خلال شهر رمضان.. من يقف وراء الحرب المفتوحة بين باكستان وأفغانستان؟

إسماعيل يوسف | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد سلسلة من المناوشات والهجمات المتبادلة ومفاوضات لم تُفضِ إلى نتائج، أعلنت باكستان «حربًا مفتوحة» على حكومة حركة طالبان في أفغانستان، وتبادل الطرفان ضربات دامية تزامنت مع شهر رمضان، وأسفرت عن سقوط قتلى واستهداف منشآت في عاصمتي البلدين.

ورغم أن إسلام أباد دعمت طالبان خلال فترة الاحتلال السوفيتي ثم خلال الوجود الأميركي في أفغانستان، فإن تصاعد نشاط حركة طالبان باكستان على الحدود، إلى جانب تحركات جماعات بلوشية تطالب بالاستقلال، أدى إلى توتر العلاقات بين الجانبين، خصوصًا بعد عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس/آب 2021.

ووفق بيانات شاركها الجيش الباكستاني مع شبكة CNN في 27 فبراير/شباط 2026، قُتل أكثر من 1200 شخص، بينهم عسكريون ومدنيون، في هجمات مسلحة داخل باكستان عام 2025، وهو رقم يضاعف تقريبًا حصيلة عام 2021، حين انسحبت الولايات المتحدة من كابول وعادت طالبان إلى السلطة.

في المقابل، يشير مراقبون إلى أن للصراع أبعادًا إقليمية ودولية تتجاوز الحسابات الأمنية المباشرة، متسائلين عن دور حلفاء الطرفين في تأجيج المواجهة ضمن صراع نفوذ أوسع في جنوب آسيا.

ويذهب بعضهم إلى أن الهند تميل إلى دعم كابول في سياق تنافسها التاريخي مع باكستان، لا سيما بعد جولات التوتر العسكري الأخيرة بين البلدين في مايو/أيار 2025، بينما يرى آخرون أن واشنطن تعزز تعاونها مع إسلام أباد في ضوء خلافاتها المتراكمة مع طالبان منذ انسحابها من أفغانستان.

كما يربط هؤلاء بين تصاعد الاشتباكات وزيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، وتصريحات رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بشأن سعيه لمواجهة ما يسميه «محوري الإسلام السياسي السني والشيعي»، وطرحه فكرة تحالف إقليمي جديد يمتد «من هودو إلى كوش»، في إشارة إلى نطاق جغرافي واسع من الهند حتى إفريقيا.

ومع ذلك، تبقى هذه القراءات في إطار التحليلات السياسية التي تربط بين تفاعلات محلية وصراعات إقليمية، في مشهد معقد تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ الدولي.

ماذا جرى؟

منذ إعلان باكستان وأفغانستان فشل محادثات السلام بينهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ووصولها إلى طريق مسدود، تصاعد التوتر على الحدود، وتبادل الجانبان إطلاق نار متقطع.

وحذّر وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، من أن إسلام أباد قد تنخرط في صراع مفتوح إذا أخفقت كابول في كبح هجمات حركة طالبان باكستان، التي تتهمها بدعمها انطلاقًا من الأراضي الأفغانية.

في المقابل، ردّ وزير الحدود الأفغاني نور الله نوري محذرًا باكستان من «مواجهة مباشرة» إذا واصلت تهديداتها عقب انهيار المحادثات، داعيًا إياها إلى «التعلم» من مصير الولايات المتحدة وروسيا في أفغانستان.

وكانت اشتباكات أكتوبر/تشرين الأول 2025 قد أسفرت عن مقتل عشرات الجنود من الجانبين، قبل أن تنجح وساطة قادتها تركيا وقطر والسعودية في وقف القتال مؤقتًا.

لكن مع تجدد هجمات «طالبان باكستان» وسقوط جنود باكستانيين، اندلع تصعيد عسكري غير مسبوق مساء 26 فبراير/شباط 2026، شمل تبادل ضربات جوية وقصف مدن رئيسية، بينها كابول وقندهار. وأسفرت غارات باكستانية عن دمار في شرق وجنوب شرق أفغانستان، بينما أعلنت كابول استهداف 15 منطقة حدودية وإشعال المواجهات في ست قرى.

وجاء التطور الأخطر فجر 27 فبراير/شباط 2026، عندما أعلنت الحكومة الباكستانية «حربًا مفتوحة» ضد سلطات حركة طالبان في أفغانستان. وكتب خواجة آصف عبر منصة إكس: «لقد نفد صبرنا. الآن أصبحت حربًا مفتوحة بيننا وبينكم».

وللمرة الأولى، قصفت باكستان أهدافًا حكومية في العاصمة كابول، إضافة إلى قندهار حيث تتمركز قيادة طالبان، كما شنت غارات في ولايتي لغمان وننكرهار استهدفت مقار للحركة.

وتُعد هذه الضربات سابقة في طبيعتها، إذ استهدفت إسلام أباد بشكل مباشر مواقع تابعة لسلطات طالبان، بدلًا من مسلحين يُزعم دعمهم من كابول، ما يعكس شرخًا عميقًا في العلاقات بين الجارتين اللتين ارتبطتا بتحالف وثيق في السابق.

وتضاربت أرقام الخسائر بين الطرفين؛ إذ أعلن المتحدث باسم الحكومة الباكستانية، مشرف زيدي، أن الجيش قتل 274 مقاتلًا من طالبان الأفغانية وأصاب 400 آخرين.

في المقابل، أفادت كابول بمقتل 13 جنديًا وإصابة 22، بينما قال المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد: إن القوات الأفغانية قتلت 55 جنديًا باكستانيًا وأسرت آخرين، ودمرت 19 موقعًا عسكريًا.

كما نقل عن قائد الجيش الأفغاني قارئ محمد فصيح الدين قوله: إن قواته بدأت «عمليات انتقامية» استهدفت نقاطًا عسكرية باكستانية على الخط الفاصل، محذرًا من أن استمرار زعزعة الأمن سيدفعها إلى نقل المعركة إلى عمق باكستان، بما في ذلك إسلام أباد.

ويرى محللون أن استمرار التصعيد قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة. وقال عبد الباسط، الباحث في كلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية، لشبكة CNN: إن «أوقاتًا خطيرة قادمة». مضيفًا أن أي رد انتقامي أفغاني قد يستهدف المراكز الحضرية الباكستانية، وهو ما قد يفتح الباب أمام فوضى واسعة، في ظل امتلاك طالبان طائرات مسيّرة وقدرات هجومية غير تقليدية.

هل قتل زعيم طالبان؟

تضاربت الأنباء بشأن مصير زعيم حركة طالبان الأعلى، هبة الله أخوند زاده، بعد تقارير تحدثت عن استهداف القصف الباكستاني محيط القصر الرئاسي في كابول، وتداول معلومات غير مؤكدة عن مقتله، إلى جانب زعيم حركة طالبان باكستان، نور ولي محسود.

وذكرت منصة أفغان تايمز أن أخوند زاده لم يكن موجودًا في المجمع الرئاسي المستهدف أثناء الغارات الجوية الباكستانية، ما ينفي ضمنيًا مقتله، لكنها أشارت في وقت لاحق إلى تأكيدات بمقتل زعيم «طالبان باكستان»، قبل أن تعود وتنشر ما يفيد بمقتل زعيم طالبان الأفغانية أيضًا، وهو ما زاد من حالة الارتباك الإعلامي.

في المقابل، أعلنت حكومة طالبان تنفيذ ضربات «واسعة النطاق» ضد مواقع للجيش الباكستاني على الحدود، مؤكدة سقوط عشرات الجنود الباكستانيين بين قتيل وجريح وأسرى، وهي أرقام تحدثت عنها كذلك مصادر في إسلام أباد، مع اختلاف في الحصيلة.

وأفادت مصادر إعلامية في كابول بأن الحكومة الأفغانية تواصلت مع عدد من دول الشرق الأوسط لبحث سبل وقف التصعيد واستئناف المحادثات مع باكستان، في ظل وساطات سابقة رعتها قطر وتركيا.

وبحسب مصادر أفغانية، سارعت طالبان إلى احتواء التصعيد، في خطوة فسّرها بعض المراقبين على أنها تراجع تكتيكي، في ظل محدودية قدراتها الجوية والصاروخية مقارنة بباكستان. كما تحدثت تقارير عن وجود تباينات داخلية بشأن آلية الرد على العمليات العسكرية الباكستانية المتواصلة.

وفي ضوء التفوق العسكري الباكستاني، بوصفها قوة نووية، يرجّح محللون أن تخوض طالبان نمطًا غير تقليدي من المواجهة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في حرب العصابات، بدل الانخراط في حرب تقليدية مفتوحة.

وقال مايكل كوجلمان، الخبير في شؤون جنوب آسيا لدى المجلس الأطلسي، لبرنامج «نيوزداي» على قناة بي بي سي: إن أهمية الجولة الأخيرة من الضربات الباكستانية تكمن في أنها استهدفت منشآت تابعة لحكومة طالبان نفسها، وليس فقط مواقع توصف بأنها «إرهابية»، ما يعني أن «النظام بات مستهدفًا بشكل مباشر».

عوامل داخلية وإقليمية

يمكن قراءة التصعيد بين باكستان وحركة طالبان في سياق تداخل عوامل داخلية وإقليمية مع صراع نفوذ دولي أوسع.

داخليًا، تتمحور الأزمة حول اتهام إسلام أباد لحكومة طالبان في أفغانستان بالسماح لـحركة طالبان باكستان باستخدام الأراضي الأفغانية ملاذًا آمنًا للتخطيط لشن هجمات عبر الحدود.

خارجيًا، يذهب محللون ومتعاطفون على مواقع التواصل إلى تفسير الصراع ضمن ما يسمونه صراع المحاور الإقليمي؛ حيث تتقاطع المصالح بين ثلاث قوى رئيسة: الهند والصين والولايات المتحدة، مع ادعاءات بأن كل طرف يدعم حليفًا مختلفًا في المنطقة، رغم عدم وجود توافق تحليلي حاسم على هذه الفرضية.

وفي الداخل الباكستاني، يرفض بعض المواطنين التصعيد العسكري، معتبرين أن المؤسسة العسكرية تدفع البلاد إلى صراعات غير ضرورية. وظهر على مواقع التواصل خطاب يتهم القيادة العسكرية بأنها تستخدم باكستان كأداة في صراعات دولية، وهو طرح يعكس انقسامًا سياسيًا داخل المجتمع الباكستاني.

من جانبها، تتهم إسلام أباد كابول بأنها توفر بيئة حاضنة لنشاط الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية، خاصة في ولايات مثل بكتيا وخوست وننجارهار وكونار؛ حيث تنطلق عمليات تستهدف الجيش الباكستاني.

وتشير باكستان إلى هجمات وقعت منذ أواخر 2024، من بينها هجوم في منطقة باجور أسفر عن مقتل 13 عسكريًا ومدنيًا، وتربطه بمسلحين يتمركزون داخل أفغانستان، بينما تصف حكومة طالبان هذه الاتهامات بأنها ذريعة لتبرير العمليات العسكرية الباكستانية.

ورغم نفي طالبان تقديم دعم رسمي للهجمات، فإن باكستان ترى أن ضعف سيطرة السلطات الأفغانية على المناطق الحدودية يجعلها تتحمل جزءًا من المسؤولية عن نشاط الجماعات المسلحة.

ومع تصاعد التوتر، شنت باكستان غارات جوية وعمليات عسكرية عبر الحدود استهدفت مخابئ مسلحين، لكن هذه المرة امتد القصف إلى العمق الأفغاني لأول مرة، بعد تدخل قوات أفغانية في القتال ومهاجمة مواقع حدودية باكستانية.

ويزيد تعقيد المشهد عامل جغرافي مهم؛ إذ تتميز المناطق الحدودية بين البلدين، مثل شيترال وخيبر ومهمند وكورام، بتضاريس جبلية وعرة وغابات كثيفة، ما يوفر بيئة مناسبة لحرب العصابات والكمائن.

وتوضح تقارير صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية أن إسلام أباد تحولت تدريجيًا من المسار الدبلوماسي إلى الضغط العسكري بعد نفاد صبرها، خصوصًا عقب اشتباكات أكتوبر/تشرين الأول 2025، التي كادت أن تتوسع لولا وساطات إقليمية قادتها تركيا وقطر والسعودية.

كما استخدمت باكستان أدوات ضغط إضافية، شملت إغلاق الحدود وتقليص التجارة الثنائية وتشديد القيود على اللاجئين الأفغان المقيمين داخل البلاد، حيث جرى ترحيل مئات الآلاف منهم، بمن فيهم صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، مع فرض متطلبات تأشيرة دخول.

وعسكريًا، تواجه باكستان تحديات مرتبطة بتنسيق العمليات بين الجيش والشرطة في مواجهة التسلل الحدودي، خاصة مع نشاط جماعات مسلحة مثل طالبان باكستان والمقاتلين البلوش الساعين للاستقلال في جنوب غرب البلاد.

ومن الأسباب التاريخية للصراع الخلاف حول ترسيم الحدود المعروف بـ خط ديوراند الذي رسمته بريطانيا عام 1893 خلال الحقبة الاستعمارية. وترفض أفغانستان الاعتراف به بوصفه خطًا فُرض تحت ضغط استعماري ويقسم القبائل البشتونية عبر الحدود، بينما تعده باكستان حدودًا دولية رسمية.

وفي المقابل، تؤكد حكومة طالبان أن الصراع مع باكستان يمثل «قضية داخلية»، وتنفي اتهامات التدخل في شؤونها، داعية إلى الحوار والحل السلمي، ومشددة على أن عملياتها العسكرية تندرج ضمن «حق الدفاع المشروع» في مواجهة أي تهديدات خارجية.