في قلب إسرائيل.. ماذا نعرف عن مفاعل ديمونا بعد تهدد طهران باستهدافه؟

حسن عبود | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد خمسة أيام من بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، خرج مسؤول في هيئة الأركان الإيرانية عبر وكالة أنباء الطلبة "إيسنا" شبه الرسمية ليُعلن أن "طهران ستستهدف مفاعل ديمونا" إذا حاولت واشنطن وتل أبيب "تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية".

خلق هذا التهديد ضجة إعلامية لأنه جاء من وكالة تعكس غالبا مواقف الحرس الثوري واستهدف لأول مرة قلب الغموض النووي الإسرائيلي، والمفاعل الذي يضمن الردع لدولة الاحتلال.

ولم يُسجَّل خلال الحرب الحالية أو مواجهة الـ 12 يوما في يونيو/حزيران 2025، أن صاروخًا إيرانيًا أصاب ديمونا. فماذا نعرف فعليًا عن المجمّع النووي الإسرائيلي، وما الذي يعنيه أن يصبح هدفًا معلنًا بعد عقود من الصمت؟

ما هو ديمونا؟

المجمع يُسمّى رسميًا “مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية في النقب”، ويقع في جنوب فلسطين المحتلة على بعد حوالي 25 كم من الأردن و75 كم من مصر ونحو 90 كم من القدس، في منطقة صحراوية بعيدة عن التجمعات، ما يعطي صورة عن مدى السرية المحاطة به.

يُعتقد أن إسرائيل بدأت بناء الموقع النووي في الصحراء أواخر خمسينيات القرن الماضي بعد خوضها عدة حروب مع الدول العربية إبان تأسيسها عام 1948.

وديمونا، مفاعل ماء ثقيل يعمل بالوقود الطبيعي بقدرة تقديرية بين 70 و150 ميغاواط، ويُعد أكبر مفاعل في المنطقة، وفق جمعية الحد من التسلح (أميركية مستقلة).

وأكد باحثو الجمعية خلال دراسة سابقة أنّ المفاعل هو المصدر الوحيد المعروف لإنتاج البلوتونيوم والتريتيوم في إسرائيل، وهما مادتان ضروريتان لصناعة القنبلة الهيدروجينية.

تقديرات “النشرة الذرية لعلماء الذرة” تشير إلى أن إسرائيل تمتلك منذ عام 2020 حوالي 90 رأسًا نوويًا ومعها مخزون يقدر بنحو 980 كلغ من البلوتونيوم – ما يكفي لإنتاج ما بين 170 و278 سلاحًا.

مع هذا المخزون، رجحت النشرة أن دور المفاعل الآن قد يكون إنتاج التريتيوم لتعويض ما يتحلل منه بمرور الوقت، وليس بالضرورة زيادة عدد الرؤوس.

وبدورها، وصفت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في مارس/آذار 2026، المنشأة بأنها “واحدة من أكثر المواقع المحمية” (بالأراضي المحتلة)، مبينة أن الموقع محصن بمنظومة دفاع جوي متعددة الطبقات.

ونشأت سياسة الضبابية بعد رفض إسرائيل الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. كما أنها لم تعترف يوما بامتلاكها سلاحًا نوويًا، ما يشير إلى الطبيعة السرية للمنشأة.

وقال إدوين ليمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المعنيين ومقره أميركا عام 2025: "لا تسمح إسرائيل بأي عمليات تفتيش أو تحقق دولية لما تقوم به، مما يدفع الرأي العام إلى التكهن".

وبينما تبقى تفاصيل ديمونا طي الكتمان، كشف مُبلِّغ في ثمانينيات القرن الماضي عن تفاصيل وصور للمنشأة، ما دفع الخبراء إلى استنتاج أن إسرائيل أنتجت عشرات الرؤوس الحربية النووية، وفق ما نشرت وكالة أسوشيتد برس في سبتمبر/أيلول 2025.

وقال داريل ج. كيمبال، المدير التنفيذي لجمعية الحد من التسلح ومقرها واشنطن: “إذا كان مفاعلاً يعمل بالماء الثقيل، فإنهم يسعون لإدامة قدرتهم على إنتاج الوقود المستهلك الذي يمكنهم معالجته لفصل البلوتونيوم لصنع المزيد من الأسلحة النووية”.

ويعتقد أن إسرائيل، مثل الهند وباكستان، تعتمد على مفاعل الماء الثقيل في تصنيع أسلحتها النووية.

ويمكن استخدام هذه المفاعلات لأغراض علمية، لكن البلوتونيوم - الذي يُسبب التفاعل النووي المتسلسل اللازم للقنبلة الذرية - هو ناتج ثانوي لهذه العملية. أما التريتيوم فهو ناتج ثانوي آخر، ويمكن استخدامه لزيادة القوة التفجيرية للرؤوس الحربية، وفق كيمبال.

تحديث المنشأة

ورغم هذه السرية، ألمحت تل أبيب عام 2018 إلى وجود منشأة بحثية عندما زار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المكان وحذر "أعداء إسرائيل” من أنهم “يضعون أنفسهم في خطر” إذا حاولوا تدمير ديمونا.

وبحسب ما نشرت وكالة “أسوشيتد برس” عام 2025، أظهرت صور أقمار صناعية بناء منشأة ضخمة تحت الأرض قرب المفاعل، وهو ما أعاد إثارة التساؤلات حول تقدم إسرائيل التي يُعتقد على نطاق واسع أنها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك أسلحة نووية.

كما أثار هذه الأعمال انتقادات دولية، لا سيما أنها جاءت بعد قصف إسرائيل والولايات المتحدة لمواقع نووية في أنحاء إيران في يونيو، خشية أن تستخدم الجمهورية الإسلامية منشآتها لتخصيب اليورانيوم في سعيها لامتلاك سلاح نووي. 

سبعة خبراء عاينوا الصور قالوا إن البناء مرتبط حتمًا بالبرنامج النووي الإسرائيلي، فيما رجح ثلاثة أنه مفاعل ماء ثقيل جديد بسبب حجم المنشأة وعمقها، بينما اعتقد آخرون أنها ربما منشأة لتجميع الأسلحة، مع تأكيدهم على عدم القدرة على الجزم.

جيفري لويس، الخبير في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي التابع لمعهد ميدلبوري للدراسات الدولية قال: “من الصعب تخيل أن يكون شيئًا آخر غير مفاعل وهذا استنتاج مبني على الأدلة الظرفية”. 

ولم تعلق إسرائيل أو الولايات المتحدة على الأمر، ما يعني أنّنا أمام غموض رسمي يزيده تصاعد البناء وضخامة المنشأة الجديدة. 

ويقدر الخبراء أنّ المفاعل الأصلي القديم، تجاوز عمره الافتراضي ويحتاج إلى تحديث أو استبدال، مع ترجيحات بأن ما كشفته صور الأقمار الصناعية يعد جزءا من هذا العمل.

إذ إن التوسع في البناء يمكن أن يهدف إلى إطالة عمر المفاعل الإسرائيلي عبر استبدال المكان القديم والحفاظ على القدرة على إنتاج البلوتونيوم والتريتيوم.

وأفادت أسوشيتد برس لأول مرة عن أعمال الحفر في المنشأة، الواقعة على بُعد حوالي 90 كيلومترًا (55 ميلًا) جنوب القدس، في عام 2021. 

حينها، لم تُظهر صور الأقمار الصناعية سوى عمال يحفرون حفرة بطول 150 مترًا وعرض 60 مترًا بالقرب من مفاعل الماء الثقيل الأصلي في الموقع.

تُظهر صور التقطتها شركة بلانيت لابز بي بي سي في 5 يوليو/تموز 2025 تكثيفًا لأعمال البناء في موقع الحفر. ويبدو أنه يجري بناء جدران استنادية خرسانية سميكة في الموقع، الذي يتكون من عدة طوابق تحت الأرض. 

وقد يكون الحصول على المزيد من التريتيوم لاستبدال المواد المتحللة هو السبب وراء بناء مفاعل ديمونا، إذ أشار الخبير النووي إدوين ليمان إلى أن نسبة تحلله تبلغ 5 بالمئة سنويًا.

القدرة والتبعات

وفي ظل التهديد الأخير، تمتلك إيران أكبر ترسانة صواريخ باليستية في الشرق الأوسط، تشمل صواريخ “سجّيل” و"قدير" و"خرمشهر" بمدى يصل إلى 2000 كم.

كما تمتلك صواريخ “عماد” (1,700 كم) و"شهاب 3" (1,300 كم) و"هويزة" (1,350 كم)، إضافة إلى تطوير مراكز إطلاق تحت الأرض. 

هذه المديات تجعل الوصول إلى ديمونا ممكنًا من الأراضي الإيرانية، لكن دقّة الإصابة وقدرة الرؤوس غير النووية على اختراق الملاجئ الخرسانية تبقى محل شك. في المقابل، تحمي إسرائيل المنشأة بمجموعة من طبقات الدفاع الجوي. 

وحسب وكالة “رويترز”، تتضمن المنظومة صواريخ آرو 2 وآرو 3 لاعتراض الصواريخ البالستية في طبقات الجو العليا، ومنظومة مقلاع داود للدفاع عن المديات المتوسطة وصواريخ القبة الحديدية للصواريخ القصيرة والدرون. 

وخلال الحرب الحالية والسابقة، زودت الولايات المتحدة إسرائيل بمنظومة ثاد المضادة للصواريخ البالستية، للعمل على اعتراض الهجمات.

كما أن المنشأة نفسها تقع في منطقة منعزلة ومحاطة بتحصينات تحت الأرض، ما يجعل إصابتها مباشرة تحديًا حقيقيًا. وبالتالي، يمكن القول إن التهديد من الناحية العسكرية نظري أكثر منه عملي.

وفيما يخص التبعات، تظهر الدراسات المعدودة حول آثار ضرب مفاعل ديمونا سيناريوهات محدودة. 

قدرت دراسة جمعية الحد من التسلح السابق الإشارة إليها أن المفاعل يُنتج بلوتونيوم وتريتيوم، وأن ضربه قد يؤدي إلى تسرب مواد مشعة تسبب جرعات منخفضة على نطاق واسع وربما مئات من حالات السرطان الإضافية في أسوأ الحالات. 

إلا أن الدراسة شددت على أن حجم المفاعل الصغير وموقعه الصحراوي يحدّان من الأخطار على السكان. 

من جهة الردع، فإن مجرد محاولة فاشلة أو اعتراض ناجح قد يدفع إسرائيل إلى رد مفرط، وربما إلى كسر الغموض النووي. لذلك تجنبت إيران وجماعات أخرى ضرب المفاعل بشكل مباشر في مواجهات سابقة.

ويُعتقد أن سياسة الغموض النووي التي تتبعها إسرائيل ساهمت في ردع أعدائها، وفق أسوشيتد برس.

لكن حدثت في السابق محاولات معدودة لاستهداف المكان. ففي أبريل/ نيسان 2021، سقط صاروخ سوري من نوع “إس أي‑5” على بعد نحو 30 كم من ديمونا، وأكدت وكالة رويترز أنه لم يضرب المفاعل. 

كما أطلقت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في يوليو/تموز 2014، صواريخ بعيدة المدى نحو ديمونا، إلا أن منظومة “القبة الحديدية” اعترضتها وسقط البعض في مناطق مفتوحة من دون إصابات.

وفي ظل الغموض والعزلة التي تحيط بهذا المفاعل، تتعرض إيران لضغوط كبيرة لتقديم تقارير شفافة، وقد أُعيد فرض العقوبات عليها مرارًا بسبب برنامجها النووي ما يكشف عن الازدواجية الغربية في التعامل مع هذا السلاح بالمنطقة.