مع تزايد التوقعات بحرب أميركية جديدة على إيران.. أي دور سيلعبه الحوثيون؟

منذ تداعيات "طوفان الأقصى" دخل الحوثيون طوراً جديداً من الانخراط في الصراع الإقليمي
مصطفى كمال
في خضم التصعيد العسكري الأميركي المتسارع تجاه إيران، ومع إعلان الرئيس دونالد ترامب اكتمال الجاهزية لتنفيذ ضربة عسكرية محتملة، مقرونةً بمهلة زمنية قصيرة لا تتجاوز 10 إلى 15 يوماً لفرض تسوية بشروط أميركية، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة عالية الاضطراب، تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات كسر الإرادة السياسية.
وفي المقابل، يواصل الخطاب الإيراني الرسمي التأكيد على رفض الانصياع للضغوط الدولية، في تعبير واضح عن تمسك طهران بإستراتيجية الصمود ورفع سقف المواجهة.
ضمن هذا المشهد المتوتر، تتجلى الأذرع الإقليمية لإيران بوصفها الركيزة الأكثر فاعلية في إدارة الصراع غير المباشر؛ حيث تعتمد طهران على المليشيات الحليفة كأدوات متقدمة لإرباك الخصوم، ونقل المواجهة إلى ساحات مفتوحة جغرافياً وسياسياً، بما يخفف الضغط عن الداخل الإيراني ويعيد رسم معادلات القوة في الإقليم.
ويبرز الحوثيون في اليمن كأحد أكثر هذه الأذرع حضوراً وتأثيراً، بعدما تجاوزوا الإطار المحلي للنزاع، وانتقلوا إلى موقع الفاعل الإقليمي المرتبط مباشرة بحسابات الصراع الدولي.
منذ تداعيات «طوفان الأقصى»، دخل الحوثيون طوراً جديداً من الانخراط في الصراع الإقليمي، مكّنهم من توسيع هامش دورهم السياسي والعسكري، خصوصاً عبر تهديدهم المباشر لأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، والانخراط في مواجهات مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعلى الرغم من الخسائر القاسية التي تكبدتها الجماعة نتيجة هذا الانخراط غير المتكافئ، فإن عام 2025 شكّل ذروة الحضور الحوثي من حيث التأثير الإستراتيجي والوظيفة السياسية.
ونجحت الجماعة في ترسيخ موقعها كأداة ضغط إيرانية متقدمة، قادرة على خلط الأوراق الإقليمية وفرض كلفة أمنية واقتصادية متزايدة على خصوم طهران، مع ما يحمله ذلك من تداعيات معقدة على مستقبل اليمن ومسار الصراع في المنطقة بأسرها.

موقف الحوثيين
في إطار إعادة تموضع جماعة الحوثيين ومحاولات إحياء دورها الإقليمي المحتمل في أي مواجهة مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، برز تطور لافت تمثل في اجتماع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، يوم 10 فبراير، في العاصمة العُمانية مسقط، مع محمد عبد السلام، المتحدث باسم جماعة أنصار الله (الحوثيين).
ويعكس هذا اللقاء بعدًا إستراتيجيًا وتنسيقيًا متقدمًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين، كما يؤكد في الوقت ذاته أن صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين باتت جزءًا من معادلة التفاوض والضغط المحيطة بإيران، ولم تعد ساحة منفصلة أو هامشية في حسابات الصراع الإقليمي.
ويكتسب توقيت الاجتماع دلالة خاصة، إذ جاء متزامنًا مع مرحلة حساسة من المباحثات الأميركية-الإيرانية المتعلقة بالبرنامج النووي، ما يشير إلى رغبة متبادلة لدى طهران والحوثيين في تنسيق المواقف السياسية والأمنية، واستكشاف مسارات التعامل مع التحديات الأميركية–الإسرائيلية المتصاعدة في المنطقة.
ويعني ذلك، بالنتيجة، انتقال العلاقة بين الطرفين من مستوى الدعم والاصطفاف الأيديولوجي إلى مستوى أكثر تقدمًا من التنسيق السياسي–الأمني المباشر، في لحظة إقليمية بالغة التعقيد والخطورة.
وفي السياق ذاته، تفيد تقارير استخباراتية متعددة بأن الحرس الثوري الإيراني ناقش مع الحوثيين سيناريوهات تفعيل ساحات دعم بديلة في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك استخدام خلايا وأسلحة لم يُكشف عنها أو تُستخدم سابقًا.
وقد أثار ذلك قلقًا متزايدًا لدى عدد من المراقبين الإقليميين والدوليين من احتمال لجوء الحوثيين إلى نقل مقاتلين أو خلايا استخباراتية خارج الأراضي اليمنية، بهدف استهداف المصالح الأميركية والغربية في الإقليم.
وتتزامن هذه المعطيات مع تقارير أخرى تشير إلى أن قيادات حوثية تلقت توجيهات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني برفع مستوى الجاهزية القتالية، وتفعيل خيارات هجومية تشمل استهداف خطوط الشحن الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب، بوصفها أدوات ضغط إستراتيجية في أي تصعيد إقليمي واسع.
وتعزز المعطيات الميدانية، إلى جانب تصريحات قيادات الجماعة، فرضية وجود توجه حوثي واضح لمساندة إيران في حال تعرضها لهجوم أو حرب شاملة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
ففي خطابات الأسبوع الأول من فبراير 2026، دعا زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي إلى مواجهة ما وصفه بـ"العدوان الأميركي-الصهيوني"، مطالبًا بحشد جماهيري واسع للتضامن مع ما أسماه "الشعوب المظلومة" في المنطقة، ومشيرًا ضمنيًا إلى تضامن واضح مع إيران ولبنان في مواجهة ما عده "مشروع الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية".
وفي خطاب آخر ألقاه بتاريخ 13 فبراير 2026، رأى الحوثي أن تركيز الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يندرج ضمن مسعى لإضعاف دورها الإقليمي، مؤكدًا أن طهران تمثل، من وجهة نظره، حاجزًا استراتيجيًا أمام مشروع الهيمنة الأميركية في المنطقة.
ويُلاحظ أن عبد الملك الحوثي يوظف خطابًا أيديولوجيًا وسياسيًا يربط دعم إيران بإطار أوسع يُعرف بـ "محور المقاومة"، ويُسقط التطورات الإقليمية ضمن سردية الصراع الشامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، دون أن يُصدر، منذ يناير 2026، إعلانًا رسميًا وصريحًا يؤكد مشاركة الحوثيين المباشرة في حرب أميركية محتملة ضد إيران، رغم ما تحمله تهديداته من إشارات استعداد وتصعيد.
وتناغمًا مع هذا الخطاب، بثت الجماعة الحوثية، في 28 يناير 2026، مقطع فيديو تضمن مشاهد لهجمات سابقة على سفن تجارية، متضمنًا تهديدات مبطنة بإعادة استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، في حال تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، مع عبارة إشرافية ذات دلالة تصعيدية: "ما هو آتٍ سيكون أعظم".
وقد تزامن ذلك مع وجود حاملة طائرات أميركية في المنطقة، في ظل تصاعد التوتر مع إيران.
كما رصدت تقارير صحفية خلال فبراير 2026 تحركات عسكرية حوثية شملت تجهيز صواريخ وطائرات مسيّرة، وُصفت بأنها استعدادات محتملة لتصعيد عسكري يستهدف مصالح أو أهدافًا أميركية في حال اندلاع مواجهة أوسع ضد إيران.
وفي السياق نفسه، أشارت تقديرات وتحليلات أمنية إسرائيلية إلى احتمال استغلال الحوثيين لأي حرب أميركية ضد إيران لتنفيذ هجمات جديدة ضد أهداف إسرائيلية أو دولية.
من جانبه، أطلق القيادي الحوثي محمد البخيتي، عبر منصة "إكس"، تهديدات صريحة بالدخول في الحرب إلى جانب إيران في حال تعرضها لاستهداف أميركي، قائلًا: "أيدينا على الزناد وجاهزون لضربة قوية وموجعة ورادعة على الكيان الإسرائيلي والأميركي في حال شن أي عدوان على إيران"، مضيفًا أن "الضربة لا يتوقعها العدو ولا الصديق، ولن تقتصر على المياه البحرية أو المطارات فقط، بل ستطال أماكن حساسة لا يتوقعونها".
وفي منشور آخر، ذهب البخيتي إلى أبعد من ذلك حين قال: "بأمر الإمام الخامنئي وأمر القوات المسلحة الإيرانية، تل أبيب ومطاراتكم غير آمنة على الإطلاق، الدم بالدم، والنار بالنار، والحديد بالحديد".
خيارات الرد
ومع ذلك، ورغم حدة هذه التصريحات، لا تزال قيادة الحوثيين حتى اللحظة تتجنب إصدار بيان رسمي صريح يعلن بوضوح وقوفها العسكري المباشر إلى جانب إيران في حال تعرضها لهجوم أميركي، كما فعلت في بيانات سابقة خلال عام 2025.
إذ يركز الخطاب الحوثي الراهن على خيارات الرد غير المباشر، مثل استهداف الملاحة الدولية والضغط على المصالح الأميركية، دون تبني موقف معلن يرقى إلى إعلان حرب مفتوحة أو التزام رسمي بمشاركة شاملة في أي مواجهة أميركية–إيرانية.
وبناء عليه، فإن خيارات الحوثيين في حال هاجمت الولايات المتحدة إيران يمكن تلخيصها ضمن أربع مسارات رئيسة تتمثل في:
أولاً: خيار الضغط غير المباشر (وهو السيناريو المرجّح)، عبر استهداف خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وتهديد السفن المرتبطة بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة كرسائل ردع محسوبة. وهو ما يمنح الحوثيين قدرة على التأثير دون تحمل كلفة إعلان حرب مباشرة، ويُبقي هامش المناورة السياسية مفتوحًا.
ثانياً: خيار التصعيد الإقليمي المحدود. حيث قد تلجأ الجماعة إلى توسيع نطاق عملياتها بشكل انتقائي، عبر ضرب أهداف إسرائيلية بعيدة المدى، أو تنفيذ عمليات نوعية خارج اليمن بواسطة خلايا أو أدوات غير معلنة. وهذا السيناريو يهدف إلى رفع كلفة الحرب على خصوم إيران دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.

ثالثاً: خيار الانخراط العسكري المباشر. عبر فتح جبهة عمليات مفتوحة ضد المصالح الأميركية. وهو خيار أقل ترجيحًا في هذه المرحلة، كونه يحمل مخاطر عالية، وقد يستجلب ردودًا عسكرية مدمرة ضد الجماعة داخل اليمن، كما حدث في حرب الخمسين يوما (15 مارس-5 مايو 2025) التي شنتها الولايات المتحدة العام الماضي على جماعة الحوثيين.
رابعاً: خيار الضبط المرحلي والتصعيد المؤجل. قد تختار القيادة الحوثية تأجيل التصعيد الواسع، والاكتفاء بالجاهزية والتهديد الإعلامي، بانتظار اتضاح مسار الحرب الأميركية-الإيرانية وحجم الرد الإيراني الفعلي والمواقف الدولية والإقليمية.
وهذا الخيار-فيما لو تم- سيعكس عقلانية تكتيكية لدى الحوثيين تجنبهم الاستنزاف وتحول دون ضربات أميركية-إسرائيلية مدمرة، قد تغري حكومة الشرعية بالزحف العسكري، في نفس الوقت الذي قد تثير مشاعر السخط الشعبي ضد الحوثيين.
خلاصة القول، الحوثيون يتحركون ضمن معادلة دقيقة تقوم على دعم إيران دون التضحية بمكاسبهم المحلية، مع تفضيل واضح لاستخدام أدوات الضغط غير المباشر، بعدّها أقل كلفة وأكثر فاعلية سياسيًا.
وحتى اللحظة، ووفق مراقبين، يبدو أن الجماعة تسعى إلى لعب دور "الذراع الضاغطة" ضمن محور المقاومة، دون القفز إلى مربع الحرب المفتوحة إلا إذا فُرض عليها ذلك أو طُلب منها ضمن حسابات إيرانية أوسع.
المصادر
- بزشكيان: إيران لن تحني رأسها أمام ضغوط القوى العالمية
- علي لاريجاني يلتقي المتحدث باسم أنصار الله في عمان
- مخاوف إسرائيلية من "طوفان" يمني يحاكي "7 أكتوبر"
- الحوثيون يهددون بتصعيد الوضع في البحر الأحمر إذا استهدفت إيران
- "بدء تجهيز الصواريخ والمسيّرات".. الحوثيون "يستعدون للحرب"
- هل تدفع إيران الحوثيين نحو عمل عسكري ضد واشنطن؟
- بيان عبد الملك بدرالدين الحوثي 17 شعبان 1447هـ| الموافق 5 فبراير 2026م
- كلمة عبد الملك بدرالدين الحوثي تهيئة لشهر رمضان 13 فبراير 2026م
















