اتفاق الحكومة السورية مع "قسد".. يحل عقد المنطقة أم يصنع أخرى جديدة؟

"تداعيات الاتفاق تتجاوز كونها تطوراً إقليمياً عابراً، لتتحول إلى ملف استراتيجي قادر على إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بالجوار"
لا شك أن الحرب الأهلية السورية أنتجت من فاعلين جدد تجاوز تأثيرهم حدود سوريا. وفي مقدمة هؤلاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تحولت من قوة محلية في شمال شرق البلاد إلى لاعب إقليمي مؤثر في أمن العراق وتركيا وتوازنات المنطقة.
مركز “أنكاسام” التركي للدراسات أرجع في مقال للكاتب "سلجوق باجالان" ذلك التحول إلى ثلاثة عوامل رئيسة؛
هي اعتماد "قسد" البنيوي على عناصر حزب العمال الكردستاني “بي كا كا” ذي الطابع العابر للحدود، وارتباطها الهيكلي بالولايات المتحدة، وقدرتها على استثمار الفراغات الأمنية والسياسية في المنطقة وتحويلها إلى مكاسب إستراتيجية.
في هذا السياق، يكتسب الاتفاق الذي أُعلن في 18 يناير/ كانون الثاني 2026 بين الحكومة السورية وقسد أهمية خاصة، ليس فقط على مستوى الداخل السوري، بل أيضا من حيث انعكاساته المباشرة على دول الجوار لا سيما العراق.
وقد جرى تسويق هذا الاتفاق في الإعلام بوصفه اتفاق "وقف إطلاق نار" أو "اندماج"، غير أن مضمونه الفعلي وطريقة صياغته والسياق الإقليمي المحيط به يثير جملة من المخاوف الجدية، خصوصا لدى تركمان العراق الذين يُحتمل أن يكونوا من أكثر المتضررين من نتائجه العملية.

أبعاد إقليمية
استهل الكاتب التركي مقاله بالقول إنه لا يمكن فهم اتفاق دمشق–قسد بمعزل عن التحركات التي سبقته.
ففي 17 يناير، عقد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، اجتماعا في أربيل؛ حيث اجتمع بزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني وقيادة "قسد" وعناصر رفيعة من حزب العمال الكردستاني.
يكشف هذا اللقاء أن الاتفاق لم يكن نتاج تفاهم ثنائي بين دمشق وقسد فحسب، بل جاء نتيجة تنسيق أوسع شاركت فيه واشنطن وأربيل، وبصورة غير مباشرة قيادة حزب العمال الكردستاني في قنديل.
هنا تبرز أهمية دور إقليم كردستان العراق الذي انتهج تاريخيا سياسات معقدة تجاه حزب العمال الكردستاني، تراوحت بين الصدام العسكري والتوازن الضمني واستخدام وجود الحزب كورقة ضغط في التفاوض الإقليمي.
ويعيد اجتماع أربيل إلى الواجهة سؤالاً بالغ الحساسية: إذا تمَّ إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السورية من الأراضي السورية، فأين ستكون وجهتهم التالية؟
وفي ظل هشاشة عدد من الساحات الإقليمية، يبدو العراق – لا سيما شماله – المرشح الأبرز لاحتضان هذا الانتقال القسري.
وتابع الكاتب: سبق اتفاقَ كانون الثاني/يناير 2026 تفاهمٌ آخر، كان قد وُقّع في 10 آذار/مارس 2025 بين قائد "قسد" مظلوم عبدي وأحمد الشرع، حيث نصّ على حل "قسد" ودمجها في القوات المسلحة السورية.
وقد بدا هذا الاتفاق في بدايته إيجابيا؛ إذ اعترف بالأكراد السوريين كمكوّن أصيل من مكونات الدولة، و سعى إلى دمج البنى العسكرية والمدنية القائمة في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة المركزية.
إلا أن هذا المسار سرعان ما تعثر، وذلك بسبب إصرار قسد على تفسير الاتفاق من منظور "الحكم الذاتي"، وهو ما قاد إلى انسداد سياسي، وزاد من الغموض حول مصير عناصر حزب العمال الكردستاني المنتشرين ضمن صفوف قسد.
ومع تعثر هذا المسار، عاد ملف حزب العمال الكردستاني ليشكل العقدة الأساسية في أي تفاهم سوري–كردي، وفي أي ترتيبات إقليمية لاحقة.

جوهر القلق
وأوضح الكاتب التركي أن اتفاق دمشق–قسد الأخير يتكوّن من 14 بنداً، غير أن البند الثاني عشر يُعد الأكثر حساسية بالنسبة للعراق؛ إذ ينص هذا البند على التزام قسد بإخراج جميع عناصر حزب العمال الكردستاني غير السورية خارج حدود الجمهورية العربية السورية، وهذا بذريعة "ضمان السيادة واستقرار الدول المجاورة".
غير أن هذه الصياغة، رغم ما تحمله من طابع إيجابي ظاهرياً، تخفي قدراً كبيراً من الغموض والخطر. فإنّ إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا لا يعني بالضرورة نزع سلاحهم، أو تفكيك تنظيمهم، أو إنهاء وجودهم العسكري.
بل على العكس، قد يؤدي هذا الإجراء إلى إعادة توجيه هذه العناصر نحو ساحات أخرى أكثر هشاشة، وهو ما يجعل العراق في مقدمة الدول المعرضة لهذا الخطر.
وتُعد مناطق شمال العراق، وخاصة تلك التي يتركز فيها التركمان مثل تلعفر، والموصل، وكركوك، وطوز خورماتو، وكفري، بيئات مناسبة لمثل هذا التسلل، وذلك نظراً للتصدعات الإثنية وتعدد القوى الأمنية وضعف السيطرة المركزية هناك.
وأشار الكاتب إلى أن المناطق التركمانية في العراق تعاني منذ عام 2003 من تراجع سلطة الدولة وتعدد الفاعلين المسلحين، وهو ما جعلها عرضة مستمرة للتهديدات الأمنية.
وحتى بعد هزيمة تنظيم الدولة، لم تتمكن الحكومة المركزية من فرض سيطرة كاملة ومستقرة على مناطق مثل كركوك ومحيطها، الأمرُ الذي خلق فراغات أمنية استغلتها جماعات مسلحة متعددة، من بينها حزب العمال الكردستاني الذي سبق له أن نشط في سنجار ومخمور وأرياف كركوك.
وفي حال انتقال عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا إلى العراق، فإن الاحتمال الأكبر هو تركّز نشاطهم في المناطق التركمانية، ليس فقط بسبب هشاشتها الأمنية، بل أيضاً بسبب وضعها السياسي المتنازع عليه بين العرب والأكراد، وتعدد الجهات المسؤولة عن أمنها.
وهذا الواقع يجعل التركمان الحلقة الأضعف في أي صراع أمني جديد.

مخاوف وتحذيرات
ولفت الكاتب التركي إلى أن تصريحات النائب أرشد الصالحي، وهو ممثل الجبهة التركمانية العراقية في كركوك، عبّرت عن قلق عميق داخل المجتمع التركماني.
إذ طالب الحكومة العراقية بتوضيح ما إذا كانت لديها معلومات استخبارية مؤكدة حول احتمال تسلل عناصر حزب العمال الكردستاني إلى العراق، وما هي الإجراءات المتخذة لمنع وصولهم إلى مدن تركمانية حساسة.
وتكشف هذه التصريحات أن التركمان ينظرون إلى الاتفاق بوصفه تهديداً مباشراً للأمن الداخلي العراقي، لا مجرد تطور خارجي.
ولم يقتصر هذا القلق على التركمان وحدهم، إذ أبدى الزعيم الشيعي مقتدى الصدر موقفاً لافتاً حين حذر من التعامل بسذاجة مع التطورات الجارية قرب الحدود السورية، معتبرا أن "الخطر على الأبواب".
لذلك فإنّ هذا الموقف يعكس إدراكاً متزايداً داخل النخبة السياسية العراقية، بأن ملف حزب العمال الكردستاني/قسد لا يخص مكوّناً واحداً، بل يمس الأمن الوطني العراقي ككل.
إنّ هذه التطورات الإقليمية تتداخل مع المشهد السياسي المحلي في كركوك، لا سيما بعد انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في كانون الأول/ديسمبر 2023.
فقد أفضت التفاهمات بين المكونات التركمانية والكردية والعربية إلى اتفاق يقضي بتقاسم منصب المحافظ بشكل دوري، وهو ما عُدّ مكسباً مهماً للتركمان بعد سنوات من التهميش.
غير أن تصاعد الخطاب الأمني المرتبط بتهديد حزب العمال الكردستاني، بالتزامن مع اقتراب موعد انتقال المنصب من الأكراد إلى التركمان، يثير مخاوف كلّ من استخدام "الذريعة الأمنية" لتأجيل هذا الاستحقاق أو إفراغه من مضمونه.
فالترويج لتزايد المخاطر الأمنية قد يتحول إلى أداة ضغط سياسية غير مباشرة، تُستخدم للحفاظ على الوضع القائم تحت شعار الاستقرار والأمن.
وعلق الكاتب بأنه رغم أن اتفاق دمشق–قسد ينص رسميا على إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من سوريا، إلا أنّ تطبيقه العملي يحمل مخاطر جدية بنقل هذه العناصر إلى العراق، وهو ما يجعل المناطق التركمانية الهشة أمنيا في صدارة المتضررين.
من هنا، فإن التعامل مع هذا الاتفاق لا ينبغي أن يقتصر على البيانات الدبلوماسية، بل يتطلب من الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات عسكرية واستخبارية واضحة و استباقية.
أما بالنسبة للتركمان، لا يتعلق الأمر بمجرد تهديد أمني مؤقت، بل بقضية تمس وجودهم السياسي، وحقوقهم في الإدارة المحلية، ودورهم التاريخي في الدولة العراقية.
لذلك، فإن تداعيات اتفاق دمشق–قسد تتجاوز كونها تطوراً إقليمياً عابراً، لتتحول إلى ملف إستراتيجي قادر على إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في العراق، وذلك في حال لم يُدَر هذا الاتفاق بحذر ووعي شامل.
















