بعد سوريا ولبنان.. هل تخسر إيران نفوذها في العراق؟

إيران تسعى بشدة للحفاظ على نفوذها في العراق
قلبت الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط عام 2024 موازين النظام الإقليمي رأسا على عقب، إلى درجة فقدان إيران إلى حد كبير السيطرة على اثنتين من 4 عواصم عربية كانت تتفاخر بنفوذها فيها.
فبعد أن بنت إيران شبكة من الوكلاء والحلفاء في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، في إستراتيجية أثبتت نجاحها لسنوات، تعرضت لضربة كبيرة في كل من سوريا ولبنان.
سقوط أحجار الدومينو
وتقول مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، في مقال للباحثين في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى "مايكل نايتس"، و"حمدي مالك": إن الجمهورية الإسلامية تخشى أن يسقط حجر دومينو آخر، والعراق هو المكان الأكثر ترجيحا لحدوث ذلك.
وقالت: إنه منذ ثورتها عام 1979، تمكنت إيران عبر نهج تدريجي مضطرد، من بناء ما يُعرف بـ "محور المقاومة" والذي عززت من خلاله نفوذها في العراق ولبنان وسوريا، عبر تبنّي خطاب مناهض لإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي سبتمبر/أيلول 2014، سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على أكبر مدن اليمن، وبعد ذلك بفترة وجيزة، تفاخر أحد أعضاء البرلمان الإيراني بأن حكومته باتت تتحكم في أربع عواصم عربية: بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء.
لكن ترى المجلة أن عام 2024 كان الأسوأ بالنسبة لإيران بعد أن دمّرت الحرب الإسرائيلية في لبنان قدرات "حزب الله"، الفصيل المسلح المدعوم من طهران، والذي كان يهيمن على بيروت.
وفي ديسمبر/كانون الأول، انتزعت فصائل الثورة السورية المدعومة تركيًّا السيطرة على دمشق من قبضة نظام بشار الأسد، الحليف الإيراني الذي حكم البلاد لنصف قرن. والآن، تخشى إيران حدوث تطور مشابه في العراق.
وقالت المجلة: إن "القوات الأمنية في اليمن وإيران تبدو قوية ووحشية بما يكفي للحفاظ على السيطرة على شعوبها، لكن أتباع طهران في العراق باتوا في حالة من التوتر".
فقد شنت المليشيات العراقية المدعومة من إيران هجمات منتظمة على القوات الأميركية والأهداف الإسرائيلية طوال عام 2024، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين في هجوم بطائرة مسيّرة على قاعدة عسكرية بالأردن في يناير/كانون الثاني.
واستدرك: "لكن يبدو أن هذه المليشيات غيّرت مسارها؛ إذ لم تنفذ أي هجوم منذ أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024—وهو مؤشر على تصاعد مخاوفها من لفت انتباه واشنطن".
كما يبدو أن السياسيين العراقيين أكثر حرصا من المعتاد على استرضاء الولايات المتحدة، فرئيس الوزراء محمد شياع السوداني يقود حكومة مدعومة من "الإطار التنسيقي"، وهو تحالف وثيق الصلة بإيران.
وقدّم فريق السوداني ثلاثة تنازلات للمسؤولين الأميركيين في أواخر يناير 2025، وهي إلغاء مذكرة اعتقال بحق الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ بسبب أمره باغتيال "إرهابيين" في بغداد خلال ولايته السابقة.

“هذا بالإضافة إلى الموافقة على إطلاق سراح الباحثة الإسرائيلية الروسية في جامعة برينستون، إليزابيث تسوركوف، التي تحتجزها مليشيا كتائب حزب الله العراقية المدعومة من إيران”، وهو ما لم ينفذ حتى الآن.
والتنازل الثالث يتمثل في تمرير تعديل مهم على الموازنة لطالما سعى إليه الأكراد، الفئة العراقية الأكثر ارتباطا بترامب، وفق المجلة. وبينت أن “هذه التنازلات تعكس شعور حلفاء إيران في العراق بضعف متزايد”.
وأكدت أن "على واشنطن أن تستغل هذه اللحظة لتقليص النفوذ الإيراني في العراق بشكل دائم، ليس من خلال عمل عسكري واسع النطاق، بل عبر دبلوماسية صارمة، والتهديد بفرض عقوبات، وعمليات استخباراتية".
"ومن شأن هذه الإجراءات أن تحرم إيران من مصدر تمويل أساسي، وتمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط في أي مفاوضات مع قادة النظام الإيراني، والأكثر أهمية من ذلك، أنها قد تسهم في تحسين الحوكمة للعراقيين، الذين عانوا طويلا تحت وطأة طهران".
البقرة الحلوب
وأشارت المجلة إلى أن “إيران تسعى بشدة للحفاظ على نفوذها في العراق، جزئيا لأن البلاد تعد مصدرا ماليا حيويا لها”.
"فكما نهبت شركة الهند الشرقية ثروات البلاد لتمويل الإمبراطورية البريطانية وتوسعاتها، يفعل الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب فيلق القدس التابع له، الأمر نفسه في العراق اليوم"، وفق المجلة.
وفي حين تأتي إيران في المرتبة التاسعة بين أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، يحتل العراق المركز الخامس ولا يخضع لأي عقوبات دولية على صادراته النفطية، خلافا لطهران ووكلائها.
ونتيجة لذلك، يتمكن الحرس الثوري الإيراني، والجماعات المسلحة العراقية، وحزب الله اللبناني، وحتى الحوثيون في اليمن، من الاستفادة ماليا عبر استغلال الاقتصاد العراقي.
"فعلى سبيل المثال، تتحايل إيران على العقوبات بتهريب نفطها إلى المياه العراقية؛ حيث تُزوّر مَنْشَأه وتبيعه في الأسواق العالمية على أنه نفط عراقي".
كما تسرق المليشيات المدعومة من إيران في العراق، مثل "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" -وكلاهما مصنف في أميركا منظمة إرهابية- النفط العراقي مباشرة من الآبار أو عبر شركات وهمية تحصل على الوقود المدعوم من الحكومة بطرق غير مشروعة.
وقالت المجلة: “في بعض الأحيان، تجرى هذه السرقات سرا، لكن في حالات أخرى، تحدث في وضح النهار”.
ففي عام 2014، وُضِعت قوات الحشد الشعبي، التي تضم مليشيات عراقية مدعومة من إيران، تحت السيطرة الاسمية للحكومة العراقية، ما أدى فعليا إلى إنشاء جيش موازٍ.

"وتتلقى قوات الحشد الشعبي اليوم أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنويا من ميزانية الحكومة العراقية، يُصرف جزء كبير منها كرواتب لمقاتليها البالغ عددهم 250 ألفا".
إلا أن العديد من هؤلاء المقاتلين يرفضون تنفيذ أوامر رئيس الوزراء، ويشنون هجمات صاروخية على القواعد الأميركية ويقاتلون في سوريا بناءً على مطالب إيرانية.
وأكدت المجلة أنه "على المستوى الاقتصادي، أصبحت حاجة إيران إلى العراق أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فالحكومة الإيرانية تواجه ضغوطا مالية هائلة؛ إذ تتهاوى العملة الوطنية وترتفع أسعار السلع الأساسية يوميا".
وبين يناير 2024 ونفس الشهر من عام 2025، فقد الريال الإيراني 62 بالمئة من قيمته، فيما بلغ متوسط معدل التضخم 32 بالمئة.
ولذلك، فإن استنزاف موارد العراق يعد من بين الخيارات القليلة المتاحة لطهران للحصول على ما يكفي من الأموال لتقديم الخدمات الأساسية للإيرانيين.
"كما أن الحفاظ على النفوذ في العراق يحمل أهمية رمزية بالنسبة للنظام الإيراني؛ فقد أدى فشل وكلائه وحلفائه في بلدين عربيين إلى إضعاف صورة إيران وتعزيز معنويات معارضيها.
ومن منظور طهران، فإن فقدان التأثير في بلد عربي آخر -خاصة إذا كان قريبا جغرافيا واجتماعيا منها- سيكون ضربة قاسية قد تمتد تداعياتها إلى الداخل الإيراني، حسب تقييم المجلة.
"فالإيرانيون يسافرون بانتظام إلى العراق لأغراض دينية وتجارية، وما يحدث هناك غالبا ما ينعكس على إيران؛ ولذلك، يخشى النظام في طهران أن يؤدي فقدانه السيطرة على جاره إلى تقويض قبضته على شعبه".
وضع خطوط حمراء
وعلى مدار العقد الماضي، اعتادت واشنطن دعم رؤساء الوزراء العراقيين، مثل عادل عبد المهدي ومحمد شياع السوداني، حتى وإن كانوا مقربين من إيران؛ فقد كان صناع القرار الأميركيون يخشون من احتمال انزلاق العراق إلى أتون حرب أهلية أو وقوعه تحت سيطرة تنظيم الدولة؛ لذلك، عُدّ الحفاظ على العلاقات مع الحكومة العراقية مسألة حيوية، مهما كان الثمن.
لكن أكدت المجلة أن "على واشنطن أن تتخلى عن هذا النهج، فمسلحو تنظيم الدولة لم يعودوا على أبواب بغداد، والنفوذ الإيراني تراجع في مختلف أنحاء المنطقة، والعراق أعاد الاندماج بالكامل في محيطه العربي".
"ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ينبغي على الولايات المتحدة أن توضح أنها لا تملك أي مصلحة في بقاء السوداني في منصبه"، وفق المجلة.

و"لهذا، يجب ألا توجه له دعوة لزيارة البيت الأبيض خلال العام 2025، في رسالة صريحة بأنه لا يحظى بدعم واشنطن".
"كما ينبغي للسفارة الأميركية في بغداد مراقبة جميع مراحل العملية الانتخابية، وإدانة ومعاقبة أي جهة تحاول تقويض المسار الديمقراطي".
وأكملت المجلة: "ينبغي أن تكون انتخابات 2025 وعملية تشكيل الحكومة اللاحقة حرة ونزيهة، بحيث تعكس إرادة العراقيين وحدهم".
علاوة على ذلك، "ينبغي للولايات المتحدة اتخاذ خطوات إضافية لضمان عدم خضوع القادة العراقيين للمطالب الإيرانية، ولتحقيق ذلك، يجب عليها وضع خطوط حمراء واضحة يفهمها صانعو القرار في بغداد".
واستطردت المجلة: "يتعين على واشنطن عقد لقاءات علنية حصريا مع المسؤولين العراقيين الذين يخدمون المصلحة الوطنية للعراق، وفي المقابل، عليها تشديد موقفها تجاه النخب العراقية التي تضر بمصالح بلادها عبر ارتهانها لإيران".
"ويمكن للولايات المتحدة فرض عقوبات على أصول هؤلاء وتجاهلهم دبلوماسيا، والتهديد باستخدام القوة ضد الجماعات المدعومة من إيران ومموليها داخل العراق".
وبحسب المجلة، فقد اتخذت إدارة ترامب بالفعل بعض الخطوات في هذا الاتجاه، ففي 4 فبراير/شباط 2025، أصدرت مذكرة تطالب وزارة الخزانة بـ "فرض عقوبات فورية أو اتخاذ تدابير إنفاذ مناسبة" ضد أي طرف ينتهك العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك وكلاؤها في العراق.
وفي 7 مارس/آذار 2025، رفضت الولايات المتحدة تجديد الإعفاء من العقوبات الذي كان يسمح للعراق بشراء الكهرباء من إيران.
وتدرك المجلة أن "هذه الخطوات قد لا تكون كافية لردع جميع القادة العراقيين عن التنسيق مع إيران، فهناك فئة صغيرة من النخب تضمر عداءً حقيقيا للولايات المتحدة"، وفق تعبيرها.
لكنها ترى أن الغالبية العظمى من العراقيين لا تدين بولاء مطلق لطهران أو واشنطن، بل تتفاعل مع المعطيات وفقا لما يخدم مصالحها، وأن إيران نجحت أكثر حتى الآن في توجيه هذه المعادلة لصالحها.
وأضافت أنه “على مدار العقد الماضي، تغاضت الإدارات الأميركية المتعاقبة عن الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة خلال مفاوضات الاتفاق النووي؛ إذ بدا تفكيك شبكة الوكلاء الإقليميين التابعة لطهران عملية شاقة ومعقدة".
“لكن بعد سقوط الأسد وإضعاف حزب الله، قد يصبح بالإمكان تحقيق الهدفين معا”، وفق تقييم المجلة الأميركية.
فمن خلال تقليص النفوذ الإيراني في العراق، تتاح لواشنطن فرصة لتقليل حضور طهران عالميا وتعزيز فرص التوصل إلى اتفاق يوقف برنامجها النووي. وقالت المجلة: إن "على إدارة ترامب أن تغتنم هذه الفرصة".