لن يحسن دفاعاتها.. ماذا تستفيد تركيا من التحالف مع السعودية وباكستان؟

منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

التحالف مع السعودية وباكستان لن يُحسّن من دفاعات تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، لكنه سيوفر لها مزايا أخرى، وفق قراءة معهد "تشاتام هاوس".

وفي 9 يناير/كانون الثاني 2026، أفادت وكالة "بلومبيرغ" بأن تركيا "مرجّح" أن تنضم إلى اتفاق دفاعي قائم بين السعودية وباكستان، مشيرة إلى أن المحادثات في هذا الشأن بلغت مرحلة "متقدمة".

ولاحقا من الشهر نفسه، قال وزير الإنتاج الحربي الباكستاني لوكالة "رويترز"، رضا حيات هيراج: إن مسودة اتفاق دفاعي بين الدول الثلاث كانت قد أُعدّت بالفعل.

وتوصلت السعودية وباكستان إلى اتفاق دفاعي في سبتمبر/أيلول 2025، عقب ما عدته الرياض تقاعسا أميركيا في مناسبتين.

الأولى عام 2019، حين لم تسفر هجمات إيرانية بطائرات مسيّرة على السعودية سوى عن إدانات خجولة من واشنطن، والثانية في عام 2025، عندما قوبلت الهجمات الإسرائيلية على قطر بانتقادات فاترة.

وبحسب المعهد البريطاني، فإن احتمال انضمام تركيا إلى هذا الحلف لاقى ردود فعل متباينة بين المعلقين الأتراك؛ إذ رأى بعضهم أن التسريب مجهول المصدر أقرب إلى رسالة سياسية محسوبة منه إلى إعلان نية حقيقي. وفي المحصلة، يبقى أن نراقب ما إذا كان هذا التحالف سيرى النور فعلا.

ليس "ناتو إسلاميا"

وقال المعهد: إنه بالتأكيد، يمكن أن يوجد قدر من التكامل في تحالف يضم باكستان والسعودية وتركيا. 

فكل من تركيا وباكستان تمتلكان اقتصادات دفاعية حديثة ومتطورة متخصصة في قطاعات مختلفة، وقد تعززت الروابط بينهما خلال السنوات الأخيرة. كما يجمع البلدين تاريخ طويل في مجالي بناء السفن وتدريب طياري المقاتلات.

ويمكن لتركيا أن تتيح الوصول إلى معايير التدريب المعتمدة في حلف الناتو؛ إذ يُعد جيشها، قياسا بمعايير الشرق الأوسط، عالي الكفاءة والجاهزية، إلى جانب امتلاكها مرافق واسعة لبناء السفن.

وفي المقابل، سيكون التمويل السعودي محل ترحيب في دعم الاقتصاد التركي المتأثر بمعدلات التضخم، على غرار ما حدث في باكستان.

وأكد المعهد أن "فكرة أن هذا التحالف (ناتو إسلامي) مضللة؛ إذ إن معظم الدول الإسلامية خارج هذا التحالف، ولا يحظى الدين بأي أهمية فعلية في السياسة الخارجية الإقليمية".

لكن من المرجح، أن يلقى هذا التحالف ترحيبا من القاعدة الشعبية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كما أنه يخدم رغبته في الظهور كزعيم للعالم الإسلامي.

وفضلا عن ذلك، أُديرت التوترات التاريخية بين أنقرة والرياض بدرجة أعلى من الفاعلية منذ عام 2022، ولا توجد حاليا قضية دولية كبرى تشكل موضع خلاف بين الدول الثلاث.

فقد اكتفت تركيا بالاصطفاف إلى جانب باكستان في مواجهتها القصيرة مع الهند العام الماضي، وذهبت إلى حد منع عبور المعدات الهندية عبر أجوائها.

في المقابل، أظهرت السعودية رضى عن النظام الجديد في سوريا، وعن مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة المركزية، بما ينسجم مع الموقف التركي. 

كما شهدت مواقف الدول الثلاث تقاربا لافتا إزاء إسرائيل وحرب الإبادة الجماعية التي نفذتها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة طيلة سنتين.

تحوط إستراتيجي

على غرار السعودية، فإن انخراط تركيا المحتمل في تحالف مع باكستان يُعد شكلا من أشكال "التحوّط الإستراتيجي"، في إطار سعيها إلى خلق بدائل احتياطية حول البنى والتحالفات القائمة. 

غير أن المكاسب المتوقعة لأنقرة من مثل هذا الترتيب تبدو محدودة، وفق المعهد.

ففي حين دأبت الرياض منذ وقت طويل على السعي إلى إبرام اتفاق دفاعي رسمي مع واشنطن، تتمتع تركيا باتفاق أمني مؤسسي مع الولايات المتحدة منذ عقود، من خلال عضويتها في حلف الناتو.

كما أن التحالف مع السعودية وباكستان لا يقدّم لأنقرة ما هو أفضل من الوضع القائم، ولا يوفّر لها ما تعجز عن تحقيقه من خلال صيغ تعاون أقل إلزاما، بحسب "تشاتام هاوس".

وبداية، فإن أي عرض من باكستان لمد مظلة الردع النووي إلى تركيا يبدو غير واقعي. فالصواريخ الباكستانية لا تغطي بشكل شامل خصوم تركيا المحتملين؛ إذ يقتصر مداها على إيران ويمتد حتى مدينة روستوف على نهر الدون داخل روسيا، ولا يتجاوز ذلك.

وأردف: "من غير المرجح أن تُقدِم باكستان على نشر مثل هذه الأسلحة خارج أراضيها، والأقل ترجيحا أن تنجرّ إلى مواجهة مباشرة مع دولة عضو في حلف الناتو مثل اليونان".

"ويمكن لتركيا السعي إلى نقل تكنولوجيا من باكستان دون الدخول في تحالف مُلزِم، غير أن ذلك سيعني الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مع ما يحمله من مخاطر العزلة الدولية".

"والأكثر أهمية من ذلك أن تركيا تتمتع، في إطار حلف الناتو، بحماية المظلة النووية الأميركية والبريطانية، وهي أسلحة أعلى بكثير من حيث الجودة والموثوقية مقارنة بالترسانة الباكستانية. إذ تُخزَّن بالفعل ما يصل إلى 50 قنبلة نووية أميركية في قاعدة إنجرليك الجوية".

ولهذا، يرى المعهد أن أنقرة قد تنظر إلى هذا التحالف بوصفه وسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي، أو توسيع قاعدة صادراتها، أو جذب العملة الأجنبية، أو تطوير قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية. غير أنها قادرة على تحقيق هذه الأهداف دون الالتزام باتفاق دفاعي متبادل مُلزِم.

فقواتها المسلحة قوية نسبيا، كما أن مسار السلام الجاري مع حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، ودمج (قسد) في سوريا، يعززان من مستوى أمنها.

"ولا يقدّم تحالف سعودي–باكستاني لتركيا ما لا يستطيع حلف الناتو أو ترتيبات أخرى أن يوفّره على نحو أفضل. فلماذا الإقدام عليه إذن؟"، يتساءل المعهد.

ورقة ضغط

وذهب بعض المعلقين إلى أن هذه الخطوة تعكس تراجعا في الثقة بحلف الناتو، على خلفية تصاعد نزعة "أميركا أولا" وما صاحبها من سلوك تصادمي.

غير أن هذا التفسير يظل قاصرا، فحتى في حال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، يُرجَّح أن يبذل الأعضاء الأوروبيون جهودا كبيرة للإبقاء على تركيا داخله، بوصفها طرفا أساسيا في موازنة روسيا، التي لا تزال أنقرة في حالة تنافس مستمر معها.

"وإذا ما دخلت تركيا في تحالف رسمي مع باكستان والسعودية، فإن ذلك سيعكس اتجاها إقليميا أوسع نحو "التحوّط"؛ إذ إن تراجع موثوقية الناتو مستقبلا سيجعل تركيا أكثر أمنا بفضل اتفاق دفاعي جديد ومنفصل".

وتابع: "لكن قيام تحالف جديد سيمثل أيضا امتدادا لسياسة تركية خاصة تتسم باستثمار الفرص".

فكما تواصلت تركيا مع مجموعة "بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون (أو أعلنت بصوت مرتفع سعيها إلى ذلك)، فإن نهج "التحوّط" لا يوفّر بدائل لتحالفات مثل الناتو فحسب، بل يمنح أنقرة، والأكثر أهمية، أوراق ضغط داخل هذه التحالفات نفسها.

كما أن التحالف مع السعودية وباكستان، حتى وإن كان الرادع النووي فيه أقل مصداقية، يوفّر للدولة التركية خيارات في حال تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.

كذلك ستمكن المرونة التي يوفرها هيكل دفاعي بديل، تركيا من التأثير في سياسة حلف الناتو، من خلال التهديد بحجب قواتها، أو الانسحاب من التزامات الحلف.

ولا شك أن هذا الأمر سيكتسب أهمية أكبر مع تراجع التزام الولايات المتحدة تجاه الناتو. بل إن مجرد الإعلان عن هذه الخطوة يُحقق الغاية المرجوة، وهي إيصال رسالة مفادها أن تركيا لا تعتمد على شركائها الحاليين في التحالف، مما يُعزز موقفها.

ويرى المعهد أن الأمر نفسه ينطبق على أهداف السياسة الخارجية التركية الأخرى طويلة الأمد، سواءً أكانت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو التعاون ضمن مجموعة بريكس، أو السعي نحو العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، أو الشراكة عبر منطقة آسيا الوسطى التركية، أو الوساطة في النزاعات الدولية.

وختم المعهد البريطاني بالقول: "في كل حالة، تنظر تركيا إلى الفرص التي يتيحها "ربط الشرق والغرب" ليس فقط كوسيلة لتعزيز أمن الدولة، بل أيضا كأداة لإبراز استقلاليتها، ومنحها هامشا من النفوذ داخل كل تكتل تتعامل معه".