ترامب أفشلها.. كيف كشفت عُمان استخدام واشنطن المفاوضات كغطاء للحرب؟

إسماعيل يوسف | منذ ١٧ ساعة

12

طباعة

مشاركة

قبل شن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، كان لافتًا ظهور وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في برنامج Face the Nation على شبكة CBS News، حيث تحدث عن نتائج المفاوضات مع إيران، كاشفًا عن مؤشرات على اختراق محتمل وربما توجه طهران إلى وقف أو تقليص تخصيب اليورانيوم بالكامل.

لكن الضربة العسكرية اللاحقة على إيران أعادت الجدل حول طبيعة المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، إذ رأى مراقبون أن المسار التفاوضي كان بمثابة غطاء تمهيدي للعمل العسكري.

وربطت تقارير إسرائيلية وأميركية بين الهجوم وتنسيق مسبق جرى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تحديد توقيت الضربة، وهو ما عززه بعض الدبلوماسيين والشهادات السياسية الواردة من وسطاء الملف الإيراني، ومن بينهم وزير خارجية سلطنة عمان.

ويرى محللون أن البرنامج النووي الإيراني لم يكن الهدف النهائي للولايات المتحدة وإسرائيل، بل إن الإستراتيجية الأوسع ـ بحسب تقديراتهم ـ تميل إلى محاولة إضعاف أو تغيير بنية النظام السياسي في إيران، وهو ما يُتوقع أن تستمر واشنطن في السعي لتحقيقه.

عمان تفضحهم

في 22 فبراير/ شباط 2026، أعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية المقرر عقدها في جنيف في 26 فبراير شهدت دفعة إيجابية، مؤكدًا بذل جهود للوصول إلى صيغة نهائية لاتفاق محتمل.

وعقب انتهاء مفاوضات جنيف، وتصاعد التصريحات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن ضرورة توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، ظهر البوسعيدي في برنامج Face the Nation على شبكة CBS News في توقيت وصفه مراقبون بأنه رسالة سياسية واضحة.

وخلال حديثه أكد الوزير العُماني أن الحرب على إيران لا مبرر لها، وأنها ستكون “حرب اختيار لا اضطرار”، مقدرا أن الدبلوماسية حققت اختراقًا مهمًا في مسار الملف النووي.

وأشار إلى أن المفاوضات حققت تقدمًا غير مسبوق يتمثل في التوصل إلى تفاهمات تقضي بعدم قيام إيران بإنتاج مواد يمكن استخدامها في تصنيع سلاح نووي، وهي خطوة ـ بحسب قوله ـ تضيف عناصر جديدة لم تكن موجودة في اتفاق 2015.

وأوضح أن الاتفاق المقترح يتضمن تصفير المخزون الإيراني من المواد المخصبة القابلة للاستخدام العسكري، بحيث يتم نقل أو تحويل أي مواد مخصبة إلى وقود نووي غير قابل للعودة إلى حالته الأصلية، مع إخضاع البرنامج النووي الإيراني لرقابة شاملة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وأكد أن جوهر التفاهمات يقوم على منع إيران بشكل دائم من امتلاك مواد نووية صالحة لصناعة السلاح، بما يشمل مبدأ “صفر مخزون” من اليورانيوم المخصب داخل الأراضي الإيرانية، وهو تطور عده خطوة متقدمة مقارنة بالاتفاق النووي السابق.

وعقب شن الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران، عبّر البوسعيدي عبر منصة التواصل الاجتماعي عن أسفه لانهيار مسار المفاوضات، متهماً واشنطن بتقويض الجهود الدبلوماسية ومحذراً من انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة، ومشدداً على أن التصعيد لا يخدم الاستقرار الدولي.

وفي السياق ذاته، نقل مساعد دبلوماسي في الخارجية العُمانية بيتر جيرنوس تفاصيل إضافية عن المفاوضات، مؤكداً أن إيران قدمت تنازلات كبيرة شملت تصفير المخزون من اليورانيوم المخصب وتحويله إلى وقود غير قابل للاستخدام العسكري، مع قبول رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية International Atomic Energy Agency، بل وإمكانية منح مفتشين أميركيين صلاحيات وصول أوسع.

ورغم ذلك، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدم رضاه عن نتائج المفاوضات، قبل أن تتصاعد العمليات العسكرية ضد إيران.

وفي إطار ردود الفعل الدولية، حذر رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم من أن الضربات العسكرية تهدد بتخريب مسار التفاوض وفتح المنطقة أمام صراع واسع قد يصعب احتواؤه، مطالبًا بوقف فوري للأعمال العسكرية في الشرق الأوسط.

خدعة وتمويه

وأفادت مصادر إسرائيلية، بينها هيئة البث العامة الإسرائيلية Kan 11، بأن المفاوضات التي رعتها سلطنة عُمان لم تكن سوى مسار تمويهي، ووصفتها بأنها “عملية خداع سياسي” هدفت إلى كسب الوقت للتحضير للعملية العسكرية ضد إيران.

وأكدت المصادر أن التنسيق بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب شمل تحديد موعد مسبق للضربة قبل أسابيع من تنفيذها، بما يوحي بأن نتائج المفاوضات لم تكن محل اهتمام حقيقي، وأنها استُخدمت كغطاء دبلوماسي تمهيدي للحرب.

وأشار تقرير نشره موقع "ذا كرادل" إلى أن فكرة توجيه ضربات عسكرية لإيران كانت مطروحة منذ فترة، حيث جرى توظيف مسار التفاوض النووي لإضفاء انطباع دولي بأن واشنطن تبذل جهودًا لتجنب الحرب، بينما كانت الاستعدادات العسكرية تتقدم سرًا.

وأضاف التقرير أن إستراتيجية المفاوضات قبل الحرب ليست جديدة، إذ سبق أن أوصت دراسات صادرة عن معهد بروكينغز عام 2009 باستخدام المسار الدبلوماسي لإعطاء صورة سياسية تخفف من الانتقادات الدولية لأي عمل عسكري لاحق.

وفي يوم الضربات، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أميركيين قولهم: إن إيران لم تكن تسعى بجدية إلى اتفاق نهائي، بزعم أنها كانت تحافظ على قدرة تخصيب يمكن أن تستخدم مستقبلاً لأغراض عسكرية، وهو طرح يتعارض مع التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي.

كما كشفت إحاطات استخباراتية قدمها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية  جون راتكليف، والجنرال دان كين، ورئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة تشارلز كيو براون الابن، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزير الدفاع  بيت هيغسيث، عن تقييمات تحذر من خسائر أميركية محتملة مقابل احتمال تحقيق تحول إستراتيجي في الشرق الأوسط.

وأشارت التقارير إلى أن الرئيس الأميركي أقر بصعوبة السيناريو العسكري، قائلاً: إن العملية قد تكلف أرواح جنود أميركيين، لكنها قد تفتح فرصة جيوسياسية كبرى لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وهو ما وصفته بعض القيادات العسكرية بأنه “خيار عالي المخاطر وعالي العائد”.

وفي المقابل، نقلت صحيفة معاريف عن المحلل الإسرائيلي إيلي ليئون أن الخطاب الأميركي برر الحرب على إيران بتقديرات تتجاوز الملف النووي، متمثلة في تطوير صواريخ بعيدة المدى قد تشكل تهديدًا مستقبليًا للولايات المتحدة وحلفائها في الناتو.

في سياق سياسي داخلي أميركي، قالت نائبة الرئيس السابق كامالا هاريس: إن الدفع نحو حرب تغيير النظام في إيران لا يحظى بتأييد شعبي داخل الولايات المتحدة، محذرة من تعريض القوات الأميركية لخطر صراع طويل في الشرق الأوسط.

من جانبه، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الحرب بأنها عمل غير مشروع سياسياً وقانونياً. مشيراً إلى أنها حوّلت شعار “أميركا أولاً” الذي رفعه ترامب إلى سياسة تُعطي أولوية للمصالح الإسرائيلية على حساب المصالح الأميركية.

وفي الكونغرس الأميركي، أصدر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بياناً دعا فيه إلى فرض قيود قانونية على صلاحيات الحرب للرئيس الأميركي، مؤكداً أن الشعب الأميركي لا يرغب في الانخراط في حرب جديدة مكلفة وطويلة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التحديات الداخلية التي تواجه الولايات المتحدة.

تراجع ترامب

بعد ساعات من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وما تلاه من تأكيد مقتل عدد من القيادات الإيرانية البارزة، في مقدمتها المرشد الأعلى علي خامنئي، وردّ طهران بهجمات وصفتها الصحف الأميركية بالمفاجئة والمكلفة، بدأت مؤشرات سياسية تتحدث عن احتمال إعادة فتح مسار التفاوض أو البحث عن مخرج لإنهاء الحرب.

ونقل الصحفي الإسرائيلي الأميركي باراك ريفيد، مراسل موقع أكسيوس والقناة 12 العبرية، عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قوله: إن لديه عدة خيارات لإنهاء الحرب، موضحًا أنه يستطيع الاستمرار في التصعيد لفترة طويلة أو إنهاء العمليات خلال أيام قليلة، مع توجيه رسالة إلى إيران مفادها إمكانية العودة إلى المواجهة لاحقًا إذا استأنفت تطوير برامجها النووية أو الصاروخية.

وبرر ترامب هذا الطرح بأن الضرر الذي لحق بالبنية العسكرية الإيرانية قد يحتاج إلى سنوات لإعادة ترميمه، ما يمنح الولايات المتحدة هامشًا للتحرك السياسي أو الدبلوماسي لاحقًا، سواء استمرت الحرب أو جرى وقفها.

وتشير تحليلات سياسية إلى أن حديث ترامب عن وقف الحرب يحمل عدة دلالات محتملة؛ أولها أنه قد يكون تمهيدًا أمام الرأي العام الأميركي للتراجع عن التصعيد العسكري، وربما توجيه رسائل غير مباشرة إلى إسرائيل والمجتمع الدولي عبر التسريبات الإعلامية.

وثانيها أنه يعكس إمكانية العودة إلى الحل الدبلوماسي رغم أن الإدارة الأميركية كانت قد انسحبت سابقًا من المفاوضات النووية التي رعتها سلطنة عُمان سلطنة عُمان في جنيف.

وثالثها أن توقف الحرب قد يشير إلى صعوبة تحقيق الهدف الإستراتيجي المعلن المتمثل في إسقاط النظام السياسي الإيراني، حتى بعد مقتل خامنئي، ما قد يدفع إلى إعادة تفعيل المسار التفاوضي تحت ضغط التطورات الميدانية.

ورابعها تصاعد الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، حيث يواجه ترامب انتقادات متزايدة من نواب في الكونغرس وقوى سياسية أميركية تعارض المغامرات العسكرية طويلة المدى، إضافة إلى تباين المواقف داخل القاعدة الشعبية المؤيدة له والمعروفة باسم حركة ماغا.

وخامسها أن الإعلان عن مقتل خامنئي قد يُستخدم سياسيًا بوصفه إنجازًا إستراتيجيًا يسمح بطرح مخرج سريع لإنهاء الحرب، وهو ما أشار إليه مراسل شبكة ABC News الأميركية ضمن تقديراته للسيناريوهات المحتملة.

وسادسها أن إعلان إيران إغلاق مضيق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية قد يوسع دائرة الضغط ليشمل الاقتصاد العالمي، ما قد يدفع القوى الدولية إلى ممارسة ضغوط متزايدة لوقف التصعيد العسكري.

ويرى الباحث في المجلس الأطلسي أتلانتيك كونسل، نيت سوانسون، أن الهجوم المشترك على إيران يمثل مقامرة إستراتيجية كبيرة من إدارة ترامب، إذ كان يراهن على إحداث صدمة مؤسسية وأمنية داخل الدولة الإيرانية قد تقود إلى انهيار النظام السياسي.

ووفق التحليلات ذاتها، فإن القرار الأميركي بالتصعيد العسكري جاء خارج النمط التقليدي لإدارة ترامب، التي كانت تميل إلى توفير مسارات خروج سريعة من الأزمات العسكرية، وهو ما يجعل الحرب الحالية محفوفة بمخاطر عالية على القوات الأميركية.

وتظهر استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة استمرار رفض قطاعات واسعة من الأميركيين للتدخل العسكري المباشر في إيران، خاصة في حال ارتفاع الخسائر البشرية أو حدوث اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ما قد يفاقم الضغوط السياسية الداخلية على الإدارة الأميركية.