الأموال الجزائرية المنهوبة.. هل تنجح باريس والجزائر في تجاوز عقدة الاسترداد؟

"استمرار فرنسا في تجاهل المواثيق تقويض صريح للديمقراطية".
شكل استرجاع الأموال الجزائرية المنهوبة محل نقاش مع الجانب الفرنسي، وسط تساؤلات حول جدية باريس في التعاون القضائي مع الجزائر في هذا الملف.
وعبرت فرنسا عن استعدادها للتعاون مع الجزائر في مساعيها لاستعادة الأموال والممتلكات المرتبطة بقضايا الفساد خلال حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
جاء الإعلان على لسان وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان خلال زيارته إلى الجزائر؛ حيث استقبله الرئيس عبد المجيد تبون بقصر المرادية، في 18 مايو/أيار 2026.
حساسية الملف
وقال الوزير الفرنسي: إن الزيارة جاءت بطلب مباشر من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أجرى أخيرا مباحثات مطولة مع نظيره الجزائري حول عدد من القضايا الثنائية، وفي مقدمتها ملف الأموال المنهوبة.
وكان الرئيس تبون قد أعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن بلاده تمكنت من استرجاع ما قيمته 30 مليار دولار من عائدات الأموال المنهوبة، مشيرا إلى إعادة توظيف عدد من الشركات والمصانع المسترجعة ضمن الاقتصاد الوطني تحت إدارة مؤسسات حكومية.
غير أن السلطات الجزائرية تؤكد أن جزءا كبيرا من الأموال المهربة ما يزال موزعا في الخارج، دون وجود تقديرات رسمية دقيقة لحجمها الحقيقي.
في السياق، قال موقع "الجزائر تايمز" عبر تحليل في 20 مايو 2026: إن ملف استرجاع الأموال المهربة يُعد أحد أبرز العناوين السياسية التي رفعتها السلطات الجزائرية منذ اندلاع احتجاجات "الحراك الشعبي" عام 2019، والتي انتهت باستقالة بوتفليقة بعد 20 عاما في الحكم.
ومنذ ذلك الحين، يضيف المصدر ذاته، "أطلقت الجزائر حملة واسعة لمكافحة الفساد شملت وزراء ورجال أعمال ومسؤولين نافذين، في مسعى لاستعادة الثقة الشعبية وإظهار القطيعة مع مرحلة اتُّهمت بتفشي الفساد واستغلال النفوذ".
ورأى أن "التحرك الفرنسي الأخير يتجاوز البعد القضائي، ليحمل أيضا رسائل سياسية مرتبطة بمحاولة تهدئة العلاقات الثنائية التي شهدت خلال السنوات الماضية أزمات متكررة بسبب ملفات الذاكرة والهجرة والتعاون الأمني".
واسترسل: "كما أن باريس تدرك حساسية ملف الأموال المهربة بالنسبة للرأي العام الجزائري، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد".
وشدد الموقع على أن "نجاح هذا التعاون مرهون بمدى تجاوب القضاء الفرنسي مع الطلبات الجزائرية، وبقدرة البلدين على تجاوز التعقيدات القانونية والمالية التي ترافق عادة قضايا تتبع الأصول والأموال العابرة للحدود، وهي معركة قضائية طويلة غالبا ما تتحرك ببطء داخل دهاليز البنوك والمحاكم الأوروبية".

تماطل فرنسي
لسنوات عديدة، انتقدت الجزائر باريس لعدم تعاونها في هذه القضايا الحساسة. حتى أن ملف استرجاع الأصول المهربة أصبحت إحدى نقاط التوتر الرئيسة في العلاقات الثنائية.
وندد تبون علنا بهذا الوضع خلال اجتماع مجلس الوزراء في 5 أبريل/نيسان 2026.
وكشف أن الجزائر أرسلت 61 رسالة إنابة قضائية إلى القضاء الفرنسي بشأن الحسابات المصرفية والأصول والعقارات المشتبه في الحصول عليها بطريقة غير قانونية.
وبحسب السلطات الجزائرية، ظلت هذه الطلبات دون رد لعدة سنوات.
وكانت الجزائر تقارن هذا الوضع باستمرار بالتعاون الذي تلقته من دول أوروبية أخرى.
وعلى سبيل المثال، قبلت سويسرا جزءا من المطالب الجزائرية؛ ما سمح ببدء إجراءات قضائية تتعلق بأكثر من 110 ملايين دولار.
كما تعاونت إسبانيا في قضية فندق "إل بالاس" في برشلونة، المرتبط برجل الأعمال السجين علي حداد.
وتصاعدت التوترات بعد رفض المحكمة الفرنسية تسليم وزير الصناعة الجزائري السابق عبد السلام بوشوارب، والذي كان قد أُدين في عدة قضايا فساد في الجزائر، لا سيما تلك المتعلقة باختلاس أموال، وقد رُفض تسليمه سابقا لأسباب صحية وقانونية.
أهداف باريس
وزير العدل الفرنسي دارمانان، أكد في تصريح صحفي خلال الزيارة أنه جاء من أجل تحسين التعاون القضائي وفي مجال السجون بين البلدين، وأيضا قضايا الممتلكات المكتسبة بطرق غير مشروعة.
وكشف أن السلطات الجزائرية تقدمت بنحو 100 طلب لاسترجاع ممتلكات ناتجة عن الفساد حتى يتمكن الشعب والحكومة والسلطات في الجزائر من استعادة هذه الأموال والممتلكات المصادرة، ولاحقا تلك التي ستصادر نهائيا بالتعاون مع القضاء الفرنسي.
وقال دارمانان: "لقد ناقشنا هذا الملف بإسهاب، وبعد اجتماعنا مع وزير العدل، عمل المدّعي الوطني المالي الفرنسي باستقلالية تامة مع نظرائه الجزائريين، كما دعونا مع بداية يونيو مسؤولي السلطات القضائية الجزائرية إلى القدوم لباريس لتعميق دراسة هذه الملفات حتى نتمكّن من عرضها أمام القضاء الفرنسي، فيما يخص قضايا الحجز والمصادرة التي تنال كما تعلمون مسؤولين جزائريين سابقين".
وأشار وزير العدل الفرنسي إلى أن لقائه بالرئيس تبون كان مطولا، مشددا على التطرق إلى العمل الواجب مواصلته لاستعادة الثقة بين البلدين.
وتابع: "لما كنت وزيرا للداخلية لأربع سنوات ونصف، أثبتُ أننا تمكنا من العمل بصراحة، حتى وإن اختلفنا في بعض الأحيان، لكن بقدر كبير من الاحترام لشعبينا ولصالح بلدينا وأمنهما، وبلدانا يربطهما تاريخ وثيق".
بدوره، أكد السفير الفرنسي لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، رغبة ماكرون ونظيره تبون، في تسريع استئناف الحوار بـ"ثقة وشراكة واحترام"، معربا عن ارتياحه لذلك.
وأوضح روماتيه في تصريح نقله موقع "النهار" الجزائري في 18 مايو 2026، أن زيارة دارمانان إلى الجزائر، تأتي بعد أسبوع فقط من زيارة الوزيرة المنتدبة المكلّفة بالقوات المسلحة.
ووصف روماتيه الملفات القضائية المشتركة بين البلدين بأنها "كثيرة ومهمّة جدا وحسّاسة جدا ومعقّدة جدا"، معبرا عن أمله في أن تشكل الزيارة فرصة لإحراز تقدم فيها، مع احترام استقلالية القضاء.
وأضاف السفير أن "فرنسا مستعدّة لمناقشة ملف الأموال الجزائرية المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج، منها فرنسا إضافة إلى ملفّ تسليم المسؤولين السابقين المطلوبين من طرف العدالة الجزائرية".

قراءة سياسية
في قراءته لهذه التفاعلات، أكد الكاتب والحقوقي الجزائري أنور مالك، أن استرجاع الأموال المنهوبة يمثل من حيث المبدأ خطوة ضرورية لأي دولة تسعى إلى ترميم ثقة المواطنين في مؤسساتها وإظهار جدية في مكافحة الفساد.
وأوضح لـ"الاستقلال"، أن ذلك يأتي خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال ضخمة يُعتقد أنها هرّبت من البلاد خلال سنوات طويلة من سوء التسيير والفساد السياسي والمالي.
وشدد مالك على أن نجاح هذا المسار لا يقاس فقط بالتصريحات السياسية أو الزيارات الرسمية، بل بمدى توفر إرادة حقيقية لفتح الملفات بشفافية كاملة، والتعامل مع القضية بمنطق دولة القانون وليس بمنطق الانتقائية أو الانتقامية أو تصفية الحسابات السياسية.
ورأى أن "التعاون القضائي بين فرنسا والجزائر يمكن أن يكون مهما بالنظر إلى وجود جزء من الأموال أو الأصول أو الشبكات المالية المرتبطة بهذه الملفات داخل الفضاء الأوروبي”.
واستدرك: "غير أن التجارب السابقة أظهرت أن هذا النوع من الملفات معقد قانونيا ويحتاج إلى وقت طويل وأدلة دقيقة وتعاون قضائي فعلي ومتبادل".
واسترسل: "كما أن الرأي العام الجزائري ينتظر نتائج ملموسة، لأن الحديث عن استرجاع الأموال المنهوبة تكرر كثيرا خلال السنوات الماضية من حكم تبون والسعيد شنقريحة، بينما بقيت الحصيلة المحدودة تثير تساؤلات حول مدى الجدية والقدرة على الوصول إلى الرؤوس والشبكات الكبرى التي استفادت من منظومة الفساد".
لذلك، يقول الناشط السياسي والحقوقي، فإن أي تقييم إيجابي لهذه المساعي سيظل مرتبطا بوجود شفافية، وإعلان نتائج واضحة للرأي العام، واحترام المعايير القضائية الدولية، بعيدا عن التوظيف السياسي أو الإعلامي الظرفي أو الفلكلور المناسباتي.
وعليه، رأى مالك أن "الشروط الأساسية لا تتوفر في النظام الحالي بالجزائر ولا توجد أيصا علاقات بين الجزائر وباريس تجعل الثقة قائمة في مواجهة مثل هذه الملفات الخطيرة التي تتعلق بملايير اليوروهات وليس الملايين فقط".
انتقادات سابقة
لطالما شكل موضوع الأموال المنهوبة محل نقاش أكاديمي وسياسي متواصل، وفي هذا الصدد، قال الباحث والخبير في القانون الدولي، مهدي العايدي، إن تعطيل فرنسا لـ61 إنابة قضائية حتى أبريل 2026، قدمتها الجزائر لاسترجاع الأموال المنهوبة منها، هو خرق صريح لمبدأ "القوة الملزمة للمعاهدات" ولحسن النية.
وأكد العايدي لموقع "الشعب" المحلي في 6 أبريل 2026، أنه في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها القانون الدولي الجنائي والمالي، يبرز ملف استرداد الأموال المنهوبة الجزائرية كحالة كاشفة لازدواجية المعايير.
واسترسل: "إننا لسنا أمام مجرد (مساعٍ دبلوماسية) لاسترجاع أصول مادية، بل نحن بصدد (اشتباك قانوني عالي المستوى) تضع فيه الجزائر المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤولياته الأخلاقية والتعاقدية، في مواجهة تنصل بنيوي تقوده باريس تحت غطاء السيادة القضائية".
ورأى أن المطالبة الجزائرية بالأموال المنهوبة ليست “خيارا بل هي إعمال لالتزام دولي أصيل”.
وأشار العايدي إلى أن فرنسا مستمرة في التمسك بنظام إجرائي جامد يطالب بأدلة قطعية تعجيزية، مما يضعها في خانة الدول المعطلة للمنظومة العالمية والمساعي الأممية في مكافحة الفساد العابر للحدود وتعزيز الإعمال بمبادئ حقوق الإنسان.
وضرب الخبير في القانون الدولي مثالا بملف وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب (المحكوم عليه نهائيا)، والذي عده نموذجا صارخا للتوظيف النفعي للقانون الداخلي الفرنسي في مواجهة العدالة الدولية.
وأردف، فرغم الأدلة الدامغة التي كشفت عنها أوراق بنما حول امتلاكه شركة الأوفشور (Royal Arrival Corp) وحسابات مصرفية وأصول عقارية فاخرة في قلب باريس، إلا أن الموقف الفرنسي انتقل من الجمود الإجرائي إلى الاستثمار الضمني في هذه الأموال.
وشدد على أن هذا السلوك يضع فرنسا في حالة خرق مركب لالتزاماتها الدولية؛ فهو أولا تعطيل للمادة 16 من اتفاقية (UNCAC) المتعلقة برشوة الموظفين العموميين، وهو ثانيا إخلال بواجب المصادرة والاسترداد المنصوص عليه في المادة 57 من ذات الاتفاقية.
وأكد أن فرنسا تحاول تحويل الأموال المستردة إلى مساعدات تنموية تشرف عليها الوكالة الفرنسية للتنمية، في حين ترفض الجزائر هذا النهج بوصفه وصاية مقنعة، بتقدير الأموال ملكية سيادية للشعب الجزائري، وإرجاعها يجب أن يكون مباشرا وغير مشروط للخزينة العمومية وفق المادة 57 من اتفاقية (UNCAC).
وأضاف العايدي أن "استمرار فرنسا في ضرب هذه المواثيق عرض الحائط هو إعلان صريح بتقويض المؤسسات الديمقراطية".
وخلص إلى أن الجزائر مطالبة بالعمل على تدويل الضغط لاسترداد الأموال المنهوبة، بنقل الملف من المستوى الثنائي إلى مجلس حقوق الإنسان لمساءلة فرنسا عن خرق المادة 27 من اتفاقية فيينا، وثانيا برفض الوصاية والتمسك بالإرجاع المباشر للخزينة، وثالثا بتوسيع النموذج السويسري عبر تعزيز الشراكة مع الدول النزيهة قانونيا لإحراج الدول المماطلة.
















