الجنيه يعود للانخفاض أمام الدولار.. ماذا يحدث في سوق الصرف المصرية؟

المخاطر الجيوسياسية تسببت في الأزمة الحالية للجنيه المصري
في لحظة بدت فيها سوق الصرف المصرية أكثر حساسية للتقلبات، عاد الدولار ليقترب من مستوى 48 جنيهاً في مصر، مثيراً موجة جديدة من التساؤلات حول مستقبل الجنيه ومسار الاستقرار النقدي خلال الفترة المقبلة.
فالحركة التي شهدها السوق لم تكن صادمة في رقمها فقط، بل في توقيتها، بعد أشهر من الهدوء النسبي الذي حاولت فيه السياسات الاقتصادية تثبيت سعر العملة.
ويطرح هذا التطور علامات استفهام حول طبيعة الضغوط التي تواجه الجنيه، وهل ما يحدث مجرد ارتداد مؤقت مرتبط بعوامل موسمية أو توترات خارجية، أم أنه بداية مرحلة جديدة من اختبار قوة السوق في عام تعتمد فيه الحكومة على تدفقات مالية من شركاء دوليين، وعلى رأسهم صندوق النقد الدولي، إضافة إلى تحويلات المصريين في الخارج والاحتياطي النقدي كدعائم رئيسة للاستقرار.

ثلاثة مسارات
التراجع الأخير في سوق الصرف داخل مصر يمكن تفسيره عبر تفاعل ثلاثة مسارات رئيسة ظهرت متزامنة في التوقيت نفسه، حسب ما ذكر موقع "مدى مصر".
المسار الأول مرتبط بالإيقاع التمويلـي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، حيث تتأثر السوق بحجم وتوقيت الإفراج عن الشرائح المالية والشروط المصاحبة لها.
أما المسار الثاني فيتعلق بحركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل أو ما يعرف بالأموال الساخنة، والتي شهدت خلال الفترة الأخيرة تحولًا مفاجئًا نحو التخارج من الأسواق الناشئة، ما زاد الضغط على العملة المحلية.
في حين يرتبط المسار الثالث بالبيئة الخارجية عمومًا؛ حيث أدت التوترات الجيوسياسية في المنطقة إلى ارتفاع تقييم المخاطر الاستثمارية، بما انعكس على تكلفة الاحتفاظ بالعملة المصرية داخل المحافظ المالية الدولية.
وفي 26 فبراير/شباط 2026، أعلن المجلس التنفيذي للصندوق اكتمال المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر تحت التسهيل الممدد، إضافة إلى المراجعة الأولى لتسهيل المرونة والاستدامة، بما يتيح سحب نحو 2 مليار دولار تحت برنامج التسهيل الممدد و273 مليون دولار تحت تسهيل المرونة والاستدامة.
لكن الصندوق، رغم إشادته بتحسن المؤشرات الكلية، أشار إلى أن وتيرة الإصلاحات الهيكلية ما زالت أقل من المتوقع، خاصة فيما يتعلق بتقليص دور الدولة في الاقتصاد وتسريع برنامج بيع الأصول، في ظل استمرار عبء الدين وارتفاع الاحتياجات التمويلية كعامل ضغط رئيس على المالية العامة.
ومع ذلك، لم يؤدِ الإفراج عن نحو 2.3 مليار دولار إلى تهدئة السوق بالدرجة التي كان يُتوقع أن تحدث في أوقات سابقة، إذ أشارت تقارير محلية إلى أن الصندوق ربط أي تمويلات إضافية باستكمال المراجعة السابعة للبرنامج.
كما تضمنت الرسائل الاقتصادية القادمة من المؤسسات الدولية تشديدًا على ضرورة تسريع برنامج الطروحات الحكومية، وتعزيز مرونة سعر الصرف، واستمرار ضبط الدين العام وترشيد الإنفاق، ما فُهم في السوق على أنه تحول نحو تمويل مشروط وليس تدفقات مفتوحة، وهو ما أسهم في زيادة علاوة المخاطر المرتبطة بالجنيه المصري.
قلق مستمر
إلى جانب ملف التمويل مع صندوق النقد الدولي، يظل ملف الأموال الساخنة أحد أكثر العوامل حساسية في المشهد الاقتصادي داخل مصر.
وأشارت وكالة رويترز في تغطيتها لقرار الصندوق إلى أن تحسن المؤشرات الكلية لا يبدد القلق المرتبط ببطء وتيرة الإصلاحات الهيكلية، في ظل اعتماد الاقتصاد المصري بدرجة كبيرة على تدفقات المحافظ الاستثمارية قصيرة الأجل.
فعندما يكون جزء مقدر من النقد الأجنبي الداخل إلى السوق ناتجا عن استثمارات أجنبية في أدوات الدين المقومة بالجنيه المصري، فإن أي ارتفاع في مستوى المخاطر العالمية يؤدي إلى تحول سريع في سلوك المستثمرين، حيث يتجهون إلى زيادة الطلب على الدولار داخل السوق المحلية.
ويصدر البنك المركزي المصري بيانات دورية عن عمليات السوق الثانوية لأذون الخزانة بالجنيه، ما يعكس حجم النشاط في هذه السوق ومدى حساسيتها للتغيرات في العائد ومؤشرات المخاطر المالية.
وتشير تقارير محلية إلى أنه خلال الأيام التي سبقت ارتفاع سعر الدولار، شهدت السوق الثانوية موجة بيع في بعض المراكز الاستثمارية بالعملة المحلية، وهو ما يعني عمليًا تسييل الأصول بالجنيه تمهيدًا للتحول نحو الدولار والخروج من السوق، في نمط يتكرر عادة عند حدوث تخارجات من الأموال الساخنة.
تضاف إلى هذه الضغوط عوامل خارجية مرتبطة بالبيئة الجيوسياسية، إذ أشارت تقارير نشرتها وكالة Bloomberg في 26 فبراير 2026 إلى أن حصول مصر على شريحة التمويل جاء في لحظة اضطراب نسبي في أسواق المال العالمية، وسط مخاوف من تصعيد محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وهو نوع من التوترات عادة ما يدفع رؤوس الأموال قصيرة الأجل نحو الخروج من الأسواق الناشئة.
ورغم أن هذه الضغوط ليست خاصة بالاقتصاد المصري وحده، فإن أثرها يصبح أكبر في حالة الدول التي تعاني فجوة تمويل خارجي مرتفعة وتحتاج باستمرار إلى إعادة تمويل جانب من الدينين الداخلي والخارجي، ما يجعل التوترات الإقليمية تتحول سريعًا إلى ضغط مباشر على العملة عبر حركة المحافظ الاستثمارية.
ولا يمكن أيضًا اختزال تراجع الجنيه في عامل خروج الاستثمارات الأجنبية فقط، إذ يظل الطلب الموسمي الداخلي عنصرًا مؤثرًا، حيث يؤدي اقتراب شهر رمضان إلى زيادة الاستيراد والطلب على الدولار لتغطية واردات الغذاء والسلع الاستهلاكية وسداد التزامات تجار ومستوردين كانوا يؤجلون مدفوعاتهم.
ويفسر هذا النمط لماذا قد تشهد أسعار الصرف ارتفاعات مؤقتة حتى في غياب تغيرات جوهرية في المؤشرات الاقتصادية الأساسية، ما يبرز الفارق بين الهدوء النقدي والاستقرار الحقيقي؛ فالأول يعني غياب الصدمات، بينما الثاني يعني قدرة السوق على امتصاص الصدمات دون اختلال التوازن العام.

رهانات الحكومة
وتراهن الحكومة المصرية في مواجهة هذه الصدمات على ما تعده شبكة أمان من احتياطي وتحويلات.
البنك المركزي المصري أعلن في بيان رسمي بتاريخ 5 فبراير 2026 أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ 52.593.8 مليار دولار في نهاية يناير/كانون الثاني 2026.
وهذه ليس مجرد رقم، فالاحتياطي هو خط الدفاع الأول عند ارتفاع الطلب على الدولار، سواء عبر تلبية احتياجات سلع إستراتيجية أو تهدئة تقلبات مبالغ فيها في السوق.
لكن الاحتياطي نفسه ليس بديلا عن تدفقات مستدامة، لذلك يكتسب عامل التحويلات أهمية خاصة، وقد كان الشهر ذاته مليئا بأخبار داعمة في هذا الملف.
البنك المركزي المصري أعلن في 23 فبراير أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت خلال 2025 مستوى غير مسبوق بلغ 41.5 مليار دولار بزيادة 40.5 بالمئة مقارنة بعام 2024.
هذا التحسن في التحويلات يفسر جزئيا لماذا بدا الجنيه أكثر تماسكا خلال 2025 مقارنة بذروة اضطرابات 2022-2024، لكنه لا ينفي أن الاقتصاد المصري يظل حساسا لثلاثة مصادر دولارية رئيسة، التحويلات، والسياحة، وقناة السويس. وتحديدا قناة السويس التي أصبحت مصدر قلق عالمي منذ هجمات الحوثيين على مسارات الشحن في البحر الأحمر وما ترتب عليها من تحويل مسارات حول رأس الرجاء الصالح.
معادلة الصندوق
أشارت وكالة أسوشيتد برس في تقريرها الصادر في 26 فبراير/شباط 2026 إلى أن الاضطرابات المرتبطة بالأوضاع الإقليمية، بما في ذلك هجمات جماعة الحوثيون في البحر الأحمر، انعكست سلبًا على إيرادات ممر قناة السويس، وهو أحد المصادر الرئيسة للنقد الأجنبي في مصر.
وأوضحت التغطية أن هذه الهجمات دفعت جزءًا من حركة الشحن الدولية إلى تغيير مسارها بعيدًا عن القناة، ما أدى إلى انخفاض تدفقات الإيرادات المرتبطة بالنشاط الملاحي، وأسهم بصورة غير مباشرة في الضغط على سعر العملة المحلية، إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل، بل امتد إلى أحد شرايين الدولار الأساسية للاقتصاد المصري.
وفي قلب المشهد الاقتصادي تقف معادلة برنامج الإصلاح المرتبط بصندوق النقد الدولي، الذي لم يقتصر بيانه الأخير على تحديد قيمة السحب المالي، بل أكد أيضًا الإطار السياساتي للمرحلة المقبلة، بما في ذلك استمرار مرونة سعر الصرف وتشديد السياسات النقدية والمالية.
وبحسب تقارير نشرتها رويترز، أسهمت هذه السياسات في خفض التضخم من ذروته التي بلغها عند نحو 38 بالمئة في سبتمبر/أيلول 2023 إلى حوالي 11.9 بالمئة في يناير 2026، وهو تحسن نسبي في مؤشرات الأسعار.
كما أشارت التقارير إلى أن تراجع نقص العملة الأجنبية خلال الفترة الأخيرة تحقق بدعم من تدفقات مالية خارجية شملت التمويل الدولي، وعوائد السياحة، والتحويلات الخارجية، إضافة إلى صفقات استثمارية من دول خليجية.
غير أن التحدي الأساسي يكمن في أن هذا الاستقرار لا يرتكز على زيادة الإنتاج أو توسع الصادرات بقدر ما يعتمد على تدفقات مالية خارجية، ما يجعل الاقتصاد عرضة لأي تباطؤ أو تأخير أو تشديد في شروط التمويل الدولي.
وتظهر آثار تراجع الجنيه بسرعة في ثلاث دوائر رئيسة؛ أولها الأسعار، إذ يؤدي انخفاض العملة إلى زيادة تكلفة الواردات، ما قد يهدد مسار تراجع التضخم ويضع السياسة النقدية أمام معادلة صعبة بين السماح بتعديل سعر الصرف وتحمل الضغوط التضخمية أو اللجوء إلى أدوات تشديد مالية ونقدية قد تؤثر على النمو الاقتصادي.
أما الدائرة الثانية فتتعلق بالتمويل العام، حيث تشير تقديرات صندوق النقد إلى أن ارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل المرتفعة يظلان قيدًا على الحيز المالي المتاح للحكومة، بما يفرض ضغوطًا على مسار النمو متوسط الأجل داخل الاقتصاد المصري.
في حين ترتبط الدائرة الثالثة بثقة السوق، إذ تتميز سوق الصرف المصرية بحساسية عالية تجاه الإشارات السياسية والمالية، بحيث يمكن لأي حديث عن تأخير أو تشديد أو غموض في تدفقات التمويل الدولي أن يدفع المتعاملين إلى زيادة الطلب الوقائي على الدولار، ما يحافظ على هشاشة التوازن بين العرض والطلب على العملة الأجنبية.

سياسة متقلبة
وقال الخبير في أسواق المال والبورصة، الدكتور هشام محسن: إن ما يمر به الجنيه المصري حاليا لا يمكن وصفه بأزمة انهيار مكتملة، لكنه في الوقت نفسه لا يمثل حركة سعرية معزولة عن مسار السياسة الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح في حديثه لـ"الاستقلال" أن تراجع الجنيه بالتزامن مع ارتفاع حجم التداول في سوق الإنتربنك بأكثر من 100 بالمئة يعكس وجود ضغط فعلي على الطلب على الدولار داخل السوق، وليس مجرد تقلبات فنية عابرة.
وأشار إلى أن قراءة المؤشرات يجب ألا تقتصر على حجم التراجع السعري فقط، بل على دلالته الاقتصادية، موضحا أن زيادة التداول بهذا الشكل تعني تصاعد الطلب على العملة الأجنبية من جانب المستوردين والمستثمرين على حد سواء.
ويرى أن السياسة النقدية في مصر اتسمت خلال السنوات الماضية بدرجة من التقلب بين فترات تثبيت غير معلن لسعر الصرف، ثم تحرير مفاجئ للعملة، ثم تدخلات تهدف إلى تهدئة السوق، وهو نمط خلق حالة من الترقب المستمر لدى المتعاملين في سوق الصرف.
وأكد أن تحرير سعر الجنيه لم يكن في كل مراحله خيارا اقتصاديا مستقلا بالكامل، بل ارتبط أيضا بشروط مرتبطة ببرامج التمويل مع صندوق النقد الدولي، حيث تُعد مرونة سعر الصرف أحد الالتزامات الأساسية ضمن هذه البرامج، وأي تباطؤ في تطبيقها قد يؤثر في توقيت الإفراج عن التمويل ويزيد الضغط على السوق.
وأضاف أن الاستقرار النسبي للجنيه خلال فترات سابقة لم يكن نتيجة تحول هيكلي في الاقتصاد بقدر ما كان انعكاسا لتدفقات مالية خارجية شملت التمويل الدولي والأموال الساخنة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، ما جعل حالة الاستقرار مرتبطة باستمرار هذه التدفقات وليس بزيادة الإنتاج أو الصادرات.
وحذر محسن من الاعتماد الكبير على رؤوس الأموال قصيرة الأجل أو ما يعرف بالأموال الساخنة، إذ تتحرك هذه الاستثمارات وفق تقديرات العائد والمخاطر، وتخرج بسرعة من الأسواق الناشئة عند حدوث أي توترات سياسية أو عسكرية، بما في ذلك التطورات المرتبطة بالوضع في منطقة الخليج أو التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
كما نبه إلى مخاطر ما يسمى بسلوك القطيع في الأسواق المالية، حيث قد يؤدي خروج جزء من المستثمرين إلى دفع آخرين إلى اتخاذ القرار نفسه، ما يسرع وتيرة الضغوط على العملة المحلية.
واستشهد بتجربة عام 2022، عندما خرجت تدفقات أجنبية تُقدَّر بنحو 22 مليار دولار خلال فترة قصيرة من السوق المصرية، في مؤشر على أن تراجع الثقة يمكن أن يفضي إلى تحركات سعرية حادة وسريعة.
وأشار كذلك إلى أن ملف الدين العام يمثل أحد أكبر التحديات الاقتصادية، في ظل التزامات دولارية مرتفعة على البنك المركزي المصري خلال العام الجاري، ما يفرض الحاجة إلى إعادة هيكلة الدين عبر إطالة آجال السداد وخفض التكلفة التمويلية سواء على المستوى المحلي أو الخارجي.
وختم بأن الخروج من دائرة التقلبات النقدية يتطلب تحولاً هيكلياً في الاقتصاد المصري يقوم على تعزيز الإنتاجية وزيادة الصادرات وتحقيق نمو مستدام في مصادر النقد الأجنبي، بدلاً من الاعتماد فقط على إدارة يومية لحركة سعر الدولار أو التدخلات المؤقتة في سوق الصرف.
المصادر
- الجنيه تحت الضغط: لماذا عادت العملة المصرية للانخفاض مجدداً أمام الدولار بعد أشهر من الاستقرار؟
- Egyptian pound drops to LE47.9 against the dollar
- imf completes egypt reviews unlocking about 23 billion
- Net International Reserves reached US$ 52,593.8 mn at the end of January 2026
- صندوق النقد يتراجع عن صرف 400 مليون دولار لإجبار مصر على خفض الجنيه وبيع الأصول العامة


















