من الطموح الدولي إلى العزلة الإقليمية.. كيف ضيّقت العقوبات الخناق على حميدتي؟

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 24 فبراير/شباط 2026، وجّه مجلس الأمن الدولي ضربة سياسية وقانونية جديدة إلى مليشيا الدعم السريع، بإدراج عدد من كبار قادتها، على رأسهم محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، على قائمة العقوبات بموجب القرار 1591، وفرض حظر سفر وتجميد أصول بحقهم.

لم يكن القرار إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، بل تثبيتًا دوليًا لمسؤولية قيادة هذه القوات عن فظائع موثقة في دارفور، وإشارة واضحة إلى أن ما جرى في الفاشر يحمل سمات إبادة جماعية ممنهجة، وفق توصيفات أممية متطابقة.

وشملت العقوبات الدائرة القيادية الأقرب إلى حميدتي، بينهم شقيقه ونائبه عبد الرحيم دقلو، وجدو حمدان أحمد، والعميد الفاتح عبد الله إدريس، إضافة إلى القائد الميداني تجاني إبراهيم موسى محمد.

وهذه الأسماء تمثل مفاصل القرار الميداني والسياسي داخل بنية الدعم السريع، ما يعني أن الاستهداف نال القيادة الفعلية لا مجرد شخصيات رمزية.

وعندما تُدرج القيادة العليا لكيان مسلح على قوائم العقوبات الدولية، فإن الرسالة تتجاوز الإدانة السياسية إلى إعادة تعريف الوضع القانوني لهذا الكيان، بوصفه طرفًا مسؤولًا عن جرائم جسيمة تستوجب العزل والمساءلة، لا مجرد فاعل في نزاع داخلي.

تقارير أممية، دعمتها مواقف غربية لاحقة، تحدثت بوضوح عن عمليات قتل جماعي واستهداف منهجي لمجتمعات محلية في دارفور، في ظروف وُصفت بأنها محسوبة لإحداث تدمير مادي واسع. كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن دبلوماسيين أن العنف الذي قادته قوات حميدتي في الفاشر يرقى إلى جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان.

عنتيبي.. محاولة كسر الطوق

في هذا السياق، جاء ظهور حميدتي في مدينة عنتيبي الأوغندية ولقاؤه الرئيس يوري موسيفيني، ليحمل دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي. فالمشهد لم يكن تحركًا سياسيًا اعتياديًا، بل محاولة واضحة لكسر العزلة الدولية المتنامية المفروضة عليه وعلى قواته.

ووصفت وزارة الخارجية السودانية الاستقبال، في بيان صدر في 22 فبراير/شباط 2026، بأنه مساندة مباشرة لجرائم إبادة جماعية، مقدرة أن الخطوة تتنافى مع القوانين والأعراف المنظمة للعلاقات بين الدول.

ولم يكن الموقف السوداني مجرد رد فعل انفعالي، بل استند إلى قاعدة قانونية مفادها أن استضافة قيادات متهمة بجرائم حرب تترتب عليها تبعات سياسية وأخلاقية. فعندما يتعلق الأمر بشخصية ارتبط اسمها بتقارير عن إبادة وتهجير وقتل جماعي، فإن الاستضافة تُقرأ كاصطفاف سياسي، حتى وإن جرى تغليفها بخطاب الوساطة أو البحث عن السلام.

ويُعد اجتماع عنتيبي أول ظهور علني لحميدتي منذ سبتمبر/أيلول 2025، وجاء في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية للدفع نحو هدنة إنسانية شاملة في السودان، بعد حرب مستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية عالميًا.

وبين عقوبات تضيق الخناق وتحركات خارجية لكسر الطوق، تبدو معركة الدعم السريع اليوم سياسية بقدر ما هي عسكرية، في لحظة تتشكل فيها معادلة جديدة عنوانها: العزلة الدولية مقابل محاولات إعادة التموضع الإقليمي.

ساحات محدودة وتحقيقات مقلقة

في العاصمة الأوغندية كمبالا، حاول محمد حمدان دقلو إعادة تقديم نفسه بوصفه منفتحًا على السلام ومؤيدًا لـ"حل إفريقي" للأزمة السودانية، غير أن السياق الدولي المتشكل حوله يجعل هذا الخطاب محدود التأثير.

فالولايات المتحدة كانت قد أعلنت سابقًا توصيف ما ارتكبته قوات الدعم السريع في دارفور بوصفه إبادة جماعية، وفرضت عقوبات مباشرة على حميدتي. وهذا التوصيف الأميركي لا يُعد تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل يحمل ثقلًا قانونيًا يضع أي انخراط علني معه تحت مجهر المساءلة الدولية.

كما فرضت بريطانيا، في ديسمبر/كانون الأول 2025، عقوبات على قادة في الدعم السريع، بينهم شخصيات أدرجها لاحقًا مجلس الأمن الدولي ضمن نظام العقوبات الأممي، على خلفية ما وُصف بفظائع ارتُكبت في الفاشر.

وحين تتقاطع العقوبات الأممية مع الأميركية والبريطانية، فإن هامش الحركة الدولية يضيق عمليًا، حتى وإن لم تُترجم القيود دائمًا إلى منع مادي فوري للسفر في جميع الحالات. فالمشكلة لا تتعلق فقط بالتنقل، بل بشرعية الاستقبال وطبيعة الرسائل السياسية المترتبة عليه.

النتيجة أن حميدتي لم يعد قادرًا على التحرك في فضاء دولي واسع كما كان في مراحل سابقة، وباتت تحركاته محصورة في نطاق إقليمي محدود، برزت فيه أوغندا وكينيا كأهم المحطات. وهذه ليست مصادفة جغرافية، بل انعكاس مباشر لتأثير العقوبات وتراكم الاتهامات الدولية، التي أعادت رسم حدود حركته السياسية والدبلوماسية.

في حالة أوغندا التي باتت من الساحات القليلة التي يتحرك فيها محمد حمدان دقلو، تبرز تساؤلات قديمة متجددة حول طبيعة العلاقة بين كمبالا ومليشيا الدعم السريع.

مجلة أفريكا إنتيليجنس كانت قد تحدثت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 عن رحلات شحن شبه يومية بين أوغندا والسودان وجنوب السودان، ما عزز شكوكًا بشأن وجود دعم لوجستي محتمل لقوات الدعم السريع.

كما أشار تقرير صادر عن فريق خبراء تابع لـ**الأمم المتحدة** في يناير/كانون الثاني 2024 إلى فرضية وصفها بـ"الموثوقة" بشأن توريد أسلحة إلى الدعم السريع عبر مطارات في أوغندا ورواندا وكينيا، في سياق شبكة إمداد عابرة للحدود.

وكانت وول ستريت جورنال قد كشفت في أغسطس/آب 2023 عن شحنة أسلحة قيل إنها مرت عبر مطار عنتيبي تحت غطاء مساعدات إنسانية، قبل العثور على ذخيرة وبنادق هجومية داخل صناديق الشحن، وفق ما نقلته الصحيفة آنذاك.

ورغم أن هذه التقارير لا تعني بالضرورة إدانة رسمية مباشرة، فإن تداولها في منصات إعلامية دولية مرموقة جعل اسم أوغندا يرتبط، في الوعي السياسي الدولي، بمسارات إمداد مثيرة للجدل تتقاطع مع ملف الدعم السريع.

أما كينيا، فتظهر في الرواية الراهنة كمحطة أخرى لتحركات حميدتي السياسية. فقد كشف الدبلوماسي السوداني السفير العبيد أحمد مروح أن قائد الدعم السريع يقيم أحيانًا في كينيا ويدير منها اتصالاته، وهو ما ينسجم مع كون نيروبي منصة لأنشطة سياسية سابقة مرتبطة بالقوة ذاتها.

هذا الواقع يعكس تحولًا جوهريًا في هامش الحركة؛ فالرجل الذي كان يسعى إلى حضور دولي واسع بات يتحرك ضمن بيئة إقليمية محدودة، في ظل طوق عقوبات وضغوط سياسية أعاد رسم حدود تحركاته ودوائر تواصله.

البحث عن شرعية

إن التنقل بين كينيا وأوغندا لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يعكس ضيقًا في الخيارات. فـ**محمد حمدان دقلو**، الذي سعى سابقًا إلى انتزاع شرعية دولية واسعة، يجد نفسه اليوم محصورًا في نطاق إفريقي محدود، في ظل تحفظ أو رفض معظم العواصم الكبرى استقباله، باستثناء علاقته الوثيقة مع الإمارات العربية المتحدة التي تواجه بدورها اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع.

الضغط لا يقتصر على الصورة السياسية، فالعقوبات المفروضة على حميدتي وقواته تعني عمليًا تجميد أصول، وتقييد تعاملات مصرفية، وتعقيد أي نشاط مالي يرتبط بالأسماء المدرجة. كما تضع أي حكومة تستضيف شخصية خاضعة لعقوبات أمام مخاطر سياسية واقتصادية، قد تمتد إلى علاقاتها الدولية ومصالحها المالية.

في هذا السياق، يصبح وجوده على أراضي أي دولة عبئًا سياسيًا واضحًا. فالانتهاكات المرتبطة بالفاشر ودارفور لم تبق في إطار الاتهامات الإعلامية، بل وردت في تقارير خبراء تابعين لالأمم المتحدة، وأُعيد تأكيدها في مواقف غربية رسمية. وهو ما يجعل محاولات إعادة تقديم نفسه كفاعل سياسي شرعي من عواصم محدودة تصطدم بسقف قانوني وسياسي مرتفع.

فالعقوبات الأخيرة لم تكن إجراءً منفصلًا، بل جاءت ضمن مسار تراكمي من قرارات غربية وأممية. وكل خطوة جديدة تُرسّخ صورته، في الخطاب الدولي، كقائد ميليشيا متهم بارتكاب فظائع، لا كشريك سياسي متكافئ.

دون مستوى الجريمة

من جانبه، قال السياسي السوداني الدكتور إبراهيم عبد العاطي: إن ما يحدث اليوم لا يقتصر على تضييق دبلوماسي على قائد متمرد، بل يمثل نتيجة طبيعية لمسار دموي قادته مليشيا الدعم السريع منذ اندلاع الحرب. ورأى أن العقوبات الغربية، رغم أهميتها، لا تزال دون مستوى الجريمة المرتكبة.

وأضاف في تصريح لـ"الاستقلال" أن إدراج قيادات الدعم السريع على قوائم حظر السفر وتجميد الأصول خطوة متأخرة وغير كافية، مشددًا على أن ما جرى في دارفور ومناطق أخرى يتجاوز إطار الانتهاكات الفردية إلى نمط من العنف المنظم يرقى، بحسب توصيفه، إلى مستوى الإرهاب المسلح ضد المدنيين.

وأوضح أن المجتمع الدولي يتعامل مع الملف بأدوات العقوبات التقليدية، في حين أن الواقع يعكس سلوك مليشيا عابرة للحدود، تمارس القتل والتهجير، وتستخدم المرتزقة والطائرات المسيّرة، وتبني شبكات تمويل وتسليح خارج مؤسسات الدولة. ورأى أن هذا النمط، وفق مفاهيم القانون الدولي ومكافحة الإرهاب، لا يمكن فصله عن تعريف الكيانات الإرهابية.

وأكد أن المطلوب لم يعد مجرد إدراج أسماء أفراد، بل تصنيف قوات الدعم السريع ككيان إرهابي صراحة، وإدراج قيادتها السياسية والعسكرية ضمن لوائح الإرهاب، بما يترتب على ذلك من ملاحقات مالية وتجفيف شامل لمصادر التمويل، ومحاسبة كل جهة تتعامل معها.

وأضاف أن أي دولة تمول هذه المليشيا أو تسهّل تحركاتها أو توفر لها مظلة سياسية ينبغي أن تُدرج ضمن خانة الدول الداعمة للإرهاب، وتخضع لإجراءات صارمة بموجب قوانين مكافحة تمويل الإرهاب. فمَن يرسل السلاح أو يوفر الغطاء أو يغض الطرف عن معسكرات تدريب، لا يمكن عده وسيطًا أو طرفًا محايدًا.

وأشار إلى ما أُثير حول مسارات إمداد وتدريب عبر دول مجاورة، داعيًا إلى تدقيق وتحقيق دولي شفاف بشأن أي عاصمة تستقبل قيادات الدعم السريع أو تسمح بأنشطة مرتبطة بها، بما في ذلك ما طُرح حول أنشطة في إثيوبيا. وحذر من أن استمرار هذه الأنشطة دون مساءلة يفتح الباب أمام إفلات خطير من العقاب، ويحوّل الإقليم إلى ساحة مفتوحة لتدويل الصراع السوداني.

وانتقد عبد العاطي ما وصفه بالتراخي السياسي في بعض العواصم الإفريقية التي تستقبل حميدتي تحت غطاء الوساطة أو الحوار، مقدرا أن استضافة قائد مليشيا متهم بارتكاب جرائم جسيمة تمنحه دعمًا معنويًا، وتقوّض مبدأ سيادة السودان ووحدة مؤسساته.

وشدد على أن السودان لا يحتاج إلى إعادة تأهيل مليشيات، بل إلى تفكيكها ومحاسبة قياداتها أمام العدالة الوطنية أو الدولية، مؤكدًا أن أي مسار سياسي لا يبدأ بنزع سلاح هذه القوة ووقف مصادر تمويلها سيظل مسارًا هشًا يكرّس الفوضى.

وختم بالقول إن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما أن يتعامل مع الدعم السريع وقيادته بوصفهما تهديدًا أمنيًا عابرًا للحدود، بما يقتضيه ذلك من تصنيفات وإجراءات صارمة، أو أن يواصل سياسة العقوبات الجزئية التي تترك المجال مفتوحًا أمام إعادة إنتاج الأزمة في السودان والمنطقة.