ورقة الابتزاز الأخيرة خارج سيطرة "قسد".. وناشطون: نهاية النفوذ المسلح في حلب

شدوى الصلاح | منذ ١٤ ساعة

12

طباعة

مشاركة

بعد انتهاء مهلة وضعتها الدولة السورية لمسلحي "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) لإخلاء حي الشيخ مقصود الذي يعد آخر معاقلها في مدينة حلب من المقاتلين ونقلهم إلى مواقعها شرق نهر الفرات، استهدف الجيش مواقعها بالحي وانتهى من عملية تمشيطه من عناصرها.

وأعلن الجيش السوري في 10 يناير/كانون الثاني 2026، انتهاء عملية تمشيط حي الشيخ مقصود في حلب شمالي سوريا بشكل كامل، وذلك إثر تعثّر اتفاق إخلائه من مسلحي "قسد" التي بقيت متمركزة فيه.

وطالب أهالي الحي البقاء في منازلهم بسبب اختباء عناصر "قسد" وحزب العمال الكردستاني (بي كا كا) في الأحياء، كما دعاهم إلى "التواصل مع القوات العسكرية الموجودة بشوارع الحي من أجل أي طارئ أو إبلاغ عن وجود عناصر قسد".

وقال مصدر في تصريحات إعلامية: إن قوات الجيش اعتقلت عددا من عناصر "قسد" خلال مواجهات بحي الشيخ مقصود، وصادرت أسلحة ثقيلة ومتوسطة وكميات كبيرة من الذخائر والأسلحة الخفيفة والعبوات المعدة للتفجير، كما فكَّكت عشرات الألغام في شوارع الحي.

من جهتها، قالت هيئة العمليات في الجيش السوري: إن "الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة في منطقة الشيخ مقصود، هو تسليم أنفسهم وسلاحهم فورا لأقرب نقطة عسكرية مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم".

وكانت الهيئة أعلنت بوقت متأخر من مساء 9 يناير 2026، بدء عملية تمشيط الحي من مسلحي "قسد"، بعد انقضاء جميع المُهل التي مُنحت له. مشيرة إلى أنه سيتم تسليم الحي لقوى الأمن ومؤسسات الدولة حالما تنتهي عمليات التمشيط لتبدأ عملها بشكل مباشر.

في المقابل، قال المركز الإعلامي لـ"قسد": إنها "دمرت دبابة وأسقطت مسيرة انتحارية لفصائل حكومة دمشق خلال محاولتهم اقتحام حي الشيخ مقصود بمدينة حلب".

بدورها، قالت مصادر خاصة لمنصة "سوريا الآن": إن "عددا من مقاتلي قسد غادروا حي الشيخ مقصود باتجاه بلدة دير حافر في ريف حلب الشرقي".

وتجددت المواجهات بين "قسد" والجيش السوري عقب محادثات عُقدت في 4 يناير 2026، لتنفيذ اتفاق مارس/آذار الذي يقضي بدمج "قسد" في مؤسسات الدولة، إلا أن هذه المحادثات لم تسفر عن نتائج عملية لتطبيق الاتفاق.

ويتنصل التنظيم من تطبيق بنود اتفاق مع الحكومة السورية بشأن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد في إدارة الدولة، وفتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وتأكيد وحدة أراضي البلاد، وانسحاب قواته من حلب إلى شرق الفرات.

وتفجرت الأحداث في حلب منذ 6 يناير عندما شن "قسد" من مناطق وجوده آنذاك في أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود هجمات على أحياء سكنية ومنشآت مدنية ومواقع للجيش في حلب، ما أسفر عن 9 قتلى و55 مصابا، ونزوح 165 ألف شخص من الحيين، وفق أحدث الأرقام الرسمية المعلنة.

ورد الجيش بإطلاق عملية عسكرية "محدودة"، تمكن خلالها من إخراج عناصر التنظيم من حيي الأشرفية وبني زيد، وبسط سيطرته عليهما، ليبقى "الشيخ مقصود" الحي الوحيد في حلب التي توجد به عناصر "قسد"، قبل إعلان الجيش عن الانتهاء من تمشيطه بالكامل.

بدوره، أكد محافظ حلب عزام الغريب، استمرار حظر التجوال في المناطق التي أعلنت عنها هيئة العمليات إلى حين صدور تعاميم لاحقة، مطالبا النازحين عدم التوجه إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية، إلا بعد التنسيق المسبق حرصا على سلامتهم.

وأعرب ناشطون على منصات التواصل عن سعادتهم بسيطرة الجيش السوري على حي الشيخ مقصود، مؤكدين أنها تعكس تعزيزا للسيطرة الحكومية في حلب وتعزز موقف الحكومة في مفاوضاتها مع المعارضة، وتؤكد هشاشة قوات قسد وعدم وجود أي قاعدة شعبية لها.

ورأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الشيخ_مقصود، #مليشيات_قسد، #حلب، أن ما أقدمت عليه الحكومة السورية حد من الفوضى التي تفتعلها "قسد" وحجم أي تصعيد عسكري قد تلجأ إليه، مؤكدين انتهاء زمن المليشيا وقدوم زمن الدولة.

وتداول ناشطون مقاطع فيديو توثق جانب من عمليات تمشيط الجيش السوري لحي الشيخ مقصود، بحثا عن عناصر مليشيا قسد المتخفّين بين الأبنية والأنفاق، كما تداولوا مقاطع أخرى توثق التعامل الإنساني للقوات الحكومية مع النازحين من الأحياء التي تسيطر عليها قسد.

وأشادوا بدور القوات الحكومية في تنفيذ مهامها في حماية المدنيين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ومنع أي خروقات أو مظاهر فوضى.

وحوش بشرية

وتفاعلا مع الأحداث، عرض أحد المدونين مقطع فيديو يظهر امرأة كردية مسنّة غادرت حي الشيخ مقصود في حلب وحيدة بعد أن تركتها مليشيا قسد لمصـيرها، ليبادر رجال الدفاع المدني إلى تأمينها فورا ومنع تعرّضها لأي أذى.

وأكد أن ما جرى يفضح حقيقة قسد التي تخلّت عن المدنيين في الأشرفية والشيخ مقصود، وكشفت كذب ادّعاءاتها بحماية الناس، لتسقط أخلاقيا أمام حاضنتها.

وقال المدون: إن اليوم في حلب، وغدا ستكرر الخديعة ذاتها في الجزيرة، فهذه المليشيا لا ترى في المدنيين سوى ورقة تُستخدم ثم تُرمى.

وعلق الصحفي قتيبة ياسين على مقطع فيديو لفريق "سوريا الآن" يساعد امرأة معها طفل من حي الشيخ مقصود وينقلونهما إلى منطقة آمنة، وذلك بعدما كانت خائفة ثم وثقة بهم، متسائلا: “ما الذي زرعه في رأسها مرتزقة بي كا كا قسد حتى تخيلت بأن الآخرين خارج حي الشيخ مقصود هم وحوش بشرية؟”

وعرضت الصحفية صبا ياسر مدور، مقطع فيديو لقيادي في الأمن الداخلي يخاطب امرأة من سكان الحي يقول: "لا تخافي، نحن الأمن الداخلي، نحن هنا لحمايتكم". قائلة: "شباب يُرفع بهم الرأس، جيل ثورة الحرية والكرامة". 

وأعربت عن أسفها على أن الشعب السوري لم يعتد بعد على أن يكون الأمن لحمايته؛ لأن مفهوم الأمن والمخابرات شوَّهته عصابة الأسد طويلا خلال حقبة النظام البائد. مضيفة: "فعلا .. لا تخافوا".

وخاطب وائل عبدالعزيز الأكراد، قائلا: "أرجو أن يكون ما حصل في حلب محطة فاصلة في تعاطيكم مع قسد". 

ورجا الأكراد أن يفهموا أن "أهلكم ومحيطكم وجيشكم أحرص عليكم من قسد وعصاباتها"، كما رجاهم أن يفهموا أن "قسد تستخدمكم كورقة سياسية لتحقيق مصالح تنظيمها وأطماع قيادتها". مؤكدا أنها لن تتوانى عن التضحية بكل أكراد سوريا لخدمة مصالحها.

قوة الدولة

وحفاوة بتحرير الشيخ مقصود من عصابات قصد وإشادة بدور الحكومة السورية، أعرب المدوّن الكردي أورهان إسماعيل، عن امتنانه للدولة وشعوره باحترام كبير لكل جهودها في سبيل حماية المدنيين كُردا و عربا.

وقال: إن التنبيه قبل القصف عبر تحديد المناطق المستهدفة، طرح فكرة إجلاء المسلحين عبر باصات، ومساعدة قوى الأمن للمدنيين.

وأضاف إسماعيل: "الحقيقة هي الدولة اليوم أثبتت أنها دولة تتعلم من أخطائها القديمة وتتطور للأمام، وهدفها هو وحدة سوريا والحفاظ على أرواح المدنيين، كما أثبتت أنها أرحم بالأكراد من كل الاحزاب الكردية وأرحم من كل  الأبواق الكردية التي تنبح من أوروبا ضد الدولة، وتتاجر بدم الأكراد.

وقالت الإعلامية رولا حيدر: إن الانضباط، والحرص، والحفاظ على سلامة المدنيين في حلب، تقول بوضوح إن أوامر وإجراءات صارمة اتخذت لعدم تكرار تجارب سابقة، ظهرت بوادرها في مظاهرات الساحل الأولى والثانية.

وأضافت أنه رغم دخول عناصر مسلحة لتصعيد المشهد إلا أن السلوك المنضبط العسكري والأمني للسلطات السورية أغلق الطريق أمام أي انزلاق غير محسوب كما حدث سابقا، وهو ما تكرر في حلب بالحفاظ على سلامة المدنيين.

وأثنت حيدر على الخفوت الواضح للنشاط الإعلامي التحريضي العشوائي المثير للحمية والعصبية والطائفية على مواقع التواصل، أمور تُحسب للقائمين على المجريات الأمنية والعسكرية أخيرا.

وأكد الحقوقي نبيل الحلبي، أن “العملية العسكرية التي نفذتها وحدات من الجيش السوري النظامي في الأحياء التي تسيطر عليها مليشيا بي كا كا الإرهابية داخل حلب، لم نشهد لها مثيلا من حيث الانضباط والإدارة والكفاءة العسكرية، والتوازن بين احترام القانون الإنساني الدولي والإنجاز العسكري الكامل والنظيف”. 

ولفت إلى أنّ ذلك الانضباط حدث بينما كانت عصابات بي كا كا تقصف الأعيان المدنية وتستهدف بالقنص رؤوس المواطنين المدنيين لإشاعة الفوضى والخراب داخل المدينة، بهدف الضغط على الدولة عبر دماء الأبرياء.

وقال الحلبي، إن هذا التنظيم الإرهابي تنقّل من حضن معسكرات سهل البقاع تحت رعاية استخبارات حافظ الأسد، ثم تولّاه الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، قبل أن يتحول إلى شركة مساهمة وظيفية في عهد سيئ الذكر باراك أوباما  -الرئيس الأميركي الأسبق- صنيع فزاعة تنظيم الدولة وحرس خيّم الهول للإنتاج والتصدير.

ووجَّهت لطيفة الدروبي تحية للجنود الأبطال وقادات الجيش ووزارة الدفاع والداخلية والدفاع المدني وكل من أسهم في هذا النصر وحمى المدنيين.

وأوضح الناشط عمر مدنية، أن الوضع في حي الشيخ مقصود بحلب: "‏جماعة قسد وفلول الاسد أصبحوا فلولا هاربة ومختبئة بين البيوت بعد أن كانوا قوة هددت بالقتال حتى الموت وعندما رأوا الموت هربوا".

وعد المؤرخ بشير نافع، واحدة من أهم إنجازات الجيش السوري الجديد كان قيامه بعملية السيطرة على حي الشيخ مقصود ليلا، وخلال ساعات قليلة: الشهباء، مدينة العصور، تعود إلى أهلها.

وقال الكاتب إسماعيل ياشا: إن الجيش السوري يقوم بعملية عسكرية في غاية الدقة لعدم إراقة دماء المدنيين العزل.. يجسد أخلاق الجيش المسلم في المعركة.

وتوقع أنه "لو كان جيش نظام الجحش -في إشارة إلى نظام بشار الأسد- لأمطر على الشيخ مقصود والأشرفية براميل متفجرة". متسائلا: “هل استهدف النظام البائد الإرهابيين القنديليين لو مرة واحدة ببرميل متفجر كما استهدف الشعب السوري؟”

وعلق رسام الكاريكاتير عمار آغا القلعة، على إعلان الانتهاء من تمشيط الشيخ مقصود رسميا، قائلا: "حلب حرة بأهلها من كل الطوائف والأعراق وليذهب الإرهاب إلى الجحيم".

وقال زين العابدين: "لأول مرة أحياء مدينة حلب محررة بالكامل منذ عام 2012. بفضل الله ثم بسواعد الجيش العربي السوري والقادم جزيرتنا العربية إن شاء الله كاملة من سيمالكا لعين العرب للباغوز".

لحظة تاريخية

وتحت عنوان "نهاية كابوس"، قال  مدير عام مركز لندن للإستراتيجيات الإعلامية أحمد رمضان: إن حلب تدخل لحظة تاريخية مع نهاية هيمنة مليشيا "قسد" على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وهروب أعداد من المسلحين، فيما تحصن آخرون في جيوب معزولة.

وأكد أن سوريا ستدخل مرحلة جديدة، وما جرى في حلب سيتم في محافظات ثلاث تحتلها "قسد" شرق الفرات، وستؤثر الهزيمة التي ستمنى بها المليشيا على معنويات عناصرها في مناطق أخرى، وبالتالي فإن قدرتهم على المقاومة ستتآكل.

وبشر رمضان باقتراب نهاية سلطة الإرهاب، وسوريا على أبواب عهد جديد بمشاركة جميع أبنائها رجالاً ونساء.

وأكد محمد خير كنغو، أن تحرير الشيخ مقصود يعني حرفيا تحرير القامشلي وكامل الجزيرة العربية السورية، وعدها ضربة في مقتل لهذا المشروع اللعين.

وأشار إلى أن الشيخ مقصود آخر موقع متقدم يمكن أن تبتز به قسد الدولة ويجبروها على خيارات مُرة في الجزيرة السورية، مؤكدا أنها "نهاية أسطورة".

وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون التركية والإقليمية محمود علوش: إن قسد بعد انتكاستها في حلب ليست كما قبلها، وسوريا وتركيا انتقلتا إلى مستوى جديد من التعامل مع هذا الملف بعد انتهاء مهلة تنفيذ اتفاقية الدمج.

وأشار إلى أن سوريا وتركيا تضعان قسد الآن أمام خيارين: الشروع الفوري في تنفيذ الاتفاقية وتفكيك بنيتها العسكرية وما يُسمى بإدارتها الذاتية، أو تصعيد الضرب تحت الحزام. 

ولفت الباحث في العلوم السياسية محمد خالد إلى تسارع وتيرة الانشقاقات الجماعية داخل صفوف مليشيا قسد بعد تسجيل حالات بالعشرات ممن ألقوا سلاحهم ونجوا بأنفسهم قبل فوات الأوان. مشيرا إلى تسليم 100 عنصر من المليشيا أنفسهم للأمن الداخلي في حلب.

ورأى أن المشهد يعكس تآكلا في المعنويات وانهيارا واضحا في الثقة والولاء. قائلا: "عادوا إلى رشدهم واختاروا السلامة بدل الاستمرار في مشروع خاسر".

وتساءل الصحفي غسان إبراهيم: “هل فهمت قسد مما حدث في حلب أن الجميع تخلى عنهم الشرق والغرب بما فيهم كردستان العراق؟” قائلا: "يا قسد أنتم مجرد ورقة انتهت صلاحيتها. لقاؤنا في الحسكة بعد تحريرها".