شريعة الغاب وثقافة الكاوبوي.. واشنطن تختطف رئيس فنزويلا وناشطون: بلطجة دولية

شدوى الصلاح | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

في انتهاك صارخ للقانون الدولي، والتدخّل غير المشروع في السيادة الوطنية، نفّذت الولايات المتحدة الأميركية ضربات جوية متتالية على العاصمة الفنزويلية كاراكاس، أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وترحيلهما خارج البلاد جوًّا.

وفي صباح الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 (بعد منتصف الليل بتوقيت فنزويلا)، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربات عسكرية إلى فنزويلا، مؤكّدًا اعتقال الرئيس مادورو وزوجته ونقلهما جوًا إلى خارج البلاد، قبل أن يُعلن لاحقًا عن وصولهما إلى مدينة نيويورك.

وكتب ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال”: "نفذت الولايات المتحدة الأميركية بنجاح ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو الذي تمّ القبض عليه مع زوجته ونقلهما جوا خارج البلاد".

وبرّرت واشنطن العملية باتهام مادورو بإدارة ما وصفته بـ"دولة مخدرات"، وبـ"تزوير الانتخابات"، في حين اتهم الرئيس الفنزويلي الذي خلف هوغو تشافيز في الحكم عام 2013، الولايات المتحدة بالسعي للسيطرة على احتياطيات بلاده النفطية، وهي الأكبر عالميًا.

ولم يكشف ترامب تفاصيل كيفية اعتقال مادورو، خصوصًا في ظل إفادات مصادر محلية أكدت أن القصر الرئاسي كان محاطًا بقوات من الجيش الفنزويلي.

وفي أول رد رسمي، قال وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو، في مقطع فيديو بث السبت: إن بلاده "ستقاوم وجود أي قوات أجنبية". مؤكدًا أن الهجوم الأميركي استهدف مناطق مدنية، وأن السلطات تعمل على حصر أعداد القتلى والجرحى.

وفي بيان رسمي، اتهمت الحكومة الفنزويلية الولايات المتحدة باستهداف منشآت مدنية وعسكرية في مناطق متفرقة من البلاد، منددة بالهجوم الذي نال عددًا من المدن.

وأظهرت مشاهد متداولة تصاعد ألسنة اللهب من مناطق في كاراكاس، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بأن القصف استهدف منطقة ميرافلوريس وسط العاصمة؛ حيث دوّت صفارات الإنذار، وترافقت الضربات مع تحليق طائرات حربية على ارتفاعات منخفضة، مع ترجيحات بوجود عملية برية محدودة.

ولاحقًا، ذكرت مواقع فنزويلية أن الغارات نالت مطار هيغيروتي في ولاية ميراندا الساحلية شرق العاصمة، بالتزامن مع استهداف قاعدة “لا كارلوتا” الجوية الملاصقة لمركز كاراكاس، إضافة إلى قاعدة “فورتي تيونا” العسكرية التي تُعد المعقل الدفاعي الأكثر أهمية في قلب العاصمة.

وامتدت العمليات إلى القاعدة البحرية الإستراتيجية في لا غوايرا المطلة على البحر الكاريبي شمالا، وصولا إلى تدمير برج الاتصالات الحيوي في قطاع “إل فولكان” جنوب شرقي العاصمة، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في شبكات الاتصال.

نقل مادورو وتهم قضائية

وبعد ساعات من الهجوم، أُعلن عن وصول الرئيس الفنزويلي وزوجته إلى مطار ستيوارت شمال مدينة نيويورك، قبل نقله عدة مرات وصولا إلى مكاتب إدارة مكافحة المخدرات الأميركية.

وفي لائحة اتهام معدّلة رُفعت أمام المحكمة الجزئية الجنوبية في نيويورك، وُجهت إلى مادورو وأفراد من عائلته وحكومته، تتهمه الولايات المتحدة بـ"التآمر لارتكاب أعمال إرهابية مرتبطة بتجارة المخدرات واستيراد الكوكايين". إضافة إلى حيازة والتآمر لحيازة "رشاشات وأجهزة تدميرية". بحسب ما أعلنته المدعية العامة بام بوندي.

وقالت بوندي: "سيواجهون قريبًا أقصى عقوبة أمام القضاء الأميركي وعلى الأراضي الأميركية".

وبحسب المدعي العام في نيويورك جاي كلايتون، فإن "قادة فنزويلا استغلوا مناصبهم لأكثر من 25 عامًا، وأفسدوا مؤسسات كانت شرعية سابقًا، لتهريب أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة".

وزعمت لائحة الاتهام أن مادورو "يقود هذا الفساد"، وأنه تواطأ مع شركائه لاستخدام السلطة والمؤسسات التي أُفسدت لنقل آلاف الأطنان من المخدرات.

كما ادعت الحكومة الأميركية تورط زوجته سيليا فلوريس في القضايا ذاتها، مشيرة إلى دور مزعوم لها في التوسط لاجتماع بين تاجر مخدرات كبير ومدير المكتب الوطني لمكافحة المخدرات في فنزويلا نيستور ريفيرول توريس، الذي وُجهت إليه لائحة اتهام أميركية عام 2015.

وأشارت الوثائق إلى أن التهم الحالية مطابقة تقريبًا للاتهامات التي وُجهت لمادورو عام 2020 والتي نفى صحتها مرارًا.

وأثارت العملية العسكرية الأميركية موجة إدانات وتحذيرات دولية؛ حيث وصفتها روسيا بأنها "عدوان مسلح وانتهاك صارخ للسيادة الوطنية"، بينما عدت الصين العملية "انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي".

كما فجّر اعتقال الرئيس الفنزويلي موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ وصفها ناشطون بـ"البلطجة الدولية" و"العودة إلى شريعة الغاب". مثيرين تساؤلات حادة حول مصير السيادة الوطنية والقانون الدولي.

ومندّدين بالصمت الدولي إزاء العدوان الأميركي على كاراكاس تداول ناشطون وسومًا عدة، أبرزها:

#فنزويلا

#أميركا

#نيكولاس_مادورو

#ترامب

وشبّه كثيرون ما جرى باعتقال الرئيس العراقي صدام حسين عام 2003، ويرون أن العملية الأميركية في فنزويلا تعيد إلى الأذهان غزو العراق بذريعة الأمن ومزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل.

شريعة الغاب

وتحت عنوان "قانون الغاب"، ذكر الصحفي قطب العربي، بأن قبل شهر وتحديدا يوم ٣ ديسمبر الماضي غادر رئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز محبسه في أميركا بعد صدور قرار من ترامب بالعفو عنه.

وأشار إلى أن هيرنانديز حكمت عليه محكمة أميركية في عام ٢٠٢٤ بالسجن ٤٥ عاما بتهمة تصدير ٤٠٠ طن من المخدرات إلى أميركا، يعني تهمة ثابتة وحكم نهائي ومع ذلك أصدر ترامب عفوا عنه لأنه من تابعيه.

ولفت العربي إلى أن ترامب حرك قواته وأساطيله وطائراته للقبض على الرئيس الفنزويلي مادورو بتهمة سماحه بمرور مخدرات إلى أميركا وهي تهمة نفتها فنزويلا كثيرا، لكن ترامب مصمم على اتهامه كما فعل سلفه الجمهوري بوش مع مزاعم امتلاك العراق أسلحة نووية.

وأكّد أن المسألة ليست مخدرات كما لم تكن من قبل أسلحة نووية بل هي قانون الغاب، واستخدام فائض القوة ضد الضعفاء ليكونوا عبرة لغيرهم.

وعلق عبد اللطيف سودو على القبض على رئيس فنزويلا بأمر من ترامب، قائلا: "هذا قانون الغاب من طرف الكاوبوي".

وأكد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لو فعلها برئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي لصار عملا إرهابيا، ولو فعلتها الصين بتايوان لتدخلت أميركا، قائلا: "إن كنت تمتلك القوة فأنت من يكتب قانون الغاب".

وقال الصحفي عبد الله بعلبكي: "إنها شريعة الغاب التي نراها تتجسّد اليوم في أبشع صورها؛ حيث تُنتهك سيادة الدول وتُداس القوانين الدولية تحت أقدام القطب الأوحد الغاشم". 

وأكد أن إقدام الأرعن المجرم ترامب على خطف رئيس فنزويلا، يأتي ليكرّس زمن "البلطجة" العلنية؛ حيث تُطمس المبادئ الدينية والأخلاقية والإنسانية.

وتساءل بعلبكي: "كيف للعالم أن يصمت أمام هذا التغول البشع؟ وكأنهم يقولون لنا: إن الحق لم تعد له قيمة أمام فوهة البندقية، وإن القوانين الدولية التي يتغنون بها زورًا، ليست سوى حبر على ورق، أمام قراصنة يستعرضون عضلاتهم وكأنهم فراعنة العصر".

وطالب بالحرية لمادورو، ولشعوب النضال بوجه الكاوبوي المتغطرس العنجهي، مموّل إبادة أطفال غزة والعراق وسوريا ولبنان.

واستنكر هميسي راين اختطاف رئيس فنزويلا المعارض للولايات المتحدة والمتمسك بسيادته الوطنية، وعدها سابقة خطيرة في انفلات القانون الدولي وعدم احترام سيادة البلدان قائلا: "دخلنا عهد قانون الغاب بمصراعيه".

وأشار إلى أن ما حدث سابقة خطيرة جدا تؤكد أن النظام الدولي غير مفعل وأن العالم رغم الحداثة مازلنا نتحدث عن العصابات والدولة الإرهابية التي تفعل ما يحلو لها أمام صمت العالم والتحكم التام بالقرارات الدولية.

بلطجة أميركية

واستنكارا لاعتقال الرئيس الأميركي لرئيس فنزويلا وتصنيفها بلطجة دولية، علق الأكاديمي أحمد العلوي، على صورة اعتقال الرئيس الفنزولي، قائلا: "أعتقد أنها ستكون فاصلة في تاريخ هذا العصر، كل الرؤساء يتحسسون رؤوسهم".

وتوقع ألا يمر هذا الحدث كغيره من الأحداث، مؤكدا أن هذه البلطجة الأميركية ستنهي هيمنة القوة الأميركية الأحادية.

واستنكر العلوي أن بهذه البلطجة أنهت أميركا كل القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية لصالح البلطجة الدولية.

 

ورأى عبدالله بن محمد العبري، أن العالم الغربي يثبت يوما بعد آخر أن لا قانون، ولا قيم ولا أخلاق، تحكم العلاقة بين الدول؛ مؤكدا أنها مجرد بلطجة لا غير، والهدف سلب إرادة الشعوب ونهب ثرواتهم.

وعلق حامد العلي على حديث الرئيس الأميركي عن استعادة ما يقول إنها حقوق نفط أميركية داخل فنزويلا بعد اعتقاله مادورو، قائلا: "بلطجة بحتة.. لا قانون ولا حقوق، بل استعمار واحتلال".

عالم أخرس

وتنديدا بالصمت العالمي على البلطجة الأميركية، قال الصحفي محمد هنية: إن قمة البلطجة في العالم أن يُعتقل رئيس دولة من بلده لرفضه منح نفط وموارد بلاده لدولة الإرهاب، ويُعلن البلطجي ترامب توليه إدارة فنزويلا لحين سرقة مواردها حتى لا يتحكم بها "ديكتاتور"، ويُهدد رئيس كولومبيا.. لديك "مصانع كوكايين".. هذا كله أمام عالم أخرس خائف وضيع.. تبا لكل العالم.

وقال الصحفي محمد حمدي: "لم يكن لدى فنزويلا وزير دفاع خائن لينقلب على الرئيس ويطيح به لتحقيق الأجندة الأميركية الصهيونية ما جعل أميركا تتدخل بالقوات الأميركية وتقتحم سيادة دولة أمام أعين العالم وتختطف رئيسا وزوجته ليعلن ترامب أمام العالم الوجه الحقيقي الأميركي في ظل صمت عالمي مخجل".

وأشار الصحفي حسن عليق إلى أن إخوتنا في الوطن اللاتيني الكبير، من الحدود الشمالية للمكسيك إلى أقصى نقطة في جنوب العالم، في تشيلي، يتعرضون لعدوان الوحش المسمى الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 1823. اليوم دور فنزويلا. 

ورأى أن واجبنا أن نبصر الحق، وأن نكون معه، مؤكدا أن الحق اليوم في جبهة فنزويلا وقيادتها الشرعية وقواها المسلحة ومليشياتها الثورية، ولا نملك سوى أن نمنحهم صوتنا، وأن نقف بكل ما أوتينا من قدرة في مواجهة الوحش الذي يصرّ على ابتلاع العالم.

وتساءلت راوية حسين: "هو إيه أسلوب البلطجة العالمي ده؟!، مستنكرة بالقول: “فنزويلا بداية إحكام قبضة الهيمنة بلا منازع، وفرعون شايف نفسه إله والباقي عبيد، والعالم في حالة صمت أم حالة رعب؟!”

وكتب مجدي عوض: "صمت دولي جبان تجاه ما حدث في فنزويلا، أصبحنا نعيش في غابة بالفعل وليس مجازا".

وحذر الشاعر رائد قديح، من الصمت على العربدة الأميركية، قائلا: "ما لم يتبلور موقف عالمي صريح، شجاع، وغير قابل للتأويل تجاه ما جرى ويجري، فإن مصير كل دولة أو قيادة أو شعب يحاول الخروج من تحت القدم الأميركية سيكون واحدًا: الحصار أولًا، ثم التشويه، فالعقاب، وصولًا إلى الاعتقال والإهانة العلنية". 

وأكد أن ما حدث في فنزويلا ليس استثناءً ولا خطأً تكتيكيًا، بل نموذجًا يُراد تعميمه ورسالة موجهة إلى العالم بأسره: السيادة مشروطة، والكرامة قابلة للمصادرة، والاستقلال تهمة لا تُغتفر.

وأوضح قديح: "نحن لا نعيش أزمة دبلوماسية، بل مرحلة مكتملة من إعادة تعريف النظام الدولي على أساس القوة الصرفة.. القانون الدولي يُستدعى حين يخدم، ويُداس حين يُعيق، والمؤسسات الأممية تُستخدم كديكور أخلاقي لشرعنة الإكراه لا لمنعه".

وأضاف: "إنها ثقافة الكاوبوي في أكثر تجلياتها وقاحة: منطق المسدس، لا الحجة، منطق العصا، لا الشراكة.. وما هو أخطر من الفعل نفسه، هو الصمت الذي يحيط به.. صمتٌ لا يمكن تبريره بالحسابات السياسية أو توازنات المصالح؛ لأنه صمت يُنتج سابقة، ويُراكم اعتيادًا، ويحوّل الجريمة إلى عرف". 

وتابع قديح: "كل مرة يُكسر فيها بلد دون رد، يُختصر الطريق نحو كسر غيره. وكل مرة يُهان فيها شعب دون مساءلة الجاني، يُعاد تعريف الإهانة كأداة حكم".

وأكد أننا أمام نسخة معاصرة من المغول، لا يجتاحون المدن بالسيوف، بل بالعقوبات، ولا يحرقون المكتبات، بل يُجفّفون الاقتصاد، ولا يعلّقون الرؤوس على الأسوار، بل يُلوّحون بها في الإعلام والعزل والاعتقال". 

ولفت قديح إلى أن الفارق شكلي فقط، أما الجوهر فواحد: إخضاع العالم بقوة واحدة، وإلغاء أي هامش للتمرد أو الاختلاف.

وقال: "إما أن يستعيد العالم معنى السيادة كحق غير قابل للمساومة، أو يسلّم بأن المستقبل سيكون سلسلة من فنزويلا جديدة، تتناوب عليها الدول واحدة تلو الأخرى، حتى لا يبقى في هذا العالم إلا تابعون أو ضحايا".

سيناريو العراق

وتأكيدا على أن أميركا تكرر سيناريو العراق، قالت مايا رحال: "كسيناريو غزو العراق واعتقال صدام حسين في عهد بوش الابن ها هو ترامب يكرر نفس سيناريوا بوش الابن ويعتقل رئيس فنزويلا مادورو وينهب نفط فنزويلا ومقدراتها وخيراتها وثرواتها وينتهك سيادتها". ووصفت ما حدث بأنه أسلوب "بلطجة" أميركية ضد سيادات الدول تتعارض مع القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.

وأشار ماهر خليفة إلى أن فنزويلا عاشت صباحا يشبه صباح العراق في 2003؛ إذ وصف الفنزويليون الساعات الأولى بعد الإعلان الأميركي بأنها «صادمة ومربكة»، مع تشبيه لافت بصباح بغداد عام 2003.

وقال المغرد مرتضى: "بين بغداد 2003 وكراكاس 2025 يتبدّل المكان ولا يتبدّل العدوان الأميركي عقدان يفصلان المشهد القوة قبل الحقيقة، والمصالح قبل البشر.. من العراق إلى فنزويلا الاسم يتغيّر والذريعة تتبدّل لكن العدوان الأميركي ثابت.. التاريخ لا يُعاد.. نفس العقلية، نفس الأكاذيب، ونفس الخراب".

وأكد محمد الشاعر، أننا نعيش فعلا زمن البلطجة الأميركية؛ حيث يتكرر سيناريو العراق في فنزويلا من أجل الاستيلاء على النفط والغاز والمعادن التابعة للشعب الفنزويلي.