في صدارة المشهد.. إلى أي مدى بإمكان تجار "البازار" إسقاط نظام ملالي إيران؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في إيران تمثل "نقطة تحول واضحة؛ إذ أعادت الإغلاقات المنسقة لـ"البازار الكبير" في طهران وضع التجار في صدارة المشهد، بما أسهم في تسريع انتشار المظاهرات.

وهو ما يطرح سؤالا، حسب موقع "زينيت" الألماني، عن كيفية الحفاظ على هذا الزخم، وعما إذا كانت مظاهرات 2025 تمثل تحديا سياسيا مستمرا للنظام، قد يفضى في نهاية المطاف لسقوطه.

أدوار حاسمة

واستهل الموقع تقريره قائلا: "في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025، اندلعت موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران، انطلاقا من السوق الكبير والمناطق التجارية المحيطة به في طهران".

هذه التحركات جاءت نتيجة أزمة اقتصادية حادة اتسمت بانهيار العملة، وتقلبات أسعار الصرف، وتضخم متسارع.

فقد انهارت قيمة الريال بشكل كبير ليصل سعر الصرف إلى نحو 1.4 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، الأمر الذي دفع أصحاب المتاجر وتجار البازار والاتحادات التجارية إلى إغلاق محالهم وتنظيم تجمعات احتجاجية.

وهذه الموجة تميزت بكونها خرجت من قطاع البازار التقليدي المحافظ الذي كان يُنظر إليه طويلا بصفته مرتبطا بالمؤسسة السياسية.

فعلى خلاف موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران بعد عام 1979، والتي غالبا ما انطلقت من الشباب أو الطلاب أو الفئات المهمشة، تميزت احتجاجات ديسمبر/ كانون الأول 2025 بكونها بدأت من تجار البازار وأصحاب المتاجر.

وعلى الرغم من أن الاحتجاجات بدأت بدوافع اقتصادية، فإنها سرعان ما تحوَّلت إلى حراك سياسي صريح، فقد عكست الشعارات المناهضة للحكومة انتقالا من المطالب المعيشية إلى انتقادات للنظام نفسه.

وبحسب رأيه، "أسهم إغلاق المتاجر في مراكز تجارية رئيسة بالعاصمة تسريع انتشار الاحتجاجات داخل طهران وخارجها، وجذب اهتماما واسعا في وسائل الإعلام المحلية والدولية".

ثم أوضح التقرير أنه "سرعان ما تداخلت هذه الاحتجاجات مع التحركات الطلابية، لتربط بين البازار والجامعات التي ارتبطت تقليديا بالطبقة الوسطى الحضرية في إيران".

فقد خرجت مظاهرات وبيانات تضامن من مؤسسات بارزة في طهران، مثل جامعة طهران، وجامعة أمير كبير، وجامعة الشهيد بهشتي، إضافة إلى جامعات في مدن أخرى مثل جامعة كردستان في سنندج وجامعة فردوسي في مشهد.

وعقّب الموقع: "هذا التقارب أوجد ديناميكية عابرة للطبقات الاجتماعية، وأسهم في توسيع القاعدة المجتمعية للاحتجاجات، ما جعلها أكثر تأثيرا وانتشارا".

وبحسبه، "مشاركة التجار حولت رد الفعل الاقتصادي الأولي على انهيار السوق إلى تحدٍّ اجتماعي وسياسي أوسع، وأكدت على الدور الرمزي والتعبوي للبازار في المشهد الاحتجاجي الإيراني".

في الخلفية، أوضح الموقع أن "البازارات التقليدية في إيران، وفي مقدمتها البازار الكبير في طهران إضافة إلى بازارات المراكز التاريخية مثل أصفهان وتبريز، لم تكن مجرد أماكن للتجارة".

وتابع: "بل شكلت شبكات اجتماعية وثقافية واقتصادية متماسكة، أتاحت عبر التاريخ التضامن والتبادل المعلوماتي والعمل الجماعي، مما جعلها ساحات رئيسية للاحتجاجات العامة".

ولفت إلى أن "البازارات لعبت، قبل عام 1979، أدوارا حاسمة في محطات مفصلية، منها احتجاجات التبغ عام 1891 و1892 والثورة الدستورية بين 1905 و1911".

وأسهمت الإضرابات وإغلاق المتاجر، غالبا بالتحالف مع رجال الدين، في تحدي سلطة الدولة وإعادة تشكيل المؤسسات السياسية. وفق التقرير.

وأردف الموقع: "وفي أواخر عهد محمد رضا بهلوي شاه إيران، سعت سياسات الدولة التحديثية والتنموية إلى تهميش البازار اقتصاديا واجتماعيا".

واستدرك: "لكن المفارقة أن هذه الجهود عززت تماسكه الداخلي واستقلاليته وقدرته التنظيمية، مما مكنه من التعبئة الفعالة خلال فترة الثورة".

"فبحلول أواخر السبعينيات كان البازار يسيطر على نسبة كبيرة من تجارة الجملة والاستيراد، ويعمل كمحور رئيس للنشاط الاقتصادي غير الرسمي والتواصل السياسي". يقول التقرير.

ويكمل: "ومن ثم أسفرت إضرابات البازار عن خسائر فادحة في إيرادات الدولة، وأسهمت بشكل كبير في انهيار نظام بهلوي".

اعتماد متبادل

أما بعد ثورة 1979، فقد أشار التقرير إلى أن البازار "اتخذ موقعا أكثر محافظة وموالاة للنظام، وقدم دعما ماليا واجتماعيا هاما للسلطة".

ويرجع ذلك إلى أن "الجمهورية الإسلامية التي تشكل وعيها السياسي على وقع تجربة القوة الثورية للبازار، عملت على احتوائه وتنظيمه عبر نقابات واتحادات وهياكل أمنية قريبة من الدولة، فيما خضعت قطاعات اقتصادية مهمة لسيطرة أطراف مرتبطة بالنخبة الحاكمة".

وتحقق ذلك عبر "المؤسسات الرسمية والهيئات الثورية، التي عملت عمليا على إضعاف استقلاليته السياسية والحد من قدرته على الحشد المستقل".

وتابع الموقع: "وكما شدد آية الله الخميني في السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية، فقد صيغت العلاقة بين الدولة والبازار على أساس الاعتماد المتبادل، بحيث ارتبط بقاء كل طرف بالحفاظ على الآخر".

"وهو ما جعل تأثير البازار السياسي مرتبطا بعلاقته مع الدولة، وهي علاقة شهدت تقلبات عبر الزمن، ما جعلها قادرة على تعزيز الاحتجاجات أو كبحها"، وفق الموقع.

وهكذا، "تفسر هذه العلاقة لماذا لم يلعب البازار دورا حاسما في احتجاجات 2009 و2018 و2019، ولم يكن حضوره في مظاهرات عام 2022 سوى رمزيا إلى حد كبير".

واستطرد الموقع: "ففي تلك الحالات جاءت التعبئة أساسا من الأحياء الفقيرة والفئات المهمشة والتحالفات الاجتماعية الواسعة، وليس من نقابات البازار المنظمة".

أما تظاهرات عام 2025، فقد بدأت بإضرابات بدلا من احتجاجات الشوارع، وكانت مدفوعة بضغط اقتصادي حاد.

وأردف التقرير: "وبالمقارنة مع احتجاجات عام 2022 التي انطلقت ديناميكيتها أولا من المناطق الكردية قبل أن تمتد لاحقا على مستوى البلاد، كان مستوى المشاركة في الأقاليم الحدودية مثل كردستان وسيستان وبلوشستان أقل في مراحله الأولى، غير أن هذا التوازن قد يتغير مع استمرار تطور مسار الاحتجاجات".

عسكرة الاحتجاجات

وتطرق الموقع الألماني إلى الأسباب التي تجعل هذه الاحتجاجات تختلف "اختلافا جوهريا" عن الاحتجاجات السابقة، ولماذا ستشكل "تحديا سياسيا مستمرا للنظام".

فقال: "في المناطق الحدودية المتنوعة إثنيا في إيران، لعبت القيادات الدينية والمجتمعية المحلية دورا متحفظا، لكنه كان واضحا خلال الاحتجاجات الأخيرة".

ودعت شخصيات -مثل مولوي عبد الحميد في سيستان بلوشستان ورجال الدين السنة المعروفين باسم ماموستا في كردستان- المتظاهرين وقوات الأمن إلى تجنب مزيد من التصعيد والعنف، وأعلنوا دعمهم العلني لمطالب المحتجين. 

ولفت التقرير إلى أن "الاحتجاجات في هذه المناطق، على خلاف عام 2022، اتخذت طابعا إثنيا ومجتمعيا بارزا؛ حيث لم تتحول مواقف هذه القيادات آنذاك إلى تعبئة منظمة ومنسقة، بل بقي تدخلهم في الغالب خطابيا ووسيطا".

في المقابل، اتخذ فاعلون عرقيون وسياسيون غير دينيين في كردستان وبلوشستان مواقف وصفها الموقع أنها "أكثر صدامية".

وأوضح هذه المواقف قائلا: "أعلنت شبكات مختلفة من النشطاء العرقيين وجماعات معارضة تضامنها الصريح مع المحتجين، ووجهت تحذيرات للسلطات من أن استمرار القمع قد يستجلب ردود فعل مباشرة".

وبحسبه، "كانت هذه المؤشرات أكثر وضوحا في المناطق الكردية؛ حيث سعت منظمات سياسية راسخة إلى تحقيق مستوى غير مسبوق من التنسيق".

وفي هذا السياق، عقدت عدة أحزاب كردية معارضة بارزة اجتماعا تنسيقيا رفيع المستوى، ترأسه مصطفى هجري، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، بصفته المنسق الدوري لمركز الحوار والتعاون بين الأحزاب الكردية في إيران.

ووصفت هذه الأحزاب الموجة الجديدة من الاحتجاجات والإضرابات والتظاهرات بأنها نتيجة مباشرة لسنوات من الفساد وسوء الإدارة والسياسات المنهجية المعادية للمجتمع، كما أدانت القمع العنيف للاحتجاجات في كرمانشاه وإيلام ولورستان.

وفي ضوء ما تشهده الساحة الكردية من "تشرذم تاريخي وتنافس بين الحركات السياسية"، يرى الموقع أن "مجرد تحقيق تنسيق ولو محدود ضمن إطار يشبه (غرفة عمليات) يعد تحولا لافتا في البنية الداخلية لسياسات المعارضة في إيران".

واستطرد: "ومن اللافت أيضا أن هذه الأحزاب الكردية دعت تجار البازار في المناطق الكردية إلى المشاركة في إضراب وطني عام في 8 يناير/ كانون الثاني 2026".

"بالتزامن مع هذه التطورات السياسية، تصاعدت حدة الاحتجاجات في بلوشستان". يقول التقرير.

وتابع: "ففي السابع من يناير/ كانون الثاني 2026، نشرت جماعة تُطلق على نفسها اسم (جبهة مقاتلي الشعب) بيانا مقتضبا أعلنت فيه مسؤوليتها عن اغتيال قائد مركز شرطة شهردراز في إيرانشهر".

ووفقا للبيان، نُفذ الاغتيال "ردا على المجازر وقمع المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد، وبهدف محاسبة نظام ولاية الفقيه على الجرائم المرتكبة ضد الشعب الإيراني". 

وزعمت الجماعة أن القائد شارك شخصيا في قتل مواطنين بلوش، وبالتالي "تم القضاء عليه في عملية مُستهدفة".

ورغم أن الموقع أفاد بأن "هذه الحوادث بقيت محدودة، إلا أنها في الوقت نفسه تبرز الخطر المستمر المتمثل في عسكرة الاحتجاجات واستغلالها في المناطق الطرفية من إيران".

وأوضح مقصده قائلا: "فإلى جانب كردستان وبلوشستان؛ حيث التعبئة الإثنية تقليديا أكثر وضوحا، امتدت الاحتجاجات الأخيرة أيضا إلى بلدات صغيرة مثل ملكشاهي في محافظة كرمنشاه وعبدانان في محافظة إيلام، وهي مناطق يقطنها في الغالب أبناء مجتمعات اللور والبختياريين".

ونوه إلى أن "هذه المناطق التي سجلت أيضا نسب مشاركة انتخابية منخفضة في الاستحقاقات الأخيرة، تعكس أنماطا طويلة الأمد من التهميش السياسي والاقتصادي".

اختلاف جوهري

ويرى الموقع أن "مشاركة هذه المجتمعات تكشف أحد أبرز التناقضات في السياسة الإيرانية، فرغم أن الدولة تعترف رسميا بالتنوع الإثني، فإن تطبيقه العملي يبقى انتقائيا وإقصائيا".

"إذ تميل سياسات الاعتراف والدمج إلى إعطاء الأولوية لبعض المجموعات، وفي مقدمتها الأذربيجانيون، وبدرجة أقل الأكراد والبلوش، خصوصا في ظل الحكومات الإصلاحية أو شبه الإصلاحية الأخيرة، بينما تظل مجتمعات مثل اللور والبختياري مهمشة بشكل هيكلي". وفق قوله.

ومن ثم، خلص الموقع إلى أن "بروز هذه الفئات في مشهد الاحتجاجات لا يعبر عن مقاومة عابرة فحسب، بل يشير إلى توترات أعمق وغير محلولة، متجذرة في النهج غير المتكافئ والهرمي الذي تنتهجه إيران في التعامل مع الأقليات العرقية".

أما مشاركة تجار البازار في الاحتجاجات فهي -وفق التقرير- دلالة تتجاوز بكثير همومهم الاقتصادية المباشرة. 

وتابع: "فهذه الطبقة الاقتصادية التي ارتبطت تقليديا بالنظام وتميزت بالاستقرار النسبي تشير مشاركتها إلى أن الضغط الاقتصادي بلغ مستوى لم تعد معه حتى النقابات الراسخة والمحمية نسبيا قادرة على الاستمرار في نشاطها المعتاد".

في المحصلة، يعتقد التقرير أن "هذه التطورات تحمل رسالة سياسية واجتماعية قوية: الأزمة الاقتصادية لم تعد مقتصرة على الفئات المهمشة أو المعرضة للخطر، بل أخذت تقوض بشكل متزايد أسس الفئات التي كانت تاريخيا جزءا من البنية الاجتماعية للنظام".

استنادا إلى ما سبق، يشدد الموقع على أن "موجة الاحتجاجات في أواخر عام 2025 تختلف بشكل جوهري عن الاحتجاجات السابقة".

وفسر حديثه قائلا: "فعلى خلاف احتجاجات 2018 و2019 التي انطلقت أساسا من الفئات ذات الدخل المنخفض والمهمشة، وعلى خلاف احتجاجات 2022 التي حملت مطالب اجتماعية وثقافية وحقوقية؛ جاءت الاحتجاجات الأخيرة من صفوف ما يشبه النخبة الاقتصادية، أي البازار، وطرحت في الوقت نفسه رسالة سياسية واسعة النطاق".

واستطرد: "ومن هناك بدأت الاحتجاجات تتقاطع مع تعبئة الطلاب ومجموعات اجتماعية أخرى في المدن الكبرى والبلدات الصغيرة، مما أوجد ديناميكية أكثر تعقيدا وعابرة للطبقات".

ولفت التقرير إلى أن "هذه التطورات تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى السياق المؤسسي الأوسع للجمهورية الإسلامية".

وأضاف: "ففي ظل غياب قنوات قانونية فعالة للمشاركة، وفي نظام سياسي جرى فيه إضعاف أو تفكيك منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المستقلة بشكل منهجي؛ يمتلك البازار قدرة خاصة على العمل الجماعي".

وأردف: "ورغم تراجعه النسبي منذ ثورة 1979، ما زال البازار يعمل عبر نقابات وجمعيات ومجالس منظمة، الأمر الذي يتيح له نشر إشارات احتجاجية أكثر تنظيما وتنسيقا مقارنة بالعديد من المجموعات الاجتماعية غير الرسمية أو العفوية".

في الوقت نفسه، يؤكد أنه "لا ينبغي المبالغة في تقدير هذه القدرة، فسياسات الدولة خلال العقود الماضية لم تعزز البازار بشكل جوهري ولم تحافظ على شبكاته الاجتماعية التقليدية، بل أسهمت في إضعافه وتقليص قدرته على التعبئة طويلة الأمد".

ومع ذلك، يعتقد أن "الاحتجاجات الأخيرة كشفت أن البازار ما زال قادرا على أن يكون منصة مهمة لتعبئة اجتماعية أوسع عندما يتقاطع الضغط الاقتصادي مع السخط السياسي".

وفي ختام تقريره، تساءل الموقع: "هل يستطيع تجار البازار والطلاب والمجموعات الإثنية وأجزاء من الشتات صياغة مطالبهم ضمن إطار مشترك يمارس ضغطا متعدد الأبعاد على الدولة".

وتعود أهمية هذا التقارب إلى أنها ستمثل -بحسب الموقع- "تحولا نوعيا من اضطرابات متفرقة إلى تحدٍّ سياسي مستمر".

من جانب آخر، يرى التقرير أن النظام الإيراني في ورطة؛ "إذ ليس الواضح كيف سيتعامل النظام مع تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية، خصوصا في ظل الضغوط الخارجية القوية بما في ذلك احتمال مواجهة عسكرية مع إسرائيل والولايات المتحدة".

 واختتم قائلا: "سيكون من المهم مراقبة ما إذا كان صناع القرار في طهران سيحاولون مجددا استغلال صراع خارجي كما حدث خلال ما عرف بحرب الأيام الاثني عشر، أم أن مثل هذه الإستراتيجية ستؤدي بدلا من ذلك إلى تفاقم المواجهة الداخلية بين قوات الأمن وشعب يزداد شعوره بخيبة الأمل".


المصادر