بعد استعادة الحقول.. هل يقود النفط قاطرة إنقاذ الاقتصاد السوري؟

مصعب المجبل | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد سنوات من سيطرة مليشيا "قسد" على أبرز حقول النفط السورية، تمكنت الدولة السورية الجديدة من بسط نفوذها على جزء مهم من هذه الثروة الإستراتيجية، في تطور لافت يشهده قطاع الطاقة مع بدء استئناف الإنتاج.

وشكّل ضخ النفط من الحقول المُحرَّرة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة إلى مصافي التكرير خطوة ذات دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، تتجاوز بعدها الفني والتشغيلي.

عودة النفط

لم يقتصر التقدّم الميداني للجيش السوري على تغيير موازين السيطرة الجغرافية فحسب، بل أعاد أيضا رسم معادلة النفوذ على الثروات الطبيعية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة تأهيل الحقول النفطية ومحاولة إنعاش الاقتصاد المنهك، وسط تحديات فنية واستثمارية كبيرة.

ومنذ 18 يناير/ كانون الثاني 2026، تمكّن الجيش السوري من استعادة محافظتي دير الزور والرقة وريف الحسكة من نفوذ مليشيا “قسد”، في خطوة شكّلت ضربة كبيرة للأخيرة التي كانت تعتمد على سيطرتها على المناطق الغنية بالنفط والمياه كلاعب رئيس في المداولات السياسية مع الحكومة السورية لتحديد مصير شمال شرقي البلاد.

وفي مؤشر على سرعة تحرّك الحكومة السورية لاستثمار الموارد النفطية، أعلنت الشركة السورية للبترول في 24 يناير/ كانون الثاني 2026 بدء استخراج النفط من الحقول المحرّرة حديثا ونقله إلى مصفاتي حمص وبانياس، ضمن خطة متكاملة لإعادة الحقول إلى العمل.

وقال مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة، صفوان شيخ أحمد، لوكالة الأنباء السورية “سانا”، إن الأعمال الجارية تهدف إلى إعادة الحقول إلى وضعها الفني عند لحظة تحريرها. متوقعا أن يصل الإنتاج خلال أربعة أشهر إلى نحو 100 ألف برميل يوميا، ما سينعكس إيجابا على منظومة الطاقة ودعم الاقتصاد الوطني.

ويأتي هذا التطور بعد استعادة الجيش العربي السوري السيطرة على عدد من الحقول النفطية في محافظتي الرقة ودير الزور؛ حيث جرى تسليمها إلى الشركة السورية للبترول تمهيدا لإعادة تأهيلها وإعادتها إلى العملية الإنتاجية.

وأكدت الشركة أن خطتها تشمل تأهيل البنية التحتية للحقول ومرافق النقل والمعالجة، بما يضمن استئناف الإنتاج بكفاءة وأمان، مع متابعة يومية لتطوّرات الإنتاج ونقل النفط إلى المصافي، بما يحقق استقرار الإمدادات النفطية ويدعم القطاع الاقتصادي.

وفي سياق متصل، بدأت فرق المسح الإشعاعي التابعة لهيئة الطاقة الذرية، في 21 يناير/ كانون الثاني 2026، أعمالها في الحقول النفطية التي استعاد الجيش العربي السوري السيطرة عليها أخيرا في محافظة دير الزور، وذلك بالتعاون مع الشركة السورية للبترول.

وأوضحت الهيئة حينها أن الفرق باشرت تنفيذ أعمال المسح في حقل العمر النفطي بريف المحافظة، بهدف تحديد المواقع الملوّثة إشعاعيا وحصرها بدقة؛ حيث جرى وضع إشارات تحذيرية واضحة لمنع الاقتراب من تلك المواقع إلى حين استكمال معالجة التلوث. وفق ما نقلته وكالة “سانا”.

كما عقدت الشركة السورية للبترول مؤتمرا صحفيا في حقل العمر النفطي في 19 يناير/ كانون الثاني 2026، لعرض واقع الآبار بعد تسلمها وخطط التطوير المستقبلية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، يوسف قبلاوي، خلال المؤتمر: “سنحقق نقلة نوعية في مجالي النفط والغاز بمشاركة الشركات المحلية والأجنبية”. مشيرا إلى وجود شركات أميركية جديدة أبدت رغبتها في الاستثمار في حقول الغاز بمحافظة الحسكة.

وأوضح قبلاوي أن حقل العمر الذي يضم نحو 900 بئر نفطية، كان ينتج سابقا 50 ألف برميل يوميا، في حين لا يتجاوز إنتاجه الحالي 5 آلاف برميل فقط. مؤكداً أن الحقل سيعود بالكامل إلى ملكية الشركة السورية للبترول خلال فترة قصيرة.

وأضاف أن طرق الاستخراج والتكرير التي استُخدمت سابقا في بعض الحقول كانت بدائية وخلفت آثارا سلبية على البيئة، ما يستدعي تدخلا عاجلا. لافتا إلى أن حقل العمر يحتاج إلى عمليات تأهيل شاملة لتمكينه من استعادة طاقته الإنتاجية السابقة.

وفي 25 يناير/ كانون الثاني 2026، وصلت عشرون صهريجا محمّلة بالنفط الخام، قادمة من حقلي العمر والتنك في ريف دير الزور، إلى الشركة السورية للنفط في بانياس، كأول دفعة من النفط الخام تصل بعد بسط الجيش العربي السوري سيطرته على المنطقة.

وبحسب وزارة الطاقة، يواجه قطاع الطاقة في سوريا كلفة مرتفعة لإعادة التأهيل، في ظل تدهور واسع أصاب الحقول النفطية والبنى التحتية المرتبطة بها، لا سيما في مناطق الجزيرة ودير الزور، نتيجة سنوات من التشغيل غير المنهجي.

وجاء ذلك عقب جولة ميدانية نفذها فريق من الوزارة في 24 يناير/ كانون الثاني 2026، ممثلاً بإدارة تنظيم قطاع البترول برئاسة المهندس موسى الجبارة، إلى عدد من الحقول النفطية في محافظة دير الزور، بهدف تقييم الواقع الفني للمنشآت وتحديد متطلبات إعادة التأهيل.

وشملت الجولة حقل التنك ومحطاته التابعة في العشارة والجيدو والمالح والأزرق والغلبان، إضافة إلى حقل العمر والمنشآت المرتبطة به؛ حيث أظهرت المعاينات وجود تدهور كبير في البنية التحتية نتيجة سنوات من التشغيل غير المنهجي.

وأوضحت الوزارة أن الحقول النفطية في مناطق الجزيرة تحتاج إلى أعمال صيانة ضخمة. مشيرة إلى أن عمليات إعادة التأهيل والاستفادة الفعلية من الآبار قد تستغرق ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات.

وبحسب تقديرات الوزارة، تحتاج سوريا إلى نحو 200 ألف برميل نفط يوميا لتلبية احتياجاتها، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي 80 ألف برميل يومياً، وهو رقم وصفته الوزارة بأنه غير دقيق حتى الآن، في ظل غياب تقييم فني شامل للواقع الإنتاجي.

تغطية العجز 

جاء استئناف استخراج النفط من الحقول التي استعادها الجيش السوري في محافظات دير الزور والرقة والحسكة في توقيت سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، ليشكّل تحولا إستراتيجيا في معادلة الصراع على الثروة والسلطة في شمال شرقي البلاد، وهي المنطقة التي تحوز نحو 90 بالمئة من إجمالي إنتاج النفط والغاز في سوريا.

كما فتح هذا التطور بابا جديدا أمام الحكومة السورية لإعادة توظيف النفط كورقة اقتصادية وسياسية في آن واحد، في ظل تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على تأهيل البنية التحتية المتهالكة، وجذب الاستثمارات، وتحويل هذا المورد الحيوي إلى رافعة حقيقية لإنعاش الاقتصاد السوري المنهك بعد سنوات من الاستنزاف والفوضى التشغيلية.

وفي هذا السياق، أكد الباحث الاقتصادي رضوان الدبس، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن “استئناف استخراج النفط في سوريا يحمل آثارا متعددة من أكثر من زاوية؛ إذ ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني من عدة جهات”.

وأوضح الدبس أن “زيادة إنتاج النفط ستسهم أولا في تغطية العجز القائم في الاستهلاك النفطي اليومي؛ حيث تحتاج سوريا حاليا إلى نحو 700 أو 800 ألف برميل يومياً لتلبية حاجاتها المحلية”. مشيرا إلى أن “رفع الإنتاج المحلي سيخفف العبء عن الاستيراد، ويقلل الضغط على الموازنة العامة، ويحد من الحاجة إلى شراء المشتقات النفطية بالعملة الصعبة من الخارج”.

ولفت الدبس إلى أن “هذا التطور في إنتاج النفط سيوفر لخزينة الدولة أموالاً كبيرة؛ إذ إن بيع النفط محليا وإعادة تدوير العائدات داخل الاقتصاد الوطني يؤديان إلى زيادة الإيرادات الحكومية، ويسهمان في تحريك الدورة الاقتصادية، ما ينعكس إيجاباً على قيمة العملة الوطنية”.

وبيّن أن “تحسّن إنتاج النفط يعزز موقع سوريا ضمن الدول العربية المصدرة للنفط”. مستدركا بأن “سوريا كانت قد انضمت خلال عامي 2009 و2010 إلى نادي الدول العربية المصدرة للنفط، وإن لم تكن عضوا في منظمة أوبك، إلا أن تراجع الإنتاج خلال السنوات الماضية أدى إلى انخفاض ترتيبها ضمن سلم الدول المنتجة”.

ونوه الدبس إلى أن من “النتائج المهمة أيضا توفير فرص عمل واسعة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ إذ تتطلب الحقول النفطية تشغيل عمال في مواقع الاستخراج ومحطات التكرير والنقل، إضافة إلى فرص عمل غير مباشرة في القطاعات الداعمة، مثل الغذاء والعلاج والنقل والتموين والخدمات المختلفة للعاملين وأسرهم”.

ورأى أن “استئناف استخراج النفط يسهم كذلك في تحسين البنية التحتية في المناطق النفطية؛ حيث تبدأ الدولة بإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والغاز والمياه، وتعبيد الطرق، وإنشاء مرافق عامة مثل المستشفيات والمدارس والمساجد، ما يؤدي إلى تحسين مستوى الخدمات العامة في تلك المناطق”.

وأكد الدبس أن “تقليل الاعتماد على الاستيراد يمثل عنصرا أساسيا في دعم الاقتصاد السوري، من خلال توفير العملة الأجنبية وتحسين قيمة الليرة السورية أمام الدولار”. موضحاً أن “استعادة مناطق الحسكة والقامشلي، التي تضم حقول النفط والقمح، تعد عاملا حاسما في تعزيز الاستقرار النقدي والاقتصادي”.

وفي المقابل، أشار الدبس إلى “وجود تحديات فنية واستثمارية؛ إذ تحتاج الآبار النفطية والمصافي إلى تقنيات حديثة، وشركات عالمية متخصصة، وضخ استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل البنية الإنتاجية”.

وأضاف أن “الإنتاج الحالي يتراوح بين 200 و250 ألف برميل يوميا، في حين يُفترض أن يصل إلى ما بين 600 و700 ألف برميل يوميا لتحقيق الجدوى الاقتصادية الكاملة”.

وختم بالقول إن “هذه العملية تتطلب وقتا وجهدا حكوميا لجذب الاستثمارات، إلى جانب إعادة تأهيل الكوادر السورية عبر برامج تدريبية متخصصة، بما يمكّنها من إدارة وتشغيل هذا القطاع الحيوي بكفاءة عالية”.

أداة إستراتيجية

يأتي الحديث الرسمي عن استثمار حقول النفط في المناطق المحررة في لحظة مفصلية تربط بين التعافي الاقتصادي ومتطلبات إعادة الإعمار في سوريا؛ إذ لم يعد النفط مجرد مورد مالي، بل أداة إستراتيجية لإعادة بناء الدولة وتحسين شروط حياة المواطن.

وبين وعود بزيادة الإنتاج وتأهيل الآبار، وإشارات إلى انفتاح استثماري بمشاركة شركات محلية وأجنبية، تبرز أسئلة أساسية حول قدرة الحكومة على تحويل هذه الخطط إلى نتائج ملموسة تنعكس على الأجور ومستوى الخدمات العامة، في ظل بنية تحتية متهالكة وإرث ثقيل من سوء الإدارة والتشغيل خلال السنوات الماضية.

وبين الطموح الرسمي والتحديات الواقعية، يبدو قطاع النفط أمام اختبار حاسم: هل يتحول إلى قاطرة لإعادة الإعمار، أم يبقى رهينة العوائق الفنية والسياسية والاقتصادية؟

وفي هذا الصدد، يؤكد الباحث السوري في مركز عمران للدراسات الإستراتيجية أيمن الدسوقي، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن “رؤية نتائج ملموسة لاستئناف استخراج النفط وانعكاسه الإيجابي على الأزمة الاقتصادية وقطاع الطاقة، تبقى مرهونة بوجود خطة حكومية تقوم على مدخلات واقعية وأهداف قابلة للقياس”.

وأضاف الدسوقي أن ذلك يرتبط أيضا بـ“نمط الاستثمار المتوقع لهذه الآبار، وحجم الموارد المطلوبة لإعادة تأهيلها وزيادة إنتاجيتها”.

ولفت إلى أنه “لا يتوقع أن يكون التأثير كبيرا، لا سيما في المرحلة الأولى، في ظل الاحتياج الكبير لحوامل الطاقة، والدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية لهذا القطاع”.

ومضى الدسوقي قائلا: إن “تحقيق أثر إيجابي يتطلب معالجة القضايا الفنية والقانونية المرتبطة بالآبار، إلى جانب استقطاب الاستثمارات اللازمة لتحسين البنية التحتية من جهة، وربط القطاع إقليميا من جهة أخرى، بما يضاعف من جدواه الاقتصادية”.

وفي هذا السياق، كانت وزارة الطاقة قد أعلنت عن توقيع الشركة السورية للبترول، في يناير/كانون الثاني 2025، أربع اتفاقيات جديدة مع شركات سعودية متخصصة في الخدمات النفطية وتطوير حقول البترول والغاز في سوريا.

وتضمنت الاتفاقيات مشروعا لتقديم حلول متقدمة ومتكاملة لبناء وصيانة حقول البترول والغاز بالتعاون مع شركة Taqa، إضافة إلى اتفاقية حول المبادئ الأساسية لتقديم خدمات حفر وصيانة آبار البترول والغاز مع شركة Arabian Drilling.

كما سبق لوزارة الطاقة، ممثلة بالمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، أن وقعت في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 اتفاقية تعاون مع شركة ACWA Power، بهدف إعداد دراسة شاملة حول التوزيع الأمثل لمصادر الطاقة وضمان استقرار النظام الكهربائي في سوريا.

وأوضحت الوزارة حينها أن الاتفاقية تأتي في إطار إعداد خطة إستراتيجية متكاملة تمتد حتى عام 2040، تشمل تحديد التوزيع الأمثل لمصادر الطاقة وضمان دمج آمن وفعال للطاقات المتجددة ضمن الشبكة الكهربائية، بما ينسجم مع احتياجات البلاد التنموية.

كما بينت أن الاتفاقية تمثل خطوة أساسية ضمن الجهود الرامية إلى تحليل نقاط الضعف في الشبكة الحالية، واقتراح الحلول الفنية الكفيلة برفع مستوى الموثوقية وتعزيز كفاءة التشغيل.