إيران تفرض المالكي.. هل تبدأ مرحلة جديدة من الصراعات في العراق؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في ظل مباركة المرشد الإيراني علي خامنئي لترشيح القيادي في الإطار التنسيقي الشيعي نوري المالكي لتولي منصب رئيس مجلس الوزراء في العراق لولاية ثالثة، تصاعدت التساؤلات بشأن مدى تقبّل الولايات المتحدة الأميركية لهذا التوجه، لا سيما أن واشنطن لطالما عبّرت عن رفضها تمدد النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين.

وكان الإطار التنسيقي الشيعي قد أعلن في 24 يناير/كانون الثاني أنه «قرر، بعد نقاش معمّق ومستفيض، ترشيح نوري المالكي بغالبية أعضائه، استنادًا إلى خبرته السياسية والإدارية ودوره في إدارة الدولة»، داعيًا البرلمان إلى عقد الجلسة المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية.

مباركة خامنئي

وفي تصريحات سياسية وإعلامية متطابقة، أفادت مصادر بأن المرشد الإيراني علي خامنئي بارك ترشيح نوري المالكي، رغم عدم حصوله على إجماع داخل الإطار التنسيقي الشيعي، ووجود اعتراضات عليه من شخصيات وازنة داخل الإطار، وهو ما فُهم على أنه بمثابة فرض لهذا الخيار على المعترضين.

وقال حسام الحسني، عضو المكتب السياسي لتيار «الحكمة الوطني» بقيادة عمار الحكيم (أحد أبرز القيادات المعترضة): إن المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي أشاد باختيار بعض أطراف الإطار التنسيقي للمالكي، ووجّه لهم رسالة قال فيها: «توكلوا على الله فيما توافقتم واتفقتم عليه».

وأضاف الحسني، خلال مقابلة تلفزيونية بتاريخ 20 يناير/كانون الثاني، أن «البعض نقل صورة غير دقيقة إلى خامنئي، مفادها أن الإطار التنسيقي توافق على ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، وهذا أمر غير صحيح».

وفي السياق ذاته، كشفت قناة «السومرية» العراقية أن المرشد الأعلى علي خامنئي جدّد مباركته لترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، وذلك عقب نقل قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني رسالة إلى الإطار التنسيقي تتضمن دعم خامنئي لتولي المالكي رئاسة الحكومة.

وأضافت القناة، في تقرير بثته في 22 يناير/كانون الثاني، أنه وبعد إرسال اثنين من أعضاء الإطار التنسيقي (لم تُسمِّهما) إلى إيران لتوضيح أن الإطار لم يُجمع على اختيار المالكي، وأن هناك أطرافًا تعترض على ترشيحه، إلا أن خامنئي أكد مجددًا تمسكه بمباركته الأولى.

ويأتي ذلك بالتزامن مع ما كشفته وكالة «رويترز» في 23 يناير/كانون الثاني، من أن الولايات المتحدة هددت سياسيين عراقيين كبارًا بفرض عقوبات، من بينها احتمال استهداف عائدات النفط، في حال ضم جماعات مسلحة مدعومة من إيران إلى الحكومة المقبلة.

ويُعد هذا التحذير أوضح مؤشر حتى الآن على حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحد من نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران في العراق، الذي لطالما سعى إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع أقرب حليفين له، واشنطن وطهران. وفق ما أوردته الوكالة.

وأفادت «رويترز» بأن القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، وجّه هذه التحذيرات مرارًا خلال الشهرين الماضيين، في أحاديثه مع مسؤولين عراقيين وقادة شيعة نافذين، من بينهم بعض قادة الجماعات المرتبطة بإيران، وذلك عبر وسطاء.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين أميركيين وعراقيين، لم تسمّهم، قولهم: إن إيران تعد العراق عنصرًا هاما في الحفاظ على صمود اقتصادها في مواجهة العقوبات، التي كانت تلتف عليها عبر استخدام النظام المصرفي في بغداد.

وذكرت الوكالة أن أحد الأشخاص الذين تعترض عليهم واشنطن هو عدنان فيحان، عضو جماعة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، والمدعومة من إيران، والذي انتُخب نائبًا أول لرئيس البرلمان في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، مؤكدة أن الولايات المتحدة عارضت تعيينه في هذا المنصب.

وفي مؤشر على نجاح حملة الضغط الأميركية، قال مسؤول عراقي: إن زعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي أبلغ الأميركيين استعداده لإقالة فيحان من منصبه نائبًا لرئيس البرلمان، رغم أن الأخير لا يزال يشغل منصبه حتى الآن. وفقًا لما أوردته الوكالة.

"فخ أميركي"

وفيما يتعلق بإمكانية تطبيق سيناريو رفض عدنان فيحان والمطالبة باستبداله بـ"نوري المالكي"، وإمكانية ضغط واشنطن على قوى الإطار التنسيقي لإيجاد شخصية بديلة، خصوصًا أن المالكي قريب من إيران وحصل على مباركة خامنئي، رأى الباحث في الشأن السياسي العراقي بهاء الدين البرزنجي أن "هذا الأمر مستبعد جدًا".

وأوضح البرزنجي في حديثه لـ"الاستقلال" أن "المالكي سعى للحصول على دعم وضغط إيراني على أتباعها في العراق للعودة إلى الحكم، وأن من اختاره من قوى الإطار هم في الغالبية من الكتل المسلحة، وهذا مؤشر خطر كبير، وربما بحجة دعم النظام الإيراني يريد الإسراع في تنصيبه".

وأشار الباحث إلى أنه "في حال حدوث هجوم أميركي أو إسرائيلي على طهران واستمرار الحرب، فإن فرص المالكي ستتراجع ولن يتدخل أحد في ترشيحه؛ لأنه معروف بأنه رجل إيران في العراق، وهو من موّل حروبها السابقة في المنطقة، خاصة في سوريا ودعم نظام بشار الأسد".

وأضاف البرزنجي أنه مقتنع بأن المالكي سيواصل طريقه في رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، وأنه قام بترتيب وضعه مع الولايات المتحدة، مقدّمًا نفسه على أنه المسؤول عن تفكيك المليشيات، وبذلك سيكون خاضعًا لها ومختلفًا عمّا كان عليه في ولايته الثانية (2010-2014).

وفي السياق نفسه، قال منقذ داغر، رئيس "المجموعة المستقلة" العراقية للبحوث، في تدوينة على موقع "إكس" بتاريخ 24 يناير: إن "ترشيح المالكي يمثل لعبة خطرة يلعبها الإطار التنسيقي، ثمنها مستقبل العراق وشعبه".

وأضاف داغر أن "المعلومات المتداولة عن اجتماع الإطار اليوم توضح وجود رسالة قوية وواضحة وحاسمة من أعلى المستويات في واشنطن، تحذّر الإطار من عواقب دولية، خاصة أميركية وإقليمية، وخيمة على العراق والمنطقة، لكن غالبية الأطراف أجابت بأن الأميركيين غير جادين ولن يفعلوا شيئًا".

وأشار الباحث إلى أن رفض عمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة، وقيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، المضي في خيار الإطار التنسيقي، أدى إلى اتخاذ القرار بالأغلبية وليس بالإجماع.

وختم داغر حديثه قائلاً: "الرهان على صبر ترامب (الرئيس الأميركي) وعدم تنفيذه لتهديداته لمجرد تحقيق مصالح الجارة (إيران)، واستخدام العراق وشعبه كورقة تفاوضية بين إيران وأميركا، لا يدلّ سوى على قصر نظر وعدم تقدير للعواقب، خاصة في هذا الظرف الدولي والإقليمي الملتهب".

كما وصف السياسي العراقي ليث شبّر اختيار المالكي بأنه «مباركة إيرانية وعدم الاعتراض عليه فخ أميركي»، فيما رأى الكاتب والمحلل السياسي يحيى الكبيسي أن الترشيح يؤكد استمرار هيمنة القرار الإيراني على منصب رئاسة الوزراء، ويرى أن الحسم النهائي لا يزال مرهونًا بالموقف الأميركي والمرجعية الدينية العليا.

وتولى نوري المالكي رئاسة الحكومة العراقية لولايتين بين عامي 2006 و2014، انتهت بسقوط الموصل بيد تنظيم الدولة، وهو ما دفع المرجعية الدينية في النجف إلى وضع «فيتو» صريح على توليه ولاية ثالثة آنذاك.

من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي يحيى الكبيسي: إن "ترشيح نوري المالكي يثبت أن قرار تعيين رئيس مجلس الوزراء ما زال بيد إيران، كما يبيّن أن قوى الإطار التنسيقي لا ترى أبعد من أنوفها، وأن قراراتها تخضع للمصالح الشخصية وليس لمصالح الدولة".

وأضاف الكبيسي في تدوينة على موقع "إكس" بتاريخ 24 يناير: "الأمر لم يُحسم بعد، فعلينا انتظار الموقف الأميركي النهائي، خصوصًا بعد تجاهل فيتو السيد السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى في العراق".

يُذكر أن المالكي شغل منصب رئيس الحكومة العراقية لفترتين متتاليتين، من عام 2006 حتى 2014، حيث انتهت ولايته الثانية باجتياح تنظيم الدولة الإسلامية للبلاد. وبعد ذلك، فرضت المرجعية الدينية الشيعية في النجف فيتو على تسلمه ولاية ثالثة، وتم إرسال رسالة بهذا الخصوص إلى حزب الدعوة الإسلامية الذي يرأسه المالكي.

"تحذير سني"

وقبل ساعات من إعلان الإطار التنسيقي ترشيح نوري المالكي رسميًا، وجه المجلس السياسي الوطني "السني" دعوة للإطار لتحمّل "المسؤولية التاريخية" واعتماد مبدأ القبول الوطني في اختيار مرشحي الرئاسات.

وحذّر بيان المجلس السياسي السني من إعادة تدوير تجارب فاشلة ارتبطت بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية، وسيطرة تنظيمات إرهابية، وتهجير ملايين المواطنين، في إشارة واضحة إلى ترشيح المالكي.

في المقابل، أعلن ائتلافا "عزم" و"الحسم" (السنيان) أن ما ورد في بيان المجلس السياسي الوطني لا يعكس رأي جميع أعضائه، مما يعكس وجود تباين بين القوى السنية بشأن موقفها من ترشيح المالكي.

ورفض زعيم حزب "تقدم" محمد الحلبوسي ترشيح المالكي، مشيرًا إلى أن "المنطقة شهدت أخيرا أحداث الربيع العربي، وفي العراق شهدنا خلال إدارة المالكي خلق الأزمات، التحريض الطائفي، واعتقال الأبرياء للتغطية على هروب عتاة الإرهابيين من سجن أبو غريب عام 2014".

وأضاف الحلبوسي في تدوينة على "إكس" بتاريخ 20 يناير: "تمكن الهاربون لاحقًا من احتلال محافظات وتدميرها، ولم تُتحرر إلا بالتضحيات الجسام ونزوح الملايين، وعلى شاهد العصر جسر بزيبز. واليوم، في ظل الاضطراب الإقليمي والدولي، يعاد المشهد عبر قيام ما يُسمى (قسد) بتهريب قادة داعش من سجونها".

وطالب الحلبوسي القيادات السنية بـ"استشعار أهمية وخطورة الأحداث، واتخاذ موقف وطني جامع، وعدم السماح بالعودة إلى الوراء مهما كانت الأسباب، مع السعي للحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي الذي تحقق بعد التحرير من تنظيم الدولة".

وقبل يوم واحد من ذلك، غرد الحلبوسي قائلاً: "ننتظر قرار قادة الإطار التنسيقي بترشيح المكلف لرئاسة الحكومة المقبلة، ونتمنى أن يتحلوا بالحرص على وحدة وتماسك مكونات العراق بأكمله، كما يحافظون على وحدة الإطار، مع مراعاة القبول الوطني اللازم لتمرير المكلف وتشكيل حكومة قوية مدعومة من كافة مكونات الشعب المتطلع إلى مستقبل أفضل".

وفي نفس السياق، قال زعيم حزب "الجماهير الوطنية" أحمد الجبوري عبر منشور له على موقع "فيسبوك" بتاريخ 19 يناير: إنه "حين يختار الإخوة في الإطار التنسيقي مرشح رئاسة الحكومة المقبلة، فإن جل طموحنا يكون التجديد لا الاجترار، والقبول لا الاضطرار".

وأكد الجبوري أن "العراق في أمسّ الحاجة إلى من يُطفئ لهيب الأزمات، ويكرّس الجهود لبناء الثقة واستدراك ما فات، في ظرف لا يسمح بالعراقيل، ولا يُعاد فيه عقارب الساعة إلى الوراء. فلتكن حكومة الإجماع الوطني بمباركة الشركاء في الوطن، تمامًا كما فعلنا من خلال أخذ رأيهم وقبولهم مسبقًا بمرشحنا لرئاسة مجلس النواب".

وفي السياق ذاته، قال السياسي العراقي مشعان الجبوري عبر حسابه على "إكس": إن "التحديات الداخلية والتقلبات الإقليمية تتطلب رئيسًا يطفئ الحرائق لا يشعلها، يرضى به الإطار، ويقبل به الصدر، وتثق به المكونات، ويحظى بقبول دولي، خاصة من الولايات المتحدة التي إن غضبت تفرض على العراق الحصار وتمنع عنه الدولار، فيسقط الدينار، ويثور الناس، وتزلزل الأرض زلزالها، وحينها لا ينفع الندم".

وتلاحق نوري المالكي تهمة "الخيانة العظمى" رسميًا؛ حيث كُلفت لجنة تحقيق من البرلمان العراقي عام 2015 بالتحقيق في مسؤولياته، إذ يُحمّل مسؤولية سقوط مدينة الموصل وثلث مساحة العراق بيد تنظيم الدولة في عام 2014.

ومن بين الاتهامات الموجهة إليه في هذا السياق، دوره في تسهيل دخول تنظيم الدولة إلى العراق، خاصة ما يتعلق بسيطرة التنظيم على معسكر "سبايكر" في محافظة صلاح الدين شمال البلاد؛ حيث تم إعدام نحو 700 جندي متدرب كانوا موجودين في المعسكر آنذاك.