إسرائيل والإمارات تواجهان تحالفًا جديدًا في البحر الأحمر.. ما مستقبل النفوذ؟

داود علي | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر ملاحي إستراتيجي حساس، بل أصبح ساحة اختبار حقيقية لقوى النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط وحدود التأثير في القرن الإفريقي. خلال أسابيع قليلة، توالت إشارات متزامنة تكشف عن تنسيق متقدم بين السعودية ومصر، تجاوز حدود الدبلوماسية ليشمل تبادل معلومات استخباراتية ورصد تحركات بحرية إماراتية في اليمن، وفقًا لمصدر رئاسي مصري تحدث لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني في 13 يناير/ كانون الثاني 2026.

في الوقت ذاته، تفاقمت أزمة الصومال مع الإمارات إلى إعلان رسمي من مقديشو إلغاء الاتفاقات الأمنية والدفاعية والتجارية كافة معها، في خطوة عُدّت تصعيدًا كبيرًا في مواجهة النفوذ الإماراتي بالمنطقة.

على الجانب الآخر من باب المندب، أثار اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ككيان مستقل في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2025 توترات إضافية في منطقة تتسم بتشابك حسابات أمنية معقدة.

وسط هذه التحولات، يبرز تحالف سعودي تركي مصري كمحور صاعد يبحث عن تجسيد عملي على الأرض، بدءًا من تفاهمات بحرية أولية بين أنقرة والرياض، مرورًا بمحادثات سعودية مع مصر والصومال، لتشكيل مظلة عسكرية مشتركة في البحر الأحمر وخليج عدن. وفق تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية في 16 يناير 2026.

الجغرافيا الصلبة 

السؤال لم يعد حول وجود تنسيق، بل حول ما إذا كان هذا التحالف الوليد سيشكل تحولا إستراتيجيا حاسما لصد نفوذ الإمارات وإسرائيل في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ولماذا أصبح تأمين الممر البحري بين اليمن والصومال أولوية مشتركة.

الجواب يكمن في الجغرافيا الصلبة؛ فاضطراب الممر البحري بين اليمن والقرن الإفريقي يشكل تهديدًا مباشرًا للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، لكنه يحمل أهمية حاسمة لمصر والسعودية وتركيا، كون أي هجوم على الملاحة البحرية سيؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي والاقتصاد الوطني لهذه الدول.

في القاهرة، تحولت هجمات البحر الأحمر إلى مسألة بقاء اقتصادي؛ إذ ينعكس أي تراجع في حركة السفن على إيرادات قناة السويس. وبحسب المصدر الرئاسي المصري، فإن هناك مراقبة دقيقة وتحركات استخباراتية بحرية لمتابعة النشاط الإماراتي بالتنسيق مع الرياض.

بالنسبة للسعودية، وبعد توتر الشراكة مع أبوظبي في اليمن، تبدو السيطرة على جنوب اليمن مرتبطة مباشرة بأمن حدودها وملف باب المندب؛ حيث يكشف التراجع في نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا عن صراع على وحدة اليمن وشكل السلطة.

أما تركيا، فتنظر إلى البحر الأحمر كامتداد طبيعي لمعادلة أمنها الإقليمي الممتدة من شرق المتوسط وليبيا إلى القرن الإفريقي؛ حيث يمثل التثبيت الأمني البحري محاولة لإعادة توزيع المخاطر بدلاً من مواجهتها على حدودها المباشرة.

بحسب وكالة "الأناضول" التركية، يشكل التنسيق المتزايد بين أنقرة والرياض والقاهرة مؤشرًا قويًا، رغم أن جزءًا منه لا يزال في طور التقديرات، ويرتكز على فهم مشترك بأن البحر الأحمر والقرن الإفريقي يمثلان ساحة واحدة مترابطة؛ حيث يُبنى النفوذ عبر شبكة من الموانئ والقواعد والعلاقات مع السلطات المحلية.

وتبرز جيبوتي كحلقة أساسية في هذه المعادلة، إذ تقع على مفصل باب المندب، وتحوي ترتيبات عسكرية دولية متعددة، مما يجعل أي تفاهمات أمنية جديدة هناك قادرة على إعادة وزن موازين التحكم والمراقبة في الممر البحري.

كما أكد المصدر المصري أن الرياض طالبت القاهرة بتجهيز قواتها البحرية لقطع خطوط الإمداد من الإمارات إلى حلفائها في جنوب اليمن، في خطوة تعكس تحول التنسيق من مجرد سياسة إلى لغة عمليات فعلية؛ حيث تم نشر سفن "ميسترال" المصرية لمراقبة النشاط الإماراتي جنوب البحر الأحمر.

وفي المسار التركي السعودي، عُقد أول اجتماع للتعاون والتنسيق البحري في أنقرة في 8 يناير 2026، وهو مؤشر على أن البحر الأحمر سيكون اختبارًا للثقة قبل توسع الشراكة إلى ملفات أكثر حساسية.

تفكيك النفود

ذكرت وكالة "رويترز" البريطانية أن الصومال، بدعم سعودي تركي مصري، دخل في مواجهة مفتوحة مع الإمارات، حيث ألغت الحكومة في مقديشو جميع الاتفاقات مع أبوظبي، متهمة إياها بتقويض السيادة الوطنية، رغم استمرار بعض الأقاليم مثل أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند علاقاتها مع الإمارات.

وفي أرض الصومال، يستمر النفوذ الاقتصادي الإماراتي من خلال شركة موانئ دبي في ميناء بربرة، والتي تؤكد أن عملياتها مستمرة غير متأثرة بالخلافات السياسية، مستثمرة ما يزيد عن 442 مليون دولار، مما يوضح أن مواجهة النفوذ الإماراتي ليست عملية سهلة أو سريعة، نظرًا لتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية.

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر 2025 أضاف بعدًا جديدًا للصراع؛ حيث تعتبر مراكز بحث غربية مثل "معهد واشنطن للدراسات" هذه الخطوة تغييرًا في قواعد اللعبة في حوض البحر الأحمر، كإشارة لمحاولة ترسيخ نفوذ مضاد بالقرب من باب المندب في وقت حرج من تاريخ الأمن البحري.

سؤال وكالة "رويترز" حول ما إذا كان هذا يعكس بداية نهاية المشروع الإماراتي في أرض الصومال، أجابت بأن المشروع دخل مرحلة دفاعية، وأن ملف الصومال يتحول إلى صراع داخلي على الشرعية وتوقيع الاتفاقات، بينما قد يؤدي دخول السعودية وتركيا كفاعلين أمنيين إلى تعديل قواعد اللعبة بشرط التعامل مع تعقيدات المشهد الداخلي الصومالي.

حلف الضرورة 

وفي تحليل للكاتب التركي كمال أوزتورك نشر في منصة "Kritik Bakış" التركية في يناير 2026، رأى أن التحالف السعودي التركي المصري لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية تفرضها المتغيرات الجيوسياسية، محذرًا من أن استمرار العلاقات دون توثيق قد يترك المجال لقوى أخرى لملء الفراغ.

وأكد أوزتورك أن التفاهم الثلاثي قد تحسن مقارنة بماضي، لكنه لا يزال دون مستوى التحديات، متسائلًا من يستفيد من استمرار هذا التباعد.

وأشار إلى أن التجارب الأخيرة في إقليم أرض الصومال، والسودان، واليمن، أظهرت أن كل دولة تكبدت خسائر جيوسياسية بسبب تحركات إسرائيل وحلفائها في المنطقة.

وأضاف أن السعودية ومصر وتركيا تعاونت في ملفات حساسة كدعم إدارة أحمد الشرع في سوريا، وأسهم هذا التنسيق في تقليل الفوضى وفتح مسارات واقعية لإدارة الصراعات.

وشدد على أن التقارب المصري التركي بات واضحًا في ملفات الصومال والسودان، مع إعادة ضبط أنقرة لموقفها في ليبيا بما يتقارب مع الرؤية المصرية، مما يفتح الباب لتوسيع التعاون ليشمل ملفات أخرى.

وأشار إلى أن تأسيس تحالف حقيقي بين الدول الثلاث لن يؤثر عليها فقط، بل سيطلق ديناميكيات سياسية واقتصادية في كامل الإقليم، وسيعود بالفائدة على الشعوب عبر فرص أكبر للاستقرار والتنمية.

واختتم تحليله بتحذير من أن السنوات القادمة قد تشهد مزيدًا من الفوضى، مؤكدًا أن إسرائيل لن تدعم استقرارًا حقيقيًا في المنطقة ولن تقيم تحالفات صادقة مع الدول الإسلامية.