"بنتاغون" أوروبا يعيد رسم عقيدتها الدفاعية.. نهاية عصر المظلة الأميركية؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

يقف التحالف عبر الأطلسي اليوم على الحافة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّلت القوة الأميركية الضامن لوحدة أوروبا وتكاملها، وهو ما يُعد، إلى حد كبير، أبرز إنجازات واشنطن في سياستها الخارجية.

غير أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أوضحت أن الولايات المتحدة لم تعد معنية بالاضطلاع بدور الضامن لأمن أوروبا، فقد لوّحت بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وخفّضت تمويلها لأوكرانيا، وفرضت رسوما جمركية صارمة على حلفائها الأوروبيين.

بل دعت في إستراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025 إلى "تعزيز مقاومة المسار الحالي لأوروبا"، والرسالة لا لبس فيها -وفق الباحث ماكس بيرغمان- وهي أنه لم يعد بوسع القارة الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عنها، وللمرة الأولى منذ ثمانية عقود، تجد أوروبا نفسها وحيدة.

جيش موحد

وأكد الباحث، في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أن "أوروبا بحاجة إلى جيش". مشددا على أن "الدفاع الجماعي وحده هو الكفيل بحماية القارة".

وقال: "عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينيات؛ حيث تواجه روسيا المستأسدة بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة للانسحاب". 

وأضاف: "تجد الدول الأوروبية نفسها اليوم مكشوفة أمام خطر العدوان الروسي. فإذا ما حوّلت موسكو أنظارها إلى ما بعد أوكرانيا وأعادت بناء ترسانتها الحربية، فقد تتمكن سريعا من تهديد أوروبا الشرقية".

ويتعين على القارة اليوم، وفق الباحث، أن تنطلق من فرضية أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أميركي، وهذا تحدٍّ يمكن تجاوزه، لكنه يتطلب ما هو أبعد من مجرد زيادة موازنات الدفاع.

فأوروبا تضم نحو 30 جيشا منفصلا، تعمل بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرات، وتستخدم تجهيزات مختلفة، وإذا ما حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على هذه القوات الأوروبية المتفرقة أن تنتشر بسرعة وتقاتل بانسجام تام.

ونظريا، يتولى حلف الناتو تنسيق هذه الأجزاء المتحركة، لكن ناتو من دون الولايات المتحدة سيكون هيكلا أجوفا -وفق تعبيره- فعندما حشَد الحلف قوات أوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، غطت القوة العسكرية الأميركية على أوجه القصور في تلك المهمات الأوروبية.

وأوضح أن "الناتو منح الدول الأوروبية وهم السيطرة على دفاعها الوطني، فرسميا، كان لجميع دول الناتو رأي متساوٍ في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات في الحلف، واحتفظت كل منها بجيوشها المستقلة".

"لكن الولايات المتحدة كانت صاحبة القرار، فإذا اندلعت حرب، كان كل زعيم أوروبي يعلم أن الولايات المتحدة ستتولى زمام الأمور". وفق المقال.

وتعاني الجيوش الأوروبية نقصا في العتاد الأساسي، مثل طائرات التزود بالوقود جوا، وطائرات النقل الإستراتيجي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة.

وهذه الفجوة في القدرات متجذرة في بنيتها -بحسب بيرغمان- حيث صُممت الجيوش الأوروبية لتكون قوات مساندة ضمن مجهود حربي يقوده الناتو بزعامة الولايات المتحدة.

عجز وتقشف

وأضاف: "يثير الانسحاب الأميركي القلق الأكبر لدى الدول الأوروبية المحاذية لروسيا، وهو أمر مفهوم، فقد ناشدت دول الخطوط الأمامية، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، بقية الدول الأوروبية زيادة إنفاقها الدفاعي".

"لكن الزيادات الهامشية في الموازنات الوطنية لن تحوّل هذه الجيوش إلى قوة قتالية متماسكة، كما يُستبعد أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهدها للناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، نظرا لعدم شعبية مثل هذه السياسات داخليا".

"فكثير من مواطني الدول غير المواجهة لروسيا يرون جيوشهم الوطنية بعيدة الصلة بردع موسكو، ولا يعتقدون أنها قادرة على الاضطلاع بهذه المهمة". وفق المقال.

وأظهر استطلاع أوروبي شامل أجرته مجلة "لو غران كونتينان" مطلع عام 2025 أنه رغم خشية غالبية المشاركين من اندلاع حرب، فإن 19 بالمئة فقط أعربوا عن ثقتهم بقدرة جيوشهم الوطنية على حمايتهم، مقابل 60 بالمئة أبدوا ثقة بجيش أوروبي مشترك مفترَض.

وعلى هذا، أكد بيرغمان أن الأوروبيين لا يريدون إهدار أموال جيدة على جيوش ضعيفة. مشددا على أنه "لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي بفاعلية للعدوان الروسي بمفردها".

ففرنسا والمملكة المتحدة تعانيان عجزا كبيرا في الموازنات، ما يحد من قدرتهما على زيادة تمويل جيوش منهكة أصلا، كما أن سنوات التقشف أضعفت الجيش البريطاني؛ إذ ستجد لندن صعوبة في نشر حتى 25 ألف جندي في أوروبا الشرقية اليوم.

أما المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، فقد بدأ استثمارات ضخمة في الدفاع، وتمتلك برلين من حيث الحجم ما يؤهلها لتكون العمود الفقري العسكري لأوروبا.

واستدرك الباحث: "غير أن إرث ألمانيا بعد الحرب من النزعة السلمية والتحفظ تجاه القوة العسكرية يجعل الرهان على نهضة عسكرية ألمانية خيارا محفوفا بالمخاطر".

وكان من المفترض أن يدفع هذا الخطر القادة الأوروبيين إلى انتهاج مسار جريء جديد لتعزيز دفاعاتهم، غير أن ثورة كهذه لم تحدث في الشؤون العسكرية الأوروبية، بحسب بيرغمان.

فمع أن دول الناتو اتفقت على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، فإن الأمن لا يُشترى بالإنفاق وحده -بحسب بيرغمان- فالمشكلة بنيوية لا مالية؛ إذ إن الجيوش الأوروبية غير مهيأة للدفاع عن القارة من دون الولايات المتحدة.

ويمتلك الاتحاد الأوروبي، بسكانه البالغ عددهم 450 مليون نسمة واقتصاده الذي يقارب حجمه اقتصاد الصين، من حيث الحجم والموارد والقدرات ما يمكّنه من الدفاع عن نفسه، لكنه لا يحسن توظيف هذه المزايا. وفق المقال.

"بنتاغون" أوروبا

وأوضح بيرغمان أن القادة الأوروبيين يدركون تماما حجم اعتمادهم الأمني، لكنهم ينكرون ما يقتضيه ذلك من خطوات عملية، والعقبة الكبرى تتمثل في الاعتقاد بأن الدفاع مسؤولية وطنية لا أوروبية.

فالحكومات الأوروبية، حريصة على الاحتفاظ بالسيادة على جيوشها، ومترددة في توحيد جهودها الدفاعية على المستوى الأوروبي.

غير أن هذا التشبث بالسيادة الوطنية يتجاهل حقيقة أعمق، وهي أن الدول الأوروبية ليست، ولم تكن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ذات سيادة كاملة في مجال الدفاع، إذ اعتمدت على الولايات المتحدة -وهي قوة خارجية- لتأمين حمايتها.

واليوم، ومع تخلي تلك القوة عنها، أكد الباحث أن السبيل الأكثر فاعلية أمام الدول الأوروبية للدفاع عن نفسها دون دعم واشنطن هو دمج جهودها الدفاعية.

وقال: إن عليها أن تفعل ما تفعله في أي أزمة أخرى، أي تفعيل الاتحاد الأوروبي، فلقد حان الوقت لأن يتحول الاتحاد الأوروبي إلى "بنتاغون" أوروبا.

وأوضح بيرغمان أن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال دفاعي لا يعني نهاية حلف الناتو أو الجيوش الوطنية؛ حيث سينصبّ دور الاتحاد على تمويل القوات الأوروبية وتنظيمها.

وستتولى بروكسل دمج العديد من مهام هيئات المشتريات الوطنية، وإدارة صفقات التسليح الكبرى، فضلا عن تنسيق وتنظيم قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء السبع والعشرين.

أما الناتو، فمن المفترض أن يظل القيادة العملياتية القتالية لأوروبا، بحيث يتولى تنسيق المهام وتنفيذها، غير أن الحلف ينبغي أن يصبح أكثر أوروبية تدريجيا. بحسب توصية بيرغمان.

ومع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالناتو، يتعين على الأوروبيين أن يقترحوا تولي المناصب القيادية العليا، بما في ذلك منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء، الذي ظل تقليديا حكرا على واشنطن.

وأضاف: "ستبقى الجيوش الوطنية، لا سيما جيوش دول الخطوط الأمامية والقوى العسكرية التقليدية، حجر الزاوية في دفاع أوروبا، لكن هذه القوات ستخضع لمزيد من (الأَوربة) وتعزَّز بدعم من الاتحاد الأوروبي".

وتابع: "يمكن لبروكسل أيضا إنشاء قوة تدخل سريع تتألف من قوات دول غير مواجهة لروسيا، وقد تتولى إيطاليا وإسبانيا قيادة هذه القوة؛ إذ يمتلك كل منهما جيشا نظاميا يزيد قوامه على 100 ألف جندي".

"وإذا ما تمركزت هذه القوات شرق جبال البرينيه وشمال الألب، ودُمجت مع جيوش صغيرة أخرى من الدول غير المواجهة، فسيكون بوسع الاتحاد الأوروبي تشكيل قوة دائمة قادرة على الاستجابة السريعة لأي هجوم روسي، بما يسد الفراغ الذي كان يُتصور أن تملأه القوات البرية الأميركية في أوروبا".

وأوضح بيرغمان أن "دمج الجهود الدفاعية يقتضي أيضا تنسيقا أوثق في السياسة الخارجية الأوروبية، فأوروبا بحاجة إلى التحدث بصوت واحد، وهو ما تعرقله كثرة التكتلات الإقليمية المؤقتة".

واستطرد: “كما تحتاج أوروبا إلى دور أكثر فاعلية في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو مجال اضطلعت به الولايات المتحدة إلى حد كبير في السابق”.

وقال بيرغمان: "يجدر بالأوروبيين أن يتذكروا لماذا اختاروا أصلا الانخراط في مشروع الاتحاد الأوروبي، فرغم ترددهم في التنازل عن السيادة لسلطة اتحادية، أدركت الدول الأوروبية الصغيرة أنها لن تتمكن من البقاء بمفردها".

وختم بالقول: "اليوم، ومع انكفاء الولايات المتحدة، تجد الدول القومية في أوروبا نفسها أمام تحدٍ وجودي، ومن خلال تفعيل الغاية التي أُنشئ من أجلها المشروع الأوروبي، أي تعزيز قوة القارة، تستطيع الدول الأوروبية تأمين مستقبلها".


المصادر