لحظة حساسة.. لماذا تخشى السعودية من انهيار النظام الإيراني؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تقف الرياض وطهران على ضفتي الخليج المتقابلتين كخصمين لدودين منذ سنوات طويلة؛ ففي عام 2017 وصف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأنه "هتلر جديد في الشرق الأوسط"، ويرى أن التعامل مع طهران "لا جدوى منه".

لكن في الآونة الأخيرة، ومع تصاعد الأزمات الداخلية والخارجية في إيران وسط ترقب الموقف الأميركي، تحدثت تقارير عدة عن أن الرياض لم تستغل الموقف لتوجيه ضربة إلى خصمها التقليدي، بل بادرت إلى تبني نهج مغاير عن موقف واشنطن.

وبينما أبدت إسرائيل حماسة واضحة لاستغلال الموقف لإضعاف خصمها التقليدي، بل وحتى التطلع إلى انهيار النظام الإيراني، اتخذت السعودية موقفا مغايرا تماما. 

فحسب تقرير لموقع "تينسنت" الصيني "اختارت الرياض في هذه اللحظة الحساسة أن تلتزم الصمت، لا بالانضمام إلى حملات الإدانة الغربية ولا بإرسال إشارات انحياز، بل عبر التريّث والحفاظ على نبرة منخفضة".

ويرى الموقع الصيني أن "هذا الموقف السعودي ليس مجرد امتناع عن اتخاذ موقف بل هو تعبير مدروس".

سيناريو كارثي

ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية عن مصادر قولها: إن "خصوم إيران من دول الخليج العربي، ومن بينهم السعودية وعُمان وقطر، مارسوا ضغوطا على إدارة الرئيس دونالد ترامب، في محاولة لثنيها عن توجيه ضربة عسكرية ضد إيران".

وبحسب الصحيفة، "حذّر مسؤولون خليجيون من السعودية وعُمان وقطر البيت الأبيض في لقاءات غير معلنة بأن محاولة إسقاط النظام الإيراني ستؤدي إلى اضطراب أسواق النفط العالمية، وهو ما سينعكس سلبا على الاقتصاد الأميركي". 

"كما أعربوا كذلك عن خشيتهم من أن يؤدي ذلك أيضا إلى ردود فعل داخلية في بلدانهم". وفق التقرير.

فضلا عن ذلك، أفادت الصحيفة بأن "مسؤولين سعوديين طمأنوا إيران بأن المملكة لن تنخرط في أي صراع محتمل، ولن تسمح باستخدام مجالها الجوي لشن ضربات أميركية ضد إيران، في محاولة للنأي بنفسها عن أي عمل عسكري محتمل".

من جانبها، أوضحت وزارة الخارجية القطرية، في 13 يناير/ كانون الثاني 2026، أن الدوحة تجري اتصالات مستمرة للمساعدة في حل الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران.

ولفت التقرير الصيني إلى أنه "برغم الخصومة الإقليمية بين إيران ذات الأغلبية الشيعية، والسعودية ذات الأغلبية السنية، إلا أنَّ دول الخليج، ورغم صمتها العلني، تعارض في مجملها أي تدخل عسكري أميركي ضد إيران".

فوفقا له، "تخشى هذه الدول من أن تؤدي ضربة عسكرية أميركية إلى تعطيل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الواقع عند مدخل الخليج العربي، والذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية".

وأردف: "تتوجس دول الخليج من التداعيات الاقتصادية والسياسية الخطيرة التي قد تترتب على تصعيد الأزمة أو انهيار النظام الإيراني؛ حيث بات يتضح أن المخاوف الخليجية من الوضع الإيراني لا تقتصر على الحسابات الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى هواجس سياسية وأمنية أعمق".

واستدل على ذلك بالإشارة إلى ما أوضحه السفير الأميركي السابق لدى السعودية مايكل راتني، من أن "دول الخليج، رغم عدائها للنظام الإيراني، ترفض بشدة الانزلاق نحو الفوضى". محذرا من أن "فتح باب تغيير النظام سيؤدي إلى حالة من عدم اليقين غير المرغوبة".

وتابع: "رغم أن السعودية ودول الخليج الأخرى لا يعارضون تقليص القدرات العسكرية والنووية لإيران، إلا أنهم يخشون من أن تؤدي الإطاحة بخامنئي إلى ظهور بدائل أسوأ بالنسبة لهم".

وأكمل: "قد تؤول الأوضاع إلى شيء مماثل أو أسوأ، مثل سيطرة الحرس الثوري الإيراني، أو ظهور الفوضى وتفكك الدولة إلى كيانات متصارعة، وهو سيناريو تعتبره الرياض كارثيا". 

وأضاف: "بمجرد أن يختفي النظام الإيراني، سيصبح الوضع خطيرا للغاية".

وشدد التقرير على أن "السعودية، بشكل خاص، حساسة تجاه أي تذبذب في الوضع الإيراني؛ إذ تخشى قيادتها أن تتسبب أي اضطرابات إقليمية في احتجاجات داخلية، وتسليط الضوء على سجلها في التعامل مع المتظاهرين".

منعطف حاسم

من جانب آخر، لفت موقع "تينسنت" إلى أن الرياض "تقلق من أن تتعرض طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية، المتمثلة في رؤية 2030 التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، لأي تعطيل".

وأردف: "بالنسبة للمملكة، يُعد جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير الصناعات غير النفطي، وبناء توقعات تنموية مستقرة، من أهم أولوياتها".

"وهكذا، فإن غرق إيران في حالة من عدم الاستقرار سيؤدي حتما إلى سلسلة من ردود الفعل، من تدفق اللاجئين وصعود القوى المتطرفة، مما سيؤثر بشكل مباشر على عملية التحول في السعودية وبيئتها الأمنية". بحسب رأيه.

من منظور أوسع، يرى الموقع أن "تحول موقف الرياض بشأن إيران يعكس تطور الخيار السعودي إزاء المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط".

وتابع موضحا: "ففي الماضي، عندما كانت الدول الإقليمية تواجه أزمات وتذبذبات، كان تدخلها غالبا يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل".

واستدرك: "إلا أن التاريخ أثبت مرارا وتكرارا أن إثارة الفوضى لا تجلب الازدهار الحقيقي، بل تُغرق المنطقة بأسرها في دوامة لا تنتهي من الاضطرابات".

في هذا السياق، انتقل موقع "سوهو" للحديث عن الدور الصيني في الشرق الأوسط قائلا: "في غضون ذلك، يتزايد بروز الدور الصيني في شؤون الشرق الأوسط، فبفضل وساطة الصين، طبعت السعودية وإيران علاقاتهما عام 2023، منهية بذلك سنوات من المواجهة".

وأضاف: "لم يكن هذا الإنجاز إجراء مؤقتا، بل تعديلا إستراتيجيا قائما على المصالح طويلة الأمد للطرفين".

واستطرد: "والآن، في منعطف حاسم من الاضطرابات في إيران، يُعد اختيار السعودية الصمت استجابة إيجابية لدعوة الصين إلى (عدم التدخل في الشؤون الداخلية وإعطاء الأولوية للحوار والتشاور)".

واسترسل: "لقد استوعبت السعودية بوضوح اقتراح الصين بتعزيز الحوار السلمي، وتبرهن أفعالها على جدواه العملية".

تهديد وجودي

من جانب آخر، لفت موقع "تينسنت" إلى "بروز قلق سعودي عميق من أن مصير إيران قد يكون نذيرا لمصير المملكة نفسها".

وقال: "السعودية تخشى اضطرابات إيران لأن النظامين الدينيين في الرياض وطهران (متعارضان، لكنهما في الوقت نفسه يمنحان بعضهما الشرعية)، فإذا انهار النظام الإيراني، قد يواجه النظام السعودي مطالب مماثلة بالتغيير".

وأضاف: "اضطرابات إيران تثير في السعودية خوفا أكبر من أي عدو خارجي؛ حيث إن مشاهد الشوارع المشتعلة والهتافات في مئات المدن الإيرانية تبعث القلق في الرياض: (اليوم إيران، غدا السعودية)".

وأوضح أن "النظامين السعودي والإيراني في حالة تنافس، لكن مصيرهما السياسي مترابط، فإذا انهار أحدهما، يفقد الآخر مبرر وجوده الأساسي: (إما أن يتعايشا معا، أو يسقطا معا)".

واستطرد: "أي تغيير في النظام الإيراني قد يدفع الشباب السعودي للمطالبة بالتحول ذاته، وهو سيناريو بالغ الخطورة بالنسبة لسلطة تواجه أصلا جدلا حول طبيعتها الاستبدادية".

ولفت الموقع إلى أن "عاملا جديدا قد يغير حسابات السعودية بشكل جذري، وهو النفط".

وتابع: "فمع توسع السيطرة الأميركية على الاحتياطات النفطية الضخمة في فنزويلا، فإن تحديث البنية التحتية هناك وضخ كميات كبيرة من النفط عالي التكلفة إلى السوق سيجعل من الضروري الحفاظ على أسعار مرتفعة لتحقيق الجدوى الاقتصادية".

وهو ما يتطلب -بحسب الموقع- إخراج أحد كبار المنتجين من السوق، ما يضع إيران والسعودية في موقع إستراتيجي واحد.

"وفي مثل هذا السيناريو، قد تتحول الخصومة التاريخية بين الرياض وطهران إلى تقارب غير مريح في المصالح، وربما إلى مصير مشترك يفرضه الواقع الجيوسياسي والاقتصادي"، وفقا له.