وليد الخالدي.. مؤرخ مقدسي أعاد بناء الذاكرة الفلسطينية يرحل عن 100 عام

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

عن عمر ناهز 100 عام، رحل عن عالمنا في 8 مارس/آذار 2026، المؤرخ المقدسي وليد الخالدي بعد مسيرة فكرية طويلة أعاد فيها بناء الذاكرة الفلسطينية على أسس علمية، وحرر أحداث نكبة عام 1948 من الارتهان للأساطير الصهيونية.

سارع معهد الدراسات الفلسطينية الذي شارك الخالدي في تأسيسه للإعلان عن رحيل الأخير في كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية، مقدرا أن وفاته خسارة وطنية وعلمية، بينما توالت برقيات النعي من النخب الفلسطينية والعربية تقديرًا لدوره في حماية الذاكرة. 

لم يكن الخالدي مؤرخًا فقط، بل كان أحد مهندسي سردية القضية الفلسطينية المعاصرة، فقد نقل الرواية من الخطب العاطفية إلى الكتب والأبحاث المدققة بعناية.

المؤرخ المرجع 

ولد وليد أحمد الخالدي بالقدس في 16 يوليو/تموز 1925 لعائلة مقدسية عريقة؛ إذ كان والده عميد الكلية العربية في المدينة المقدسة، وكانت والدته المربية اللبنانية أنبرة سلام، من رائدات الحركة النسوية العربية. 

التحق بمدرسة الأصدقاء في رام الله ثم بمدرسة القديس جورج في القدس، وانتقل إلى بريطانيا في أربعينيات القرن الماضي ليكمل مسيرته التعليمية.

حصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة لندن عام 1945، ثم حصل على شهادة ماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة أكسفورد عام 1951. 

في العام نفسه، بدأ يدرس الفلسفة الإسلامية في أكسفورد، لكنه استقال عام 1956 احتجاجًا على مشاركة بريطانيا في العدوان الثلاثي (إلى جانب فرنسا وإسرائيل) على مصر.

عاد في 1957 إلى العالم العربي لينضم إلى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث عمل في تدريس العلوم السياسية حتى عام 1982. 

خلال تلك الفترة شغل زمالات بحثية في جامعة برينستون الأميركية (1960–1961) وفي مركز الشؤون الدولية بجامعة هارفارد (1976–1978).

ثم انتقل إلى كامبريدج (ماساتشوستس) في بداية الثمانينيات ليصبح باحثًا كبيرًا في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد حتى تقاعده عام 1997.

خلال تلك الفترة أصبح عضوًا في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم عام 1994، وحصل على عدد من الأوسمة أبرزها وسام الاستقلال الأردني من الدرجة الأولى، وجائزة الإنجاز الثقافي المميز من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 2002.

إلى جانب عمله الأكاديمي، كان الخالدي ناشطًا سياسيًا ودبلوماسيًا هادئًا، فقد كان أحد الفاعلين في المكتب العربي الذي أنشأته جامعة الدول العربية في القدس عام 1945 لإيصال صوت الفلسطينيين للعالم. 

وانخرط في الحركة القومية العربية، وكان صديقًا مقربًا لقياداتها البارزين مثل جورج حبش وهاني الهندي. كما شغل منصب مستشار للوفد العراقي لدى الأمم المتحدة بعد حرب 1967.

وشارك الخالدي في وفد الجامعة العربية إلى بريطانيا في 1983، ثم في الوفد الأردني–الفلسطيني المشترك خلال مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وبرغم نشاطه السياسي، ظل يؤكد أن وظيفة المؤرخ هي الدفاع عن الحقيقة بالوثيقة لا الدعاية.

إحدى محطات الخالدي الأكثر تأثيرًا كانت تأسيس معهد الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 1963 مع قسطنطين زريق وبرهان الدجاني، وخاصة أنه أول مؤسسة بحثية مستقلة في الوطن العربي تكرس لإنتاج المعرفة حول قضية فلسطين.

وقد أشرف الخالدي على تطوير مكتبة المعهد وأرشيفه حتى صار يضم عشرات آلاف الكتب والوثائق. وانتقلت المؤسسة إلى واشنطن وأصبح لها مكاتب في القدس، وظل الراحل يترأس مجلس أمنائها لعقود.

توثيق التاريخ

رأى وليد الخالدي أن كتابة التاريخ الفلسطيني وتوثيقه يتطلب أداة مختلفة تتمثل بالأرشيف، وكان أبرز ما يميز منهجه، الاعتماد الكثيف على الوثائق الرسمية والعسكرية والشهادات المباشرة والخرائط والصور. 

في مقال “داليت: خطة الصهيونية لغزو فلسطين” (1961)، فكك الخالدي وثيقة إسرائيلية سرّية تتحدث عن مخطط عسكري للاستيلاء على القرى الفلسطينية وتهجير سكانها. 

هذا البحث المبكر الذي نشر في مجلة Middle East Forum، عد من أولى الدراسات التي استندت إلى وثائق صهيونية لإثبات الطابع المنظم للتطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

ومن أهم مشاريع الخالدي كتاب “قبل الشتات: تاريخ مصور للفلسطينيين 1876– 1948” الصادر عام 1984، والذي جمع فيه آلاف الصور من أرشيفات فلسطينية وغربية وعلّق عليها ليعيد رسم حياة المدن والقرى الفلسطينية قبل النكبة. 

وكان الهدف من ذلك دحض الادعاء الصهيوني بأن فلسطين كانت “أرضًا بلا شعب”، وإثبات وجود مجتمع نابض بالحياة آنذاك. وقد أصبح الكتاب مرجعًا أساسيًا للباحثين والطلاب وشهادة بصرية على مجتمع جرى تدميره.

وقد أطلق مشروعا ثانيًا بعنوان “كل ما تبقّى: القرى الفلسطينية التي احتلت ودُمِّرت عام 1948”، الصادر عام 1992، والذي يُعد أهم موسوعة عن القرى المدمَّرة، بحسب معهد الدراسات الفلسطينية.

ولإطلاق هذه الموسوعة، أدار الخالدي فريقًا من الباحثين الذين درسوا أكثر من 400 قرية فلسطينية ووثَّقوا أسماءها ومواقعها وعدد سكانها ومصيرها خلال حرب 1948. 

استخدم الفريق خرائط مفصلة وصورًا جوية وشهادات سكان سابقين لإعادة بناء ذاكرة المكان، وبذلك تحوّل الكتاب إلى قاعدة بيانات معرفية تُستخدم اليوم في المشاريع التوثيقية والحقوقية.

علاوة على ذلك، حرّر الخالدي مجموعة “من الملجأ إلى الفتح: قراءات في الصهيونية ومسألة فلسطين حتى عام 1948” (1971)، وهي مختارات من نصوص صهيونية وعربية وأجنبية مترجمة، أتاح من خلالها للقارئ الاطلاع على مصادر متنوعة حول جذور القضية. 

 كما نشر كتاب “الصراع والعنف في لبنان” عام 1983، تناول فيه الحرب الأهلية اللبنانية تحليلًا تاريخيًا وسياسيًا، وكتاب "فلسطين تولد من جديد" (1992) الذي جمع فيه مقالات عن مستقبل فلسطين وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

منهجيًا، كان الخالدي يرفض الاكتفاء بالاستنتاجات القائمة على الشهادات الشفوية وحدها ويؤكد ضرورة قراءة الوثائق الإسرائيلية والبريطانية والعربية معًا. 

وقد اعتمد على أرشيف عصابات الهاغاناه الصهيونية ووزارة الخارجية البريطانية ويوميات ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء إسرائيلي) وموشيه شاريت (أول وزير خارجية إسرائيلي)، وترجم بعضها إلى العربية والإنجليزية. 

كما جمع الراحل الخالدي سجلات القرى والصور الجوية والأرقام السكانية ليقارن بينها ويستنتج نمطًا واضحًا في عمليات التهجير. 

النكبة في كتاباته

كانت النكبة محورًا رئيسا في كل ما كتبه وليد الخالدي، فقد أدرك مبكرًا أن الدفاع عن القضية الفلسطينية يتطلب تعرية الأساطير الصهيونية، وعلى رأسها الأسطورة القائلة: إن “الفلسطينيين غادروا أراضيهم طوعًا”.

في مقال بعنوان “لماذا غادر الفلسطينيون؟” نشره لأول مرة عام 1959 ثم أعاد النظر فيه عام 2005، ناقش الخالدي الادعاءات الإسرائيلية القائلة بأن قادة عرب طلبوا من الفلسطينيين إخلاء قراهم.

وقد أظهر - استنادًا إلى إذاعات الحرب والوثائق العسكرية - أن الحركة الصهيونية اتبعت خطة متعمدة لتهجير السكان، وأن رواية “الأوامر العربية” اختراع سياسي لتبرئة إسرائيل من المسؤولية - كقوة احتلال - عن اللاجئين الفلسطينيين. 

يستشهد المقال بتحليل المؤرخ الإسرائيلي بني موريس الذي اعترف بنفسه بسقوط الرواية الإسرائيلية، على الرغم من أن الأخير ما زال يميل إلى تحميل العرب مسؤولية جزئية، وهو ما يمنح أبحاث الخالدي أهمية إضافية.

وفي كتاب “خطة داليت”، اكتشف الخالدي نصًا عبريًا يعود إلى قيادة الهاغاناه يوضح خطة للاستيلاء على المدن والقرى الفلسطينية عشية إعلان ما تسمى دولة إسرائيل، بما في ذلك تدمير القرى وترحيل سكانها. 

وأثبت هذا البحث أن التهجير لم يكن نتيجة عشوائية للحرب بل خطة ممنهجة؛ حيث أثرت دراسته هذه في ما بعد على ما يُعرف بـ"المؤرخين الجدد" في إسرائيل مثل إيلان بابيه وبني موريس، الذين اعترفوا لاحقًا بوقوع التطهير العرقي عام 1948.

من كتبه الأخرى التي تناولت النكبة “القدس: حقائق وأوهام” (1968) الذي فنّد فيه الأساطير التوراتية والسياسية حول قدس موحدة وعاصمة أبدية للصهيونية، معتمدًا على سجلات عثمانية وبريطانية. 

وفي كتابه “التفكير في اللامفكّر فيه” (1978) دعا الراحل إلى التفكير في إمكانية إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، وهو ما عد حينها أمرا “غير قابل للتخيل”.

كذلك لم يهمل الخالدي تحليل السياق الإقليمي للنكبة، فكتابه عن “الهجرة اليهودية غير القانونية إلى فلسطين خلال الانتداب البريطاني” (2006) وفّر وثائق جديدة حول دور المؤسسات الصهيونية في تجاوز القيود الدولية.

وكان أبرز ما يميز مواجهة الخالدي للرواية الصهيونية أنه جمع بين بحث تاريخي رصين ودور في بناء الذاكرة الوطنية. فلم يكتفِ بنشر الكتب، بل أشرف على مشاريع توثيقية مثل “أرشيف القرى الفلسطينية” ضمن معهد الدراسات الذي أسسه.

كما دعم إنشاء منصة "PalQuest" الرقمية التي حولت موسوعته “كل ما تبقّى” إلى قاعدة بيانات تفاعلية للباحثين. 

ووفقًا لتقدير الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، فإن إشرافه على مشروع التوثيق “أسهم في بناء أرشيف مرجعي يستخدم الخرائط والصور والوثائق لتقديم وصف تفصيلي للقرى المُدمّرة”.