"هوس الإخوان" أم حسابات أمنية؟ لماذا أوقفت الإمارات دعم الجامعات البريطانية؟

منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

قررت الإمارات استبعاد الجامعات البريطانية من قائمة الجامعات الأجنبية المؤهلة للمنح الحكومية، وهي خطوة بدأت تداعياتها تظهر على قطاع التعليم العالي في بريطانيا، وأعادت فتح نقاش أوروبي أوسع بشأن النفوذ الأجنبي، وإدارة الجامعات، والضغوط الأيديولوجية.

ووفقا للمعلومات الرسمية التي نشرتها وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الإمارات، فإن إطار المنح الدراسية يهدف إلى ضمان "الجودة، والمواءمة مع الأولويات الوطنية واحتياجات سوق العمل المستقبلية"، على أن تُحدَّد أهلية الجامعات بناء على التصنيفات العالمية والمراجعة الدورية.

ورغم أن المعايير المعلنة لا تستهدف دولا بعينها بشكل صريح، فإن تقارير إعلامية دولية متعددة أفادت باستبعاد الجامعات البريطانية من أحدث قائمة للمؤسسات المؤهلة.

وهذا يأتي في ظل مخاوف إماراتية تتعلق بتنامي مظاهر "التطرف" داخل بعض الجامعات، وتزايد حالات "معاداة السامية"، ووجود “شبكات إسلامية”، من بينها جهات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين. بحسب موقع "ذا ميديا لاين".

تراجع الثقة

وقال الموقع الأميركي، في تقرير له: إن "هذا التحول يأتي في ظل تراجع الثقة السياسية بين أبو ظبي ولندن، لا سيما بسبب اختلاف وجهات النظر حول جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات منظمة إرهابية، بينما لا تعتمد المملكة المتحدة التصنيف نفسه".

فيما قال المحلل السياسي الإماراتي، أحمد شريف العامري: إن هذه الخطوة “تعكس تقديرات أمنية، أكثر منها تعديلا فنيا مرتبطا بالتصنيفات الأكاديمية”.

وأفاد في حديثه لموقع "ذا ميديا لاين" بأن "الإمارات قررت وقف التمويل بسبب تغلغل جماعة الإخوان المسلمين في بعض الجامعات، وأنها لن تضع طلابها وأبناءها في دائرة الخطر، خاصة في ظل وجود الجماعة وإسلاميين متطرفين آخرين داخل هذه الجامعات".

ويرى العامري أن المشكلة تكمن في قصور بنيوي لدى المؤسسات الغربية، قائلا: “هم بنوا منظومة متكاملة أشبه بغابة مترابطة، في حين لا يزال الغرب يفكر بعقلية جزئية: كيف نوقف غرس شجرة هنا أو هناك؟”

ومن منظور الأمن الأوروبي، يرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، دانييلي غاروفالو، أن القرار الإماراتي "يحمل دلالات جيوسياسية واضحة، ولا يمكن فهمه بوصفه مجرد إجراء تعليمي تقني ضيق".

وقال غاروفالو في حديثه لموقع "ذا ميديا لاين": إن "القرار الإماراتي هو رسالة جيوسياسية بامتياز، وليس نزوة إدارية". مؤكدا أن العنصر الأكثر أهمية في هذا القرار يتمثل في الاستخدام الإستراتيجي لتمويل التعليم.

وأوضح أن أبو ظبي استبعدت فعليا الجامعات البريطانية من قائمة المؤسسات المؤهلة للحصول على المنح والتمويل الحكومي، والأكثر أهمية من ذلك أنها توظف ورقة تمويل التعليم كأداة ضغط إستراتيجية على لندن، ضمن إطار ما يمكن وصفه بـ"الأمن الأيديولوجي" و"منع تغلغل النفوذ الإسلامي في الجامعات".

وسيلة للمناورة

وذهب غاروفالو إلى أن "التمويل الأكاديمي لا يمكن عدّه محايدا في أي حال من الأحوال".

وقال: إن "التدفقات المالية إلى المؤسسات الأكاديمية ليست بريئة؛ إذ يمكن أن تتحول إلى أداة قوة ناعمة، أو وسيلة للمناورة الدبلوماسية، أو أداة لتوجيه الخطاب العام، بل وحتى إلى شكل من أشكال (نقل المخاطر) عندما يرى الطرف الممول أن البيئة المستقبِلة متساهلة مع شبكات أو أيديولوجيات معادية".

وأضاف غاروفالو أن "جوهر الإشكالية في أوروبا لا يكمن في جماعات محظورة قانونيا، بل في مساحات رمادية تتحرك دون أن تصل إلى مستوى الحظر أو التجريم الصريح".

وأوضح أن هذه القضية "تنقل ملف الإخوان المسلمين في الغرب إلى مستوى تطبيقي، لا من حيث تصنيف التنظيم ذاته، بل من حيث التعامل مع بيئات التأثير والشبكات المرتبطة به".

وأكد غاروفالو أن هذا التباين بين الإطار القانوني الذي يتعامل فقط مع تنظيمات رسمية، والواقع الفعلي الذي تحكمه شبكات تأثير غير مُعلنة، يؤدي إلى فجوات في الحوكمة.

وأشار  إلى أن أدوات القانون الجنائي ومكافحة الإرهاب غالبا ما تعجز عن التعامل مع أنماط السلوك "الرمادية" التي لا ترقى إلى مستوى الجريمة الصريحة، لكنها قادرة رغم ذلك على إنتاج آثار أمنية ملموسة على المدى المتوسط.

واستشهد غاروفالو بإيطاليا كنموذج، مشيرا إلى التحقيق الذي شمل محمد محمود أحمد حنون، وهو ناشط فلسطيني دخل اسمه في صلب النقاشات البرلمانية والإجراءات القضائية.

ووفقا للادعاء العام الإيطالي، فإن "حنون" ومنظمات مرتبطة به جمعوا وحولوا أموالا إلى جهات مرتبطة بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تحت غطاء العمل الإنساني الفلسطيني. وأسفرت التحقيقات عن تنفيذ عمليات اعتقال، ومصادرة ملايين اليوروهات.

وأصبح ملف "حنون" مثالا على كيفية تداخل النشاط السياسي، والهياكل الخيرية، والشبكات العابرة للحدود، بما يخلق مساحات رمادية يصعب ضبطها قانونيا رغم ما تحمله من تداعيات أمنية. وفق التقرير.

الخط الأحمر

وأوضح غاروفالو أهمية هذه القضية من زاوية تحليلية. مشيرا إلى أن التركيز لا ينبغي أن ينصب على الفرد وحده، بل على الدور الوظيفي الذي يؤديه داخل شبكة أوسع.

وشرح الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية هذه البنية بصفتها “مكونة من طبقات متداخلة”.

وأوضح أن المشهد التحليلي هنا شبه نموذجي؛ إذ تظهر التعبئة الجماهيرية عبر التظاهرات كواجهة مرئية، تليها الهياكل التنظيمية في الطبقة الوسيطة، ثم تأتي في العمق القنوات المالية والعلاقات العابرة للحدود بوصفها الطبقة الإستراتيجية، بما يشمل جمع الأموال، وشبكات الدعم، والتسهيلات اللوجستية.

ومن منظور استخباراتي، أضاف غاروفالو أن قضية "حنون" توفر مادة مهمة لتحليل ما يسميه بسلاسل "السردية–التعبئة–الموارد"، وهي الآليات التي تربط الخطاب العام بالحشد ثم بالقدرات العملية.

وأكد غاروفالو بوضوح أن الإشكالية لا تتعلق بحرية التعبير السياسي في حد ذاتها، مشددا على أن الخط الفاصل لا يتمثل فقط فيما يقال، بل فيما يترتب عليه وما يتيحه من أفعال وتأثيرات.

ويرى أن الجامعات غالبا ما تتأخر في التدخل، ولا تتحرك إلا بعد أن تكون هذه الديناميات قد ترسخت بالفعل. 

وقال غاروفالو: إن "النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي ظاهرة طبيعية، لكن الخط الأحمر يبدأ عند ظهور مؤشرات التطرف أو الاستغلال السياسي".

وتشمل هذه المؤشرات -بحسب الخبير- التنازل الأخلاقي، والترهيب، وتحويل الاحتجاج إلى بنية تنظيمية.

ورغم اختلاف زوايا النظر، يلتقي كل من العامري وغاروفالو عند ضرورة تبني استجابات هيكلية تتجاوز المعالجات الظرفية.

وفي هذا السياق، صاغ العامري المشكلة بوصفها نتاجا لغياب المتابعة الغربية المستمرة. مدعيا: "لن يتوانى الإخوان المسلمون عن فعل أي شيء. سينتقلون من الجامعات إلى الرياضة، إلى قطاعات أخرى. والغرب ضعيف جدا في إدارة مهام متعددة في هذا الصدد مقارنة بالإمارات".

واختتم حديثه قائلا: "لم يعد الأمر متعلقا بما ستقوله الإمارات في هذا الشأن، بل متى سيستمع الغرب".