميركي على إعادة النظر، وفق تأكيد المعهد.

اختبار للتضامن

وأردف التقرير: "هذا يقودنا إلى المستشار ميرتس، فربما لم يدرك، وهو جالس بهدوء في المكتب البيضاوي، أن طموحاته في ترسيخ مكانته كصوت أوروبي رائد قد تتلاشى".

بل ربما رأى في الأمر فرصة لتقوية حجته القائلة بأن إسبانيا يجب أن تحقق هدف إنفاق 5 بالمئة على الدفاع؛ وبدلا من تحدّي تهديدات ترامب تجاه إسبانيا، اكتفى ميرتس بالقول: "نحن نحاول إقناعهم بأن هذا جزء من أمننا المشترك، وأن علينا جميعا الالتزام بهذه النسب".

وأشار التقرير إلى أنّ البعض قد يحاجج بأن هذه الإستراتيجية كانت ضرورية للتركيز على الأولويات التي دفعت ميرتس إلى واشنطن، وهي تجنّب استعداء ترامب لضمان التزامه باتفاقية التجارة التي أُبرمت صيف 2025، وتفادي المزيد من عدم استقرار السوق، وحماية الصناعة الألمانية من ضغوط إضافية.

لكن استدرك المعهد، قائلا: إن "هذا المنطق ينهار عند التدقيق؛ فقد هدد الرئيس الأميركي للتوّ بقطع جميع العلاقات التجارية مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي".

وكان رد الفعل في مدريد حادا ومبررا؛ حيث قال ألباريس في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية الرسمية: "لا أستطيع أن أتخيل أن المستشارين أنجيلا ميركل أو [أولاف] شولتز كانا سيصدران مثل هذه التصريحات، كانت هناك روح أوروبية مختلفة".

وأكد المعهد أن من الصعب تخيّل صمت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إزاء تهديد دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بل إن ماكرون أدان الضربات الأميركية-الإسرائيلية ووصفها بأنها "خارجة عن القانون الدولي"، مصرحا بأننا "لا يمكننا قبولها".

وأضاف: "نعلم أن حركة ماغا تعد الاتحاد الأوروبي خصما لها، لكن من الصعب إخضاع أوروبا للابتزاز إن كان موحدة".

وأردف: "فالاتحاد الأوروبي يتفاوض على التجارة ككتلة واحدة، ما يجعل من الصعب على أي إدارة أميركية قطع العلاقات التجارية مع دولة عضو واحدة"، موضحا أن "ترامب اختبر التضامن الأوروبي ومدى جديته في قضية غرينلاند، وحاليا مع إسبانيا".

وأكد المعهد أن "خلال زيارته للبيت الأبيض، فشل المستشار ميرتس في اجتياز هذا الاختبار، ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد للوقوف إلى جانب إسبانيا".

وختم بالقول: "على أوروبا أن تبقى موحدة، وتُظهر التضامن، وتردّ على التهديدات بسرعة وحزم"، مضيفا: "فلنتحدث بهدوء، إن لزم الأمر، ولكن لنحمل البازوكا التجارية".