جيل جديد بفكر مختلف في أميركا.. لماذا يتراجع التأييد الشعبي لـ"إسرائيل"؟

داود علي | منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

في حلقة حديثة بثّها عبر منصته الإعلامية في 26 فبراير/شباط 2026، أطلق الإعلامي الأميركي المحافظ البارز تاكر كارلسون تحذيرا لافتا في حدّته ودلالاته السياسية، ويرى أن إسرائيل تعيش “فرصتها الأخيرة المطلقة” لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب، في ظل تحوّل متسارع في المزاج العام الأميركي، خصوصا بين الأجيال الشابة.

وجاءت تصريحاته لتسلّط الضوء على ما وصفه بتآكل الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، مؤكدا أن هذا المسار بات أعمق من أن تعكسه الحملات الإعلامية أو الاصطفافات الحزبية التقليدية. ولم يقتصر الطرح على انتقاد سياسات بعينها، بل تجاوز ذلك إلى التشكيك في متانة التحالف نفسه على المدى البعيد.

وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لصدورها عن أحد أبرز الأصوات المؤثرة داخل التيار المحافظ، ما يعكس تحوّلا لا يقتصر على أوساط اليسار التقدمي أو الحركات الطلابية، بل يمتد إلى داخل القاعدة الجمهورية، بما في ذلك شرائح من جمهور “ماغا” المرتبط بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.

استطلاع غالوب

أحدث هذه المؤشرات صدر عن مؤسسة غالوب الأميركية، في استطلاعها السنوي المنشور في 27 فبراير/شباط 2026. وتُعد “غالوب”، التي تأسست عام 1935، من أقدم وأبرز شركات قياس الرأي العام في العالم، ما يمنح نتائجها ثقلا خاصا في قراءة التحولات المجتمعية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

ووفق نتائج الاستطلاع، قال 41 بالمئة من الأميركيين: إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين في الوضع القائم في الشرق الأوسط، مقابل 36 بالمئة أعربوا عن تعاطفهم الأكبر مع الإسرائيليين.

صحيح أن الفارق البالغ خمس نقاط مئوية لا يُعد فاصلا إحصائيا حاسما، لكنه يحمل دلالة سياسية وتاريخية لافتة، إذ تمثل هذه النتيجة المرة الأولى منذ بدء قياس “غالوب” المنتظم لهذا السؤال عام 2001 التي لا يتقدم فيها الإسرائيليون في ميزان التعاطف الشعبي الأميركي.

فمنذ عام 2001 وحتى عام 2025، كان الإسرائيليون يحظون بتقدم مزدوج الرقم في مؤشرات التعاطف، وبلغ متوسط الفجوة بين عامي 2001 و2018 نحو 43 نقطة مئوية لمصلحة إسرائيل.

غير أن منحنى الرأي العام بدأ يميل تدريجيا منذ عام 2019، أي قبل أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب على غزة. ومع توالي التطورات، لا سيما المشاهد الدامية للحرب وتصاعد الانتقادات الدولية، تقلص الفارق عاما بعد عام، إلى أن بلغ في 2026 مستوى يقترب من التعادل، في سابقة تعكس تحولا عميقا في المزاج الأميركي تجاه الصراع.

ولا يقتصر التحول على سؤال التعاطف العام، بل يمتد إلى صورة إسرائيل ذاتها في الوعي الأميركي، وفق بيانات غالوب.

فبين الديمقراطيين، تتقدم “الأراضي الفلسطينية” في النظرة الإيجابية منذ 2025؛ إذ ينظر 48 بالمئة منهم بإيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 34 بالمئة فقط إلى إسرائيل، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة داخل الحزب الديمقراطي بشأن الصراع.

أما الجمهوريون، فيظلون الأكثر تأييدا لإسرائيل على المستوى الحزبي، إذ ينظر 69 بالمئة منهم إليها بإيجابية. غير أن هذه النسبة تراجعت 15 نقطة منذ 2025، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقدين. وفي المقابل، بلغت النظرة الإيجابية إلى الفلسطينيين أعلى مستوى منذ بدء القياس، وهو تطور كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة.

لكن الدلالة الأبرز تكمن في مواقف المستقلين سياسيا الذين غالبا ما يرجحون كفة الانتخابات الأميركية. فبحسب “غالوب”، قال 41 بالمئة من المستقلين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 30 بالمئة مع الإسرائيليين، في انعطافة واضحة مقارنة بالسنوات السابقة التي كان فيها هذا التيار يميل تقليديا نحو إسرائيل.

كما تراجعت النظرة الإيجابية لإسرائيل بين المستقلين بمقدار 26 نقطة منذ فبراير/شباط 2023، أي قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، بينما ارتفعت النظرة الإيجابية إلى الفلسطينيين 12 نقطة خلال الفترة نفسها، بما يعكس تحولا بنيويا لا ظرفيا في اتجاهات الرأي العام الأميركي.

جيل جديد

أما العامل العمري فيمثل مؤشرا إستراتيجيا للمستقبل، إذ أظهرت نتائج استطلاع غالوب أن التحول في المزاج الأميركي يرتبط بقوة بالفئات الشابة.

فبين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما، قال 53 بالمئة إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 23 بالمئة فقط مع الإسرائيليين، وهو أدنى مستوى تاريخي لتعاطف هذه الفئة مع إسرائيل.

وفي الفئة العمرية من 35 إلى 54 عاما، عبّر 46 بالمئة عن ميلهم نحو الفلسطينيين مقابل 28 بالمئة نحو الإسرائيليين، في تحول شبه كامل مقارنة بالعام السابق.

أما من هم فوق 55 عاما، فقد تراجع التعاطف مع إسرائيل لديهم إلى 49 بالمئة، وهي المرة الأولى منذ 2005 التي لا تتجاوز فيها نسبة كبار السن المتعاطفين مع إسرائيل حاجز النصف.

ويؤكد هذا الاتجاه ما ورد في دراسات أخرى، بينها تقارير لمركز بيو للأبحاث خلال 2024 و2025، التي أشارت إلى أن الشباب الأميركيين، خصوصا داخل الحزب الديمقراطي، أصبحوا أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية وأكثر تعاطفا مع الفلسطينيين، مع اتساع الفجوة بين الأجيال في هذه القضية.

وعلى صعيد آخر، يبرز مؤشر دعم حل الدولتين كعنصر مهم في قراءة المزاج الأميركي، إذ أظهر الاستطلاع الأخير أن 57 بالمئة من الأميركيين يؤيدون قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل، وهي نسبة تقترب من أعلى مستوى سجل عام 2003.

ويصل التأييد إلى 77 بالمئة بين الديمقراطيين و57 بالمئة بين المستقلين، في حين يتقلب داخل القاعدة الجمهورية، إذ تراجع بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 26 بالمئة، قبل أن يشهد ارتفاعا نسبيا في 2025، مع اتساع الفجوة الحزبية التي بلغت نحو 44 نقطة مئوية.

لا يقتصر التحول على الاستطلاعات، بل يمتد إلى الخطاب السياسي نفسه، حيث برز خلال 2024 و2025 تصاعد في المواقف النقدية داخل التيار الشعبوي المحافظ.

فالنائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين أعربت في أكثر من مناسبة عبر منصة "إكس" عن رفضها إرسال مليارات الدولارات إلى إسرائيل بينما تعاني الولايات المتحدة من أزمات اقتصادية داخلية.

كما وجه المحلل القومي الأميركي ستيف بانون انتقادات لما وصفه بالتورط الأميركي غير الضروري في صراعات الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، داعيا إلى إعادة تركيز السياسة الخارجية على المصالح الداخلية للولايات المتحدة.

أمن إسرائيل

وقال الباحث السياسي المقيم في الولايات المتحدة، عبد الرحمن مجدي، إن المؤشرات الأخيرة بشأن تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل تعكس تحولا تاريخيا عميقا في بنية الموقف داخل الولايات المتحدة الأميركية، وليس مجرد تغير مؤقت مرتبط بحرب أو حدث سياسي عابر.

وأوضح مجدي في حديثه لـ"الاستقلال" أن الدعم الأميركي لإسرائيل كان لعقود طويلة يحظى بإجماع حزبي شبه متقارب بين الجمهوريين والديمقراطيين، غير أن الفجوة بين المعسكرين اتسعت تدريجيا خلال ربع القرن الأخير، لتصل إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة.

وأضاف أن القضية الفلسطينية والإسرائيلية لم تعد مجرد ملف سياسي خارجي، بل أصبحت جزءا من الاستقطاب الحزبي داخل المشهد الأميركي، حيث بات الموقف من إسرائيل أحد المؤشرات المرتبطة بالهوية السياسية والانتماء الحزبي.

وأشار إلى أن التحول تسارع خلال الولاية الأولى للرئيس السابق، مع دمج جزء من القاعدة الديمقراطية التقدمية دعم الفلسطينيين ضمن أجندة أوسع مرتبطة بالحركات الاجتماعية، خاصة بعد احتجاجات حركة “حياة السوداء مهمة”.

ومع اندلاع الحرب على غزة، ورغم الدعم الرسمي الذي قدمته الإدارة الأميركية السابقة لإسرائيل، شهدت القاعدة الديمقراطية موجة انتقادات واسعة بسبب الخسائر البشرية، ما أسهم في تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الحزب.

ولفت الباحث إلى أن بعض التسريبات السياسية أشارت إلى أن خسارة مرشحة الديمقراطيين المحتملة كانت مرتبطة جزئيا بمواقف الحزب من الحرب على غزة، في مؤشر على تأثير الملف على السلوك الانتخابي الأميركي.

كما أشار إلى أن التحول الأكثر دلالة يتمثل في تراجع التأييد داخل الحزب الجمهوري نفسه، خصوصا بين الشباب، وهو اتجاه لم يكن واضحا في السنوات الماضية.

وأكد أن هذا التراجع لم يتوقف رغم التغيرات السياسية في واشنطن، حيث ما زالت تداعيات الحرب على غزة تؤثر في اتجاهات الرأي العام الأميركي.

ورأى الباحث أن إسرائيل تمر حاليا بمرحلة حساسة في علاقتها مع الولايات المتحدة، إذ تعتمد بشكل متزايد على قيادة سياسية ينظر إليها داخليا بوصفها متقلبة، وعلى حزب ما زال يوفر لها دعما قويا لكنه يشهد في الوقت نفسه صعود أصوات ناقدة لسياسة الدعم غير المشروط.

وختم مجدي بالقول: إن تراجع الإجماع الحزبي حول إسرائيل قد ينعكس مستقبلا على هامشها الإستراتيجي والسياسي، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط الإقليمية، مؤكدا أن التحول في الرأي العام الأميركي لم يعد شأنا داخليا فقط، بل أصبح عاملا مؤثرا في معادلات الأمن القومي الإسرائيلي.