سلاح النفط الأميركي.. معركة ترامب الكبرى لكسر بكين

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في سياق صراعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعددة، تبرز حرب النفط كأداة مركزية في استهداف الصين؛ إذ يمر خنق الإمدادات الصينية عبر فرض عقوبات على نحو ربع وارداتها النفطية، في محاولة لإنهاء ما تصفه واشنطن بإمدادات “وهمية” تعتمد عليها بكين.

وبحسب موقع “الأوردن مونديال”، لا تُعدّ شعارات الديمقراطية في فنزويلا أو أعداد الضحايا في الاحتجاجات الإيرانية سوى ذرائع لتبرير التدخل في دول غنية بالنفط. 

فالدافع الحقيقي، بحسب الموقع الإسباني، لتدخل ترامب في فنزويلا وإرساله أسطولًا ضخمًا إلى الشرق الأوسط يتمثل في استعراض القوة الأميركية ومواجهة النفوذ الصيني.

سياسة الضغط

في هذا الإطار، حوّلت إدارة ترامب النفط إلى أداة جيوسياسية لإضعاف اقتصادات خصومها وإلحاق الضرر بمنافستها الرئيسة، الصين. 

ويأتي الاتفاق الأخير بين ترامب ورئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتكثيف الضغط الاقتصادي على إيران، لا سيما عبر خفض مبيعاتها النفطية إلى الصين، كأحدث تجلٍّ لهذه السياسة.

ويشير الموقع إلى أن ما لا يقل عن 22 بالمئة من واردات الصين النفطية تخضع لعقوبات غربية، مصدرها روسيا وإيران وفنزويلا، وهي دول تحصل بكين منها على خصومات كبيرة مقابل تجاهل القيود المفروضة عليها. 

غير أن هذه الإمدادات باتت مهددة؛ فبعد تعطيل الشحنات الفنزويلية، تواجه إيران ضغطًا أميركيًا متصاعدًا، فيما قد يؤدّي أي مساس بإمداداتها إلى أثر بالغ على الصين، أكبر مستورد للنفط الخام عالميًا.

ووفقًا للموقع، بنت الصين سلسلة إمداد هشّة لكنها منخفضة الكلفة، مكّنتها من دعم حلفائها وتقليص نفقات الطاقة. 

ولتحقيق ذلك، طورت شبكة غير شفافة تضم سفنًا شبحية، وتحويلات مالية خارجية، ومدفوعات باليوان، متحدية هيمنة الدولار على تجارة النفط.

ولسنوات، تغاضت الولايات المتحدة عن هذه الشبكة لتجنب زعزعة سوق النفط، لا سيما بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا. 

إلا أن هذا الموقف تغيّر بفعل عاملين: تحوّل واشنطن إلى مُصدّر للنفط، وتصعيد ترامب للحرب التجارية مع الصين بعد إخفاق سياسة الرسوم الجمركية.

وبذلك، أصبح النفط سلاحًا مباشرًا للضغط على الخصم الجيوسياسي الرئيس. وتنسجم هذه المقاربة مع رؤية ترامب؛ إذ تشمل الدول المستهدفة بتدخله- فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وإيران- حلفاء للصين وموردين أساسيين لها. 

ومن خلال ذلك، يسعى إلى تقويض نفوذ خصومه الإقليميين وضرب شبكة الإمداد الصينية في آن واحد.

أسطول شبحي

وتشير بيانات مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا إلى أن إيران وفرت 12 بالمئة من واردات الصين النفطية العام الماضي، مقابل 3 بالمئة فقط لفنزويلا. 

وإذا ما حُظر هذا الإمداد أيضًا، فستفقد الصين جزءًا مهمًا من احتياطياتها.

وتُظهر الإحصاءات الصينية لعام 2025 غيابًا رسميًا لواردات النفط الإيراني والفنزويلي، مقابل ارتفاع ملحوظ في الواردات من ماليزيا، بما يعكس إعادة توجيه غير معلنة للإمدادات. 

وتمر شحنات كبيرة من النفط الخاضع للعقوبات عبر المياه الماليزية والسنغافورية والإندونيسية دون خرق ظاهري للقيود الغربية.

وبحسب شركة “كيبلر”، تعتمد الصين على أسطول شبح يضم نحو 1500 سفينة قديمة ومجهولة الملكية، تُزوَّر مواقعها وتُفرغ حمولتها في سفن أخرى داخل مناطق ضعيفة الرقابة، للالتفاف على العقوبات.

وتحقق هذه الشبكة وفورات كبيرة لبكين؛ إذ تحصل على النفط الروسي والإيراني والفنزويلي بخصومات كبيرة مقارنة بسعر خام برنت، مستفيدة من محدودية الخيارات المتاحة لتلك الدول المعزولة.

وحتى وقت قريب، كان الهدف الغربي يتمثل في خفض عائدات الدول الخاضعة للعقوبات دون منع صادراتها. 

أما نهج ترامب فبات أكثر صرامة؛ إذ يسعى لاستخدام النفط كأداة ضغط مباشرة، حتى لو ترتب على ذلك تقلبات في السوق.

وفي هذا السياق، هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمئة على الدول التي تشتري النفط الفنزويلي، وتوصلت إلى تفاهم مع الهند لوقف وارداتها من النفط الروسي، كما وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يتيح فرض رسوم مماثلة على الدول المتعاملة تجاريًا مع إيران، في خطوة تستهدف بوضوح الصادرات المتجهة إلى الصين.

نقطة ضعف

وتُعدّ الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ولا يغطي إنتاجها المحلي سوى نحو 20 بالمئة من احتياجاتها، فيما تمر غالبية وارداتها عبر مضيق ملقا الخاضع للنفوذ الأميركي، وهو ما تعده بكين نقطة ضعف إستراتيجية. 

لذلك، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2019 خطة لتعزيز الاستكشاف والتكرير المحليين، لكنها حققت نتائج محدودة.

وإدراكًا لهذه الهشاشة، كثّفت الصين مشترياتها من النفط الإيراني بعد تعطل الإمدادات الفنزويلية، ورفعت احتياطياتها الطارئة؛ تحسبًا لأي اضطراب محتمل في مضيق هرمز.

ويستند ترامب في تصعيده إلى جملة عوامل، من بينها نجاحه في تطويق فنزويلا، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، واتساع السخط الشعبي. 

وفي ظلّ ذلك، يسعى البيت الأبيض إلى استغلال اللحظة لإضعاف النظام الإيراني وفصله عن النفوذ الصيني.

ويبقى السؤال حول شكل الخطوة المقبلة: هل ستكون عبر ضربة مباشرة، أم عبر ضغوط اقتصادية وعسكرية وسياسية متراكمة؟ وما مدى انعكاس ذلك على أسعار النفط العالمية؟

ففي حين جرى التعامل مع فنزويلا بدقةٍ نظرًا لهشاشة قطاعها النفطي وعزلتها، فإنّ أي خطأ في حسابات الخليج قد لا يضر الصين وحدها، بل قد يعيد العالم إلى أزمة طاقة وتضخم تعرقل التعافي الاقتصادي العالمي.