رغم الحاجة لتوازن الجيش.. لماذا يرفض الشيعة بالعراق قانون "خدمة العلم"؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أعلنت جميع القوى الشيعية في العراق رفضها القاطع لتشريع قانون "خدمة العلم" الذي قرأه البرلمان قراءة أولى تمهيدًا لإقراره، والذي يهدف إلى إعادة إلزام الشباب بالالتحاق بالجيش العراقي لفترات تختلف بحسب المستوى الدراسي، بحيث تصل إلى 18 شهرًا وتقل إلى 3 أشهر لحملة شهادة الدكتوراه.

وبررت هذه القوى رفضها للقانون بأسباب متعددة، من بينها الأوضاع الاقتصادية، والتوقيت غير المناسب، وعدم جدوى تجنيد أعداد كبيرة في المرحلة الراهنة، في حين أثار هذا الرفض تساؤلات حول خلفياته، خاصة في ظل النقص الحاد في أعداد المتطوعين داخل الجيش العراقي، وتزايد الدعوات المطالبة بإعادة هيكلة أو تفكيك الحشد الشعبي.

ويأتي هذا الجدل في سياق التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003، حين قرر الحاكم المدني الأميركي بول بريمر حل الجيش العراقي وإلغاء نظام الخدمة الإلزامية، ما أدى إلى إنهاء التجنيد الإجباري للشباب عند بلوغ سن 18 عامًا، بما في ذلك خريجو الجامعات.

ضرورة قصوى

في 19 أبريل/نيسان 2026، تمكن البرلمان العراقي من قراءة قانون "خدمة العلم" قراءة أولى، في خطوة تمهّد لمناقشات أوسع خلال الجلسات المقبلة، ضمن مشروع مقدم من لجنة الأمن والدفاع البرلمانية ويتألف من 66 مادة.

وقال رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي، في بيان رسمي، إنه يرفض وصف القانون بـ"التجنيد الإلزامي". مضيفًا: "لا نريد عسكرة المجتمع، بل نريد أن يشعر الشباب بالانتماء إلى الوطن".

ودعا الحلبوسي لجنة الأمن والدفاع إلى العمل بروح الفريق ومنح وقت كافٍ لمناقشة المقترحات المقدمة من النواب بشأن القانون، مع توجيه باستضافة ممثلين عن وزارات الدفاع والتخطيط والمالية، إضافة إلى رئاسة أركان الجيش، للاطلاع على الملاحظات الفنية المتعلقة به.

وبحسب وكالة الأنباء العراقية (واع)، فإن القراءة الأولى لمشروع القانون تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش وإتاحة الفرصة أمام المواطنين من الذكور لأداء خدمة العلم، بما ينسجم مع الحاجة إلى تنظيم الخدمة العسكرية من حيث المدة وآليات الفحص الطبي والتأجيل والإعفاء.

وقال عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية خالد العبيدي: إن طرح القانون في هذا الوقت "ضرورة وطنية قصوى"، مؤكدًا أنه يمثل رافدًا للجيش العراقي يمكن أن يسهم في سد النقص في الموارد البشرية.

وأوضح العبيدي أن بنود القانون تتضمن تفاصيل تتعلق بمدة الخدمة والرواتب وآليات التنفيذ. مشيرًا إلى أن هناك جلسات نقاش ستعقد مع وزارة الدفاع لمعالجة الملاحظات.

وأضاف أن الفئة العمرية المشمولة تتراوح بين 18 و45 عامًا، مع وجود مقترحات لتقليصها إلى 30 أو 35 عامًا بهدف التركيز على فئة الشباب، لافتًا إلى أن الرواتب ستُحدد بما يتناسب مع موازنة وزارة الدفاع، وبما يتيح تغطية أعداد أكبر من المكلفين مقارنة بالمتطوعين.

وأشار إلى أن القانون يتضمن، وفق رأيه، إيجابيات عدة أبرزها معالجة البطالة وتعزيز الانضباط وترسيخ التلاحم الاجتماعي بين المحافظات، موضحًا أن ديباجة المشروع تؤكد أنه يأتي في إطار "ضرورة وطنية قصوى".

ويأتي هذا المشروع بعد سنوات من الجدل حول الخدمة الإلزامية؛ إذ سبق أن طُرح أكثر من مرة داخل البرلمان وسُحب بسبب خلافات سياسية.

ويحظى القانون أيضًا بدعم عدد من نواب "المجلس السياسي" السني، الذين رأوا في تصريحات متفرقة أن إقراره يعزز مبدأ العدالة والمساواة ويرسخ الانتماء الوطني.

ويضم "المجلس السني" خمس قوى سياسية تمتلك نحو 75 مقعدًا في البرلمان، أبرزها حزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، وتحالف "السيادة" بقيادة خميس الخنجر، وتحالف "العزم" برئاسة مثنى السامرائي، إضافة إلى كتلتي "الحسم" بزعامة ثابت العباسي و"الجماهير" بقيادة أحمد الجبوري.

رفض شيعي

وعلى الجانب الآخر، عبّرت معظم القوى الشيعية المنضوية ضمن "الإطار التنسيقي" عن رفضها القاطع لتمرير قانون "خدمة العلم"، مقدرة أن تطبيقه يتطلب كلفًا مالية كبيرة في وقت يعاني فيه العراق من ضائقة اقتصادية تستدعي التقشف.

وفي مقدمة الرافضين، يقف زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، الذي وصف مقترح إعادة الخدمة الإلزامية بأنها "فكرة تجاوزها الزمن"، وذلك في تدوينة على منصة "إكس" في 22 أبريل.

وأضاف المالكي أن "الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على كثرة الجنود، بل على الطائرات المسيّرة والتقنيات المتقدمة، وأن شمول أعداد كبيرة سيكلف الدولة مبالغ طائلة دون حاجة فعلية"، داعيًا مجلس النواب إلى التريث في تشريع القانون وتوجيه الموارد نحو تطوير قدرات الجيش وبناء قوة أكثر كفاءة بأعداد أقل.

من جهته، قال زعيم تيار "الحكمة" عمار الحكيم: إنه من حيث المبدأ هناك حاجة لإعادة بناء شخصية الشباب العراقي وفق القيم الوطنية، لكنه شدد على وجود ملاحظات تتعلق بالتوقيت وآليات التطبيق وضرورة الدراسة المتأنية للمشروع.

وعلى النهج ذاته، أعلنت كتلة "النهج الوطني" رفضها للقانون، حيث قال رئيسها حسن وريوش الأسدي خلال مؤتمر صحفي في 22 أبريل، إن "التحديات الأمنية وتحول طبيعة الحروب نحو الفضاء السيبراني والإعلامي يجعل من مقترح خدمة العلم غير مناسب، ويدعو إلى إلغائه".

من جهته، أعلن النائب سعود الساعدي عن كتلة "حقوق" التابعة لكتائب حزب الله، خلال مؤتمر صحفي في اليوم ذاته، اعتراضه على القانون، داعيًا إلى إعطاء الأولوية لتعزيز الدفاعات الجوية، ومشيرًا إلى أن تشريع قانون الحشد الشعبي أولى في المرحلة الحالية.

وفي مارس/آذار 2025، قال وزير الدفاع العراقي السابق ثابت العباسي: إن الجيش بحاجة إلى نحو 60 ألف مقاتل جديد لتعزيز قدراته، لافتًا إلى وجود نقص في الأعداد وتراجع في التطوع منذ عام 2014 وارتفاع متوسط الأعمار داخل المؤسسة العسكرية.

ويشكل الشيعة نحو 80 بالمئة من قوام الجيش العراقي الذي تأسس بعد 2003 على أساس التطوع، فيما تراجع الإقبال من المكون السني في ذلك الوقت.

وفي المقابل، ترفض القوى الشيعية تمرير قانون "خدمة العلم"، لكنها تتمسك ببقاء الحشد الشعبي الذي تشكل عام 2014 من فصائل مسلحة شيعية، رغم اعتراض قوى سياسية سنية على قانونه عام 2016.

ويضم الحشد الشعبي نحو 240 ألف عنصر بتمويل سنوي يقارب 2.9 مليار دولار من الموازنة العراقية، وسط جدل سياسي حول وجود أسماء وهمية وتحويل جزء من الرواتب إلى قيادات فصائل.

وتسعى الولايات المتحدة إلى تفكيك الحشد الشعبي بصفته ذراعًا إيرانية، وهددت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بفرض عقوبات على العراق إذا أُقر قانون إعادة هيكلته.

استمرار الهيمنة

وعن أسباب الرفض الشيعي لإقرار القانون والمبررات المطروحة، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي بهاء الدين البرزنجي: إن "القوى الشيعية تسعى من خلال تعطيل إقرار قانون خدمة العلم إلى استمرار الهيمنة على الجيش والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها".

وأوضح البرزنجي، في حديث لـ"الاستقلال"، أن "رفض هذا القانون من قبل القوى الشيعية تحت ذرائع متعددة ليس مستغربًا، أما الحديث عن الواقع الاقتصادي فهو عذر جديد يستهدف كسب تعاطف الشارع، فيما يكشف تعطيل القانون منذ أول برلمان عام 2005 وحتى اليوم عدم جدية هذه المبررات".

ولفت إلى أن "القوى السنية تحاول تحقيق توازن داخل المؤسسة العسكرية؛ حيث إن غالبية المتطوعين هم من الشيعة، ما يجعل الجيش لا يعكس التمثيل الحقيقي لجميع مكونات الشعب العراقي".

وأشار إلى أن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي أكد أن القانون لا يهدف إلى فرض خدمة إلزامية بقدر ما يسعى إلى إتاحة الفرصة أمام الشباب للانخراط في المؤسسة العسكرية وتعزيز روح المسؤولية الوطنية لديهم.

وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي العراقي نوفل الجميلي، خلال مقابلة تلفزيونية في 23 أبريل: إن "كل اتفاق سياسي لتشكيل الحكومات يتضمن برامج واضحة، لكن القوى السنية تُفاجأ في كل دورة بعدم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، حيث يتم تهميش هذه المطالب من قبل قوى الإطار التنسيقي".

وأضاف الجميلي أن "رئيس الحكومة لا يلتزم بتطبيق تلك الاتفاقات، ما يؤدي إلى استمرار ضعف تمثيل المكون السني داخل الأجهزة الأمنية، مقارنة بالمكونين الشيعي والكردي".

وأكد أن "السنة يرفضون أن يُنظر إليهم كمواطنين من درجة أدنى، خاصة في المؤسسات الأمنية؛ حيث يمكن ملاحظة التمييز حتى في تفاصيل بسيطة، مثل الانتماء المناطقي للعسكريين".

ورأى أن "إقرار قانون خدمة العلم من شأنه أن يحقق نوعًا من التوازن داخل المؤسسات الأمنية، ويضمن تمثيلًا أكثر عدالة لجميع المكونات".

وشدد الجميلي على أن "السنة شركاء في الوطن وليسوا مجرد مشاركين، وأن هذا القانون قد يسهم في ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية".

وأشار إلى أن “مظاهر الهيمنة واضحة في بنية الدولة العراقية؛ حيث تتركز معظم مفاصل القرار الأمني بيد المكون الشيعي”. موضحًا أن ذلك يشمل مناصب رئيس الوزراء (القائد العام للقوات المسلحة)، ورئاسة أركان الجيش، ووزارة الداخلية، وجهاز الأمن الوطني، وقيادة قوات مكافحة الإرهاب، ورئاسة الحشد الشعبي، ومستشارية الأمن القومي، ورئاسة جهاز المخابرات، وقيادة الشرطة الاتحادية.