ثغرات هيكلية باتفاق دمشق مع "قسد".. معهد هندي يشرحها

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يمثل اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه في 18 يناير/كانون الثاني 2026 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد مليشيا “قسد” الانفصالية، مظلوم عبدي، لحظة محورية أخرى في مرحلة ما بعد بشار الأسد.

فقد أنهى الاتفاق أسابيع من الغموض المحيط بتجدد الحرب، وذلك عقب فشل مفاوضات مارس/آذار 2025 بشأن دمج "قسد" في الإطار السياسي الجديد للدولة.

وفي الوقت نفسه، ينطوي الاتفاق على ثغراتٍ كامنة قد تعرقل إرساء سلامٍ مستدام في سوريا ما بعد الحرب. وفق تقييم معهد "مانوهار باريكار" للدراسات والتحليلات الدفاعية الهندي.

ثغرات كامنة

وقال المعهد، في تقرير له، بقلم الباحثة سامان عائشة كيدواي: إن "من بين هذه الثغرات الهيكلية، التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة المتأهب لاستغلال الفراغ الأمني ​​المتزايد في شمال شرق سوريا".

وتضم معسكرات الاعتقال السورية الشاسعة، بما فيها معسكرا "الهول" و"روج" -اللذان يُشار إليهما غالبا بأنهما بؤرتان للتطرف- في شمال شرق سوريا، ما يقارب 24,000 و2,400 من أفراد عائلات تنظيم الدولة على التوالي.

وفي الوقت الراهن، ومع استمرار  تنظيم الدولة في حرب العصابات ضد الحكومة السورية الجديدة، تزايدت المخاوف بشأن الوضع الأمني ​​الداخلي والإقليمي في معسكر الهول.

وبالمناسبة، نصّ اتفاق وقف إطلاق النار على نقل إدارة السجون من "قسد" إلى الحكومة السورية. وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن انتهاك وقف إطلاق النار، والفراغ الأمني ​​الذي مكّن نحو 120 سجينا من تنظيم الدولة من الفرار من سجن الشدادي.

وأوضح التقرير أن اتفاق وقف إطلاق النار المكون من 14 بندا انتزع تنازلات كبيرة من "قسد"، وذلك أساسا لمنع اندلاع تمرد مسلح في المستقبل.

وتشمل بنود الاتفاق التسليم الإداري والعسكري الكامل والفوري لمحافظتي دير الزور والرقة (الغنيتين بالنفط والغاز واللتين تتمتعان بممرات إستراتيجية) إلى الحكومة السورية، والسيطرة على جميع المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة.

هذا البند وجّه ضربة كبيرة لآفاق قيام دولة كردية مستقلة أو ذات حكم ذاتي -وفق المعهد- وفي الوقت نفسه حيّد التهديد الذي كانت تراه تركيا قائما على حدودها الجنوبية، علما بأن أنقرة دعمت الشرع ضد نظام بشار الأسد.

وعلى الرغم من تقديم تطمينات تتعلق بالتمثيل السياسي، وضمانات المواطنة، وإعادة تأهيل اللاجئين الأكراد الذين فرّوا خلال الحرب السورية، إضافة إلى دمج مقاتلي "قسد"، كأفراد لا كوحدة مستقلة، في وزارتي الداخلية والدفاع، فإنَّ الاتفاق يعكس في جوهره يعكس اختلالا في موازين القوة.

وتابع التقرير: "من نقاط الضعف الجوهرية في الاتفاق غياب آليات هيكلية تضمن تنفيذ المكاسب المحدودة التي حققتها "قسد" مقابل وقف مقاومتها المسلحة".

"كما يُبرز الاتفاق احتمالية نشوب توترات بين الفصائل المتناحرة، في ظل تزايد الضغوط المتوقعة على اقتصاد منهك بفعل الحرب والعقوبات". وفق المعهد.

وفي هذا السياق، يُتوقع الآن أن تتشارك "قسد" وحكومة الشرع في تقاسم الأعباء لمواجهة حملة  تنظيم الدولة.

غموض الدمج

وتزداد هذه التحديات تعقيدا -وفق التقرير- في ظل غياب خارطة طريق واضحة لكيفية تخصيص الأموال الموجهة لإعادة تأهيل اللاجئين الأكراد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة الوظيفية، وتعزيز جهود مكافحة الإرهاب.

وتكتسب المسألة الأخيرة أهمية خاصة، إذ إن التوصل إلى توافق بشأن المناطق التي تتطلب حشدا أكبر للموارد والقوات لمواجهة تنظيم الدولة لن يكون ممكنا من دون تقديم تنازلات جوهرية من الطرفين، وهي قضية لم يتطرق إليها اتفاق وقف إطلاق النار. وفق التقرير.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه إشكاليات الدمج الكامل لمقاتلي "قسد" ضمن الهياكل الحكومية وتسليم السلاح دون حل، فإن تباين تصورات التهديد بين الأطراف قد يقود إلى حالة من الجمود، تعرقل التوصل إلى رؤية إستراتيجية موحدة لمكافحة الإرهاب.

وأضاف التقرير أن "التحول التدريجي في السياسة الخارجية الأميركية يُسهم في تعميق هذه التصدعات، إذ يبدو أن واشنطن تتجه نحو تطبيع العلاقات مع الرئيس الشرع، مع سحب دعمها لـ "قسد".

وأوضح أن "تقليص الدعم الأميركي قد يكون أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت "قسد" إلى الموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار. وبذلك، قد يتعرض الحلفاء الذين كانوا في السابق ركنا لا غنى عنه في الحرب ضد  تنظيم الدولة لضغوط تدفعهم لتقديم تنازلات إضافية".

وقال المعهد: "ينطوي هذا التحول العميق على مخاطر إذكاء الانقسام داخل "قسد"، مع احتمال خروج بعض العناصر المتمردة عن الصف، بما يسهم في زعزعة الاستقرار في مناطق شديدة الحساسية من الناحية الإستراتيجية، بدلا من التنازل عن المكاسب التي تحققت بشق الأنفس".

استراحة تكتيكية

وفي الوقت ذاته، يمكن النظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار بوصفه استراحة تكتيكية في الاشتباكات المسلحة، لا مسارا منظما لإعادة بناء سوريا أو معالجة الأسباب الجذرية للصراع. وفق وصف التقرير.

وتحمل هذه المنعطفات خطر تجدد الأعمال العدائية والاضطرابات؛ إذ لا تزال الصدوع الهيكلية التي أدت إلى الصراع المسلح قائمة، مما يُرسخ دوامات العنف وانعدام الثقة والنزوح.

وأردف: "يمكن القول إنّ الطبيعة غير المتكافئة لاتفاق النقاط الأربع عشرة، والطموحات الإقليمية، والسعي الحثيث لترسيخ السلطة والنفوذ، قد أدت إلى ظروف لا تُفضي إلى المصالحة في المستقبل القريب".

"وقد تُنذر هذه العوامل مجتمعةً بوقوع عمليات هروب مماثلة من السجون، واشتباكات عنيفة، وتبادل الاتهامات، في ظل ميل الأطراف المتصارعة إلى تبنّي منطق المعركة الصفرية للحفاظ على ما تبقى من نفوذها، أو السعي للسيطرة على مركز السلطة عبر الإكراه أو بوسائل أخرى".

ويرى المعهد أن من المهم أيضا ملاحظة الطريقة التي صاغ بها كلٌّ من الشرع وعبدي إعلان وقف إطلاق النار؛ إذ تشير هذه الصياغة إلى استمرار التوترات، وتباين الأهداف، ووجود انقسامات تعيق تحقيق التماسك الوطني في سوريا.

ففي حين تحدث الشرع عن تجاوز الانقسام والتوجه نحو "دولة موحدة ومتقدمة"، عكست تصريحات عبدي عدم استعداده للذهاب إلى طاولة المفاوضات تحت الإكراه.

وقد قدّم قائد "قسد" الاشتباكات التي خاضها مقاتلوه مع القوات الحكومية قبيل وقف إطلاق النار على أنها وضع "فُرض عليهم"، مؤكّدا أن الهدنة ونقل السيطرة الإدارية والعسكرية على محافظتي دير الزور والرقة اتُّفق عليهما لحقن الدماء.

وقال المعهد: "في حين حاول الشرع تقديم نفسه وموافقته على وقف إطلاق النار من زاوية الشرعية الأخلاقية، تشير كلمات عبدي إلى أن قيادة "قسد" ركّزت في المقابل على الترويج لسردية تقوم على المظلومية والتفوق الأخلاقي في آنٍ واحد، بهدف الانتصار في معركة السرديات".

وختم بالقول: "تعكس هذه السرديات الاستقطابية أن وقف إطلاق النار كان مُثقلا بالضغوط منذ بدايته، وهي ديناميكية لا تبشّر عادةً بآفاق واعدة لتحقيق سلام طويل الأمد بين أطراف كانت متحاربة في السابق".