الأمن السوري يدخل الحسكة وعين العرب.. ترحيب أهلي وتوتر مع "قسد"

دخلت قوات الأمن السورية محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد، ومدينة عين العرب في ريف حلب
تنفيذًا لبنود «الاتفاق الشامل» للاندماج المبرم بين الحكومة السورية وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية «قسد» (التي تعدّها دمشق واجهة لتنظيم «واي بي جي» المصنّف إرهابيًا)، دخلت قوات الأمن السورية محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد، ومدينة عين العرب في ريف حلب.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية، في 2 فبراير/شباط 2026، أن وحداتها بدأت الدخول والانتشار الميداني في ريف مدينة عين العرب شمال شرقي محافظة حلب، ضمن المرحلة التنفيذية للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وتنظيم «قسد»، لتولّي المهام الأمنية وفق خطة متكاملة ومنظمة.
وقالت الوزارة: إن هذا الإجراء «يضمن انتقالًا انسيابيًا للوضع الأمني إلى إدارة مؤسسات الدولة، وحماية المواطنين وسلامة الممتلكات العامة والخاصة، وتعزيز الاستقرار وفق القوانين والأنظمة النافذة».
وأشارت، في بيان، إلى أن العميد مروان العلي، قائد الأمن الداخلي في الحسكة، وجّه وحدات الأمن إلى «تنفيذ المهام الأمنية وفق الخطط المقررة، والتقيد التام بالقوانين والأنظمة، وضمان سير الإجراءات بانضباط، وحفظ الأمن والنظام العام، وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة».
في المقابل، أكدت «الإخبارية السورية» دخول قوى الأمن الداخلي إلى مدينة الحسكة «وسط ترحيب كبير من الأهالي».
وفي سياق متصل، أفادت القناة بأن قوى الأمن الداخلي دخلت منطقة «الشيوخ» جنوبي مدينة عين العرب في ريف محافظة حلب، تنفيذًا للاتفاق المبرم مع «قسد»، مبيّنة أن انتشار قوى الأمن الداخلي في منطقة عين العرب بريف حلب الشرقي سيتم بشكل تدريجي.
وجاءت هذه الخطوة تطبيقًا لـ«اتفاق شامل» أعلنت الحكومة السورية، في 30 يناير/كانون الثاني 2026، التوصل إليه مع تنظيم «قسد»، بهدف إنهاء حالة الانقسام في البلاد وتأسيس مرحلة جديدة من الاندماج الكامل.
وأوضحت الحكومة أنه «تم الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقسد بموجب اتفاق شامل، مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين».
ويشمل الاتفاق «انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي شمال شرقي البلاد، لتعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج القوات الأمنية في المنطقة».
كما ينص على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات «قسد»، إضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب شمالي البلاد.
ويتضمن الاتفاق «دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين»، وفق البيان الحكومي.
وتم الاتفاق كذلك على «تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم».
ويهدف الاتفاق إلى «توحيد الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل في المنطقة، عبر تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد».
ويأتي هذا الاتفاق عقب عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، استعاد خلالها مناطق واسعة في شرق وشمال شرقي البلاد، إثر خروقات «قسد» لاتفاقات سابقة مع الحكومة.
انتهاكات "قسد"
عقب دخول قوات الأمن السورية إلى مدينة الحسكة، أفادت مصادر محلية في المحافظة بأن عناصر من تنظيم «قسد» نفذوا حملة اعتقالات نالت أحياء العزيزية والصالحية وخشمان داخل المدينة.
وأشارت المصادر إلى وقوع إصابات بين المحتفلين في حي خشمان، نتيجة إطلاق النار عليهم خلال مواجهتهم من قبل عناصر التنظيم، مؤكدة أن حالة بعض المصابين وُصفت بالخطرة.
كما أقدم عناصر «قسد» على نشر قناصة فوق مدرسة الناصرة المُحدَثة، لاستهداف أي تحرك للمدنيين في حي المعيشية.
وفي حي المشيرفة، هاجمت عناصر التنظيم الأهالي بالرصاص الحي أثناء احتفالهم بدخول قوات الأمن الداخلي إلى المدينة، ما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين.
وفي السياق ذاته، فرض عناصر من «قسد» حصارًا على دوّار كلش في حي العزيزية، عقب خروج الأهالي للاحتفال بدخول قوات الأمن الداخلي، في خطوة تهدف إلى إرساء الاستقرار وبث الطمأنينة بين السكان، وفقًا للمصادر.
وفي إطار طمأنة المجتمع الكردي، استقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وفدًا من المجلس الوطني الكردي برئاسة محمد إسماعيل، حيث جرى خلال اللقاء التأكيد على وحدة سوريا وسلامة أراضيها.
وشدد الشيباني على ضمان حقوق المواطنين الأكراد «بما يعزز مبدأ المواطنة المتساوية، ويحفظ خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية ضمن سوريا الموحدة».
وذكر بيان صادر عن وزارة الخارجية السورية أن وفد المجلس الوطني الكردي رحّب بالمرسوم الرئاسي رقم 13 الخاص بالمواطنين السوريين الأكراد، عادا إياه خطوة مهمة على طريق استعادة حقوقهم.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر المرسوم رقم 13 في 16 يناير/كانون الثاني الماضي، ونصّ على أن المواطنين السوريين الأكراد يشكلون جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
ويُعدّ المجلس الوطني الكردي ائتلافًا سياسيًا سوريًا يمثل طيفًا واسعًا من الأحزاب والقوى السياسية الكردية في البلاد، وقد تأسس في أكتوبر/تشرين الأول 2011.
سوريا الموحدة
أعرب ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي «إكس» و«فيسبوك»، عن سعادتهم بدخول قوات الأمن السورية إلى مدينتي الحسكة وعين العرب، وعدوا الخطوة مؤشرًا على التوجه نحو توحيد سوريا وإنهاء حالة الانقسام، وتعزيز دور الدولة المركزية بوصفها الضامن الوحيد للأمن والاستقرار.
كما رحّب باحثون وكتّاب، من خلال مشاركتهم في وسوم عدة أبرزها: #الحسكة، #قسد، #عين_العرب، بوقف المواجهة العسكرية، وبمسار الاندماج السياسي والإداري والعسكري لمقاتلي «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، واصفين ذلك بأنه «انتصار للدولة السورية» وترسيخ لإرادتها وبسط لسيادتها.
وسلط هؤلاء الضوء على مشاهد الاستقبال الشعبي الحاشد لقوات الأمن السورية في الحسكة، رغم التهديدات وحظر التجوال الذي فرضته «قسد». مؤكدين أن هذه المشاهد تعكس موقفًا شعبيًا واضحًا.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة خروج الأهالي إلى الشوارع، ورفعهم الأعلام السورية، وتوزيعهم الورود على الجنود، في تعبير عن فرحتهم بعودة الدولة ومؤسساتها. كما كسرت بعض القرى، مثل الحمر وعبّ الشوك والصالحية، حظر التجوال، واستقبل سكانها قوات الأمن بالضيافة.
انعكاسات الحفاوة
ورأى كتّاب ومحللون أن ما شهدته الحسكة من استقبال شعبي لقوات الأمن السورية شكّل ضربة مباشرة للرواية التي سعت «قسد» إلى ترسيخها عن قبولها شعبيًا وادعائها تمثيل الأكراد وحمايتهم، ويرون أن المشهد عكس خيار الأهالي الواضح بالاستقرار والأمان.
وأشاروا إلى أن الحفاوة الشعبية كشفت انهيار «هندسة الواقع» التي بنتها «قسد» طوال سنوات، وانتهاء حالة الترهيب التي فرضتها، مؤكدين أن الشارع السوري عاد ليقول ما عجزت الدعاية عن حجبه.
"رواية المظلومية"
في المقابل، أشار صحفيون ومراسلون إلى أن قوات «قسد» منعت أهالي الحسكة من استقبال قوات الأمن السورية ورفع الأعلام السورية، ويرون أن هذه الإجراءات تهدف إلى منع انكشاف انهيار «رواية المظلومية» التي روّجت لها أمام الرأي العام الغربي.
ودعا هؤلاء الحكومة السورية إلى حماية الأهالي، وردع «قسد»، ومحاسبتها على ممارساتها، والتنديد بانتهاكاتها بحق المدنيين.
وكانت «قسد» قد فرضت حظر تجوال في مدينتي الحسكة والقامشلي لمنع الأهالي من الاحتفال بدخول قوات الأمن الداخلي، كما قطعت الاتصالات عن أجزاء واسعة من محافظة الحسكة، ونشرت عناصرها في الشوارع لمنع أي تجمعات احتفالية.
وأفادت مصادر محلية بأن عناصر التنظيم أطلقت النار في بعض الأحياء لتفريق الأهالي الذين خرجوا للاحتفال، ما أدى إلى إصابة عدد من المدنيين.
انهيار محتمل
وحذّر ناشطون من أن تجاوزات «قسد» الأخيرة في الحسكة، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية، ومنع الاحتفالات الشعبية، وإطلاق النار على المدنيين، وفرض حظر التجوال، والاستفزاز المستمر لقوات الأمن، قد تؤدي إلى انهيار الاتفاق المبرم مع الحكومة السورية.
وتوقع بعضهم تعثر تنفيذ الاتفاق نتيجة مماطلة «قسد» وإخلالها ببنوده، ما يضعه على المحك، مستنكرين إثارتها المخاوف وامتناعها عن تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة لبدء عملية الدمج.
وتوقع بعضهم تعثر تنفيذ الاتفاق بسبب مماطلة قسد وإخلالها ببنوده ما يضعه على المحك، مستنكرين إثارتها المخاوف وتهربها من تسليم الأسلحة لبدء عملية الدمج.
جدل وتباين
وعلى خلفية تصعيد «قسد» وانتهاكاتها، برز جدل واسع حول كيفية التعامل معها، بين مطالب بتسريع تفكيكها وكسر بنيتها المسلحة، وبين من يرى أن الحكومة السورية تدير الملف وفق مقاربة مدروسة تقوم على التدرج وتفادي الصدام المباشر.
وقال الباحث نوار شعبان قباقيبو: إن ما شهدته مدينة الحسكة «يكشف بوضوح أن التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الاتفاق لا يكمن في النصوص، بل في تفكيك منظومة السيطرة الموازية التي بنتها قيادات حزب العمال الكردستاني داخل بنية قسد»، ويرى أن التنظيم أثبت مجددًا استعداده لاستخدام العنف السياسي والعرقي ضد المدنيين.
في المقابل، رأى الباحث صادح سوكران أن الدولة تتصرف وفق منطق الشرعية قبل القوة، ويرى أنها تراكم شرعية داخلية وخارجية، وتستخدم الزمن أداة للحكم، بما يحوّل الخصم المسلح إلى عبء سياسي بدل الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
وأشار إلى أن ما يجري يمثل انتقال الصراع من مستوى القوة الصلبة إلى القوة السياسية والمؤسسية، حيث تعيد الدولة تعريف قواعد اللعبة: من يقبل الاندماج يدخل النظام، ومن يرفض ينتقل تدريجيًا إلى خانة الفاعل غير الشرعي.
وفي سياق متصل، استنكر ناشطون ومدونون تدهور البنية التحتية في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد»، من تهالك الطرق والجسور وشبكات الخدمات، رغم ما تزخر به تلك المناطق من ثروات نفطية وغازية.
ورأوا أن هذا الواقع يشكل دليلًا على فشل وفساد إدارة «قسد»، داعين المجتمع الكردي إلى فتح صفحة جديدة والمشاركة في إعادة بناء سوريا موحدة، وعدم الانخراط في أجندات خارجية أو مشاريع تقسيمية.














