على عكس تايوان.. لماذا لم تعد إسرائيل "حليفا غير إستراتيجي" لأميركا؟

منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

تبدو العلاقات الأميركية الإسرائيلية الخاصة التي علق عليها رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو آمالا كبيرة خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكأنها لم تنعكس بوضوح في النسخة المحدثة من الإستراتيجية الأميركية للأمن القومي الصادرة نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

موقع "نادي فالداي الدولي" الروسي يعلق على الإستراتيجية الأميركية الجديدة، بالقول: إن "ثمة تغيرا في نهج العلاقات بين واشنطن وتل أبيب؛ إذ تضع إسرائيل في مكانة الحليف (غير) الإستراتيجي".

في المقابل، يشير الموقع الروسي إلى أن "واشنطن، على ما يبدو، اقترحت على حليفها الرئيس في الشرق الأوسط إعادة توجيه التعاون من العوامل الجيوسياسية إلى العوامل الجيواقتصادية".

غير أن استعداد إسرائيل لبناء هذا النوع من التفاعل يثير الكثير من الشكوك، كما أشارت إليزافيتا ياكيموفا، الباحثة في معهد الاستشراق التابع للأكاديمية الروسية للعلوم في مقال لها بالموقع.

علاقات متآكلة

وذكر الموقع أن إسرائيل ذُكرت، في الإستراتيجية التي أُعلن عنها في ديسمبر/ كانون الأول 2025، ست مرات، أي أقل بمرتين من تايوان، وأكثر بمرتين من أوكرانيا. 

ووفقا له، فإن "هذا الموقع الرمزي المخصص للدولة الشرق أوسطية يعكس إلى حدّ كبير وضعها الوسيط في منظومة الإحداثيات الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية".

وتابع موضحا: "فأوكرانيا، كما يظهر في النص، لا تُقدّم كفاعل مستقل تسعى واشنطن إلى تطوير شراكة معه، بل كأداة يمكن عبرها تحقيق الاستقرار في أوروبا".

وأردف: "أما تايوان، فتصور كلاعب يعزز الأمن القومي ليس فقط للولايات المتحدة، بل ولحلفائها أيضا، وهو ما يبرر استمرار الوجود الأميركي وزيادة الإنفاق الدفاعي في المنطقة".

أما إسرائيل، فيرى أنه "جرى توصيفها في الإستراتيجية من زاويتين متكاملتين: فمن جهة، تعد موضوعا لجهود الوساطة الأميركية في قضايا مثل الصراع في قطاع غزة و(اتفاقيات إبراهام)".

"ومن جهة أخرى، يُعترف بقدرتها على التأثير بشكل ملموس في مسارات إقليمية تتماشى مع أولويات واشنطن في الشرق الأوسط". بحسب تحليله.

والأكثر أهمية -بحسب الموقع- أن النص لا يقتصر على الإشارة إلى الحرب التي استمرت 12 يوما مع إيران، بل يتحدث أيضا عن إمكانية مساهمة إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة والأنظمة العربية (المعتدلة) وتركيا، في استقرار الوضع في سوريا".

ولفت إلى أن "النتيجة في الحالة الأولى تحققت عبر عمليات الجيش الإسرائيلي بدعم من العملية الأميركية (مطرقة منتصف الليل) ضد المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/ حزيران 2025".

"بينما في الحالة الثانية، تسعى واشنطن -على العكس- إلى وقف التدخل العسكري الإسرائيلي في الشأن السوري". وفق ما ذكره الموقع.

مع ذلك، ورغم التقييم المرتفع نسبيا لأهمية النشاط العسكري الإسرائيلي، لفت التقرير الروسي إلى أن الدولة العبرية -وبالاستمرار في المقارنة مع تايوان- لم تُذكر في الإستراتيجية الأميركية فيما يتعلق بخطط تحويل الشرق الأوسط من (مصدر محتمل لكارثة وشيكة) إلى (فضاء للشراكة والصداقة والاستثمار)".

"وذلك على الرغم من أن الوثيقة تعلن بشكل مباشر اهتمام واشنطن بموارد الطاقة الإقليمية والإنجازات التكنولوجية، خصوصا في مجالي الدفاع والذكاء الاصطناعي"، بحسب التقرير.

في هذا الصدد، لفت إلى أن "الوثيقة الجديدة رسَّخت صورة تراجع العلاقات بين الدولتين، فقد ذكرت مثالا محددا على أهم الحلفاء بالنسبة للولايات المتحدة، وهم ممالك الخليج العربي، دون الإشارة لإسرائيل".

حسابات الشراكة

"في السياق العالمي، أظهرت إستراتيجية الأمن القومي الأميركية انتقالا من الشراكة الجيوسياسية إلى الشراكة الجيو-اقتصادية، وهو تحول يبدو أن إسرائيل لم تستعد له بعد". يقول التقرير. 

ويتابع: "ويعود السبب في ذلك إلى الأسس المفاهيمية الخاصة بضمان أمنها القومي، المبنية على مبادئ راسخة منذ زمن، يتصدرها مبدأ الردع".

وأردف: "ففي معناه العسكري الضيق، يعني الردع خوض عمليات قتالية منخفضة الحدة، غالبا ذات طابع وقائي، بهدف منع اندلاع حرب شاملة".

واستطرد: "أما في معناه الواسع، فيمثل الردع منظومة مغلقة نوعا ما، حيث تسهم الاقتصاديات في دعم القوة العسكرية، بينما يُفترض أن يضمن التفوق العسكري الإقليمي -المدعوم بالموارد المالية- حماية الحياة الاقتصادية من الهزات التي تنشأ حتما في ظروف التصعيد الطويل وغير المنضبط".

وأوضح التقرير أنه "على أساس مشابه، بُنيت العلاقات مع الولايات المتحدة التي شكّلت مساعداتها العسكرية ركنا ثابتا يضمن التفوق النوعي لجيش الدفاع الإسرائيلي على جيوش الدول المجاورة".

واستدرك: "غير أن النموذج القديم للتعاون أظهر في الآونة الأخيرة ميلا إلى التحول، فقبل نشر الوثيقة الجديدة بقليل، منح الرئيس الأميركي الضوء الأخضر لصفقة شراء السعودية مقاتلات (F-35)، التي كانت حتى ذلك الوقت حكرا على إسرائيل في المنطقة".

وأضاف: "ثم جاءت الإستراتيجية لتشير فقط إلى أنه من بين (المصالح العليا) للولايات المتحدة مبدأ (أن تبقى إسرائيل دائما في أمان)، من دون أي تفاصيل حول كيفية تحقيق ذلك عمليا".

ويرى التقرير أن "هذه التطورات أثارت في الأوساط السياسية والأكاديمية الإسرائيلية موجة جديدة من النقاشات حول ميل واشنطن إلى ترك حلفائها في مواجهة الخطر، وهي موجة تضاهي في شدتها تلك التي رافقت فشل الاستفتاء على استقلال كردستان العراق في سبتمبر/ أيلول 2017، أو إعلان الانسحاب الأميركي من سوريا في ديسمبر/ كانون الأول 2018".

ولفت إلى أن "كلا الحدثين وقع خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب".

وبحسبه، "زادت حدة الجدل الراهن بسبب المفارقة الواضحة: ففي حين اكتفت الإستراتيجية الجديدة بتصريح عام حول ضمان أمن إسرائيل، حصلت تايوان على وعود أميركية صريحة بدعم قدراتها الدفاعية".

ويقدر التقرير أن إسرائيل تتعامل بلامبالاة مع هذه الإشارات الأميركية، وقال: "المنافسة غير المعلنة مع تايبيه تدفع حكومة بنيامين نتنياهو، إلى حد ما، لتجاهل الإشارات القادمة من واشنطن التي تسعى بوضوح إلى تحويل تركيز الشراكة من المجال العسكري-السياسي إلى المجال المالي-الاقتصادي".

فالإستراتيجية، وفق تحليله، تلمّح بشكل لا لبس فيه إلى إسرائيل وإلى الأنظمة العربية "المعتدلة" بأن الشرق الأوسط لن يتمكن من تكرار تجربة الحلفاء في منطقة المحيط الهادئ من حيث ضمانات الأمن، إلا عبر تطوير قطاعات الطاقة والتبادلات الاقتصادية واللوجستية التي لا يمكن القفز عليها.

وفي هذا السياق، لفت إلى أهمية الخليج العربي في الإستراتيجية الجديدة؛ حيث أشارت صراحة إلى أهمية "ممالك الخليج المرتبطة بموارد الطاقة وبالحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر".

في المقابل، ذكر أنه "لا يزال على إسرائيل أن تجد لنفسها موقعا واضحا؛ إذ لم يرد في النص أي ذكر لأهمية حقول الغاز البحرية الإسرائيلية، أو لمساهمتها في مواجهة الحوثيين في اليمن، أو لإنجازاتها السابقة في مجال التكنولوجيا المتقدمة، على عكس ما ورد من تفاصيل دقيقة بشأن مزايا تايوان".

إعادة نظر

أما عن موقع إسرائيل في الوثيقة الجديدة، فقال الموقع الروسي: "تعرض إدارة ترامب ملامح المسار الذي ينبغي على الحليف الإقليمي الرئيس أن يسلكه".

وتابع: "يعتقد الرئيس الأميركي أن تل أبيب ينبغي أن تعمل على توسيع نطاق (اتفاقيات إبراهام) التي ينبغي، كما ورد في الإستراتيجية، أن تشمل ليس فقط العالم العربي، بل العالم الإسلامي أيضا".

وأبرز الموقع "رغبة واشنطن في تحويل طبيعة التطبيع من سياسي إلى اقتصادي، مع توسيع نطاقه الجغرافي بشكل ملحوظ".

ووفقا له، "ظهر هذا في خطاب القيادة الأميركية مرتين أخيرا، وكان أحد هذه التصريحات إعلان الرئيس الأميركي انضمام كازاخستان إلى (اتفاقيات إبراهيم)".

ويعتقد أنه مع هذه التغيرات "ستحتاج إسرائيل، إلى جانب الإجراءات الخارجية، إعادة التفكير في مقاربتها للتوازن بين التنمية الاقتصادية والقوة العسكرية، لصالح الأولى".

في هذا الصدد، يشير الموقع إلى أن "الولايات المتحدة حاولت بالفعل دفع القيادة الإسرائيلية في هذا الاتجاه سابقا، من خلال خطة (ريفييرا الشرق الأوسط) التي تعرضت لانتقادات واسعة، وكانت في جوهرها محاولة جديدة لتطبيق فكرة (السلام الاقتصادي)".

ويرى أنه "في صورة أوسع، تشبه هذه الحالة الوضع الذي نشأ في الساحة الداخلية الإسرائيلية تحت تأثير عملية (أوسلو)، التي رافقها إعادة النظر في الإنفاق الحكومي لصالح الاحتياجات المدنية". 

وبحسب رأيه، "يبدو أن البيت الأبيض بدأ يتوقع شيئا مشابها تحت تأثير وقف إطلاق النار في قطاع غزة".

في المحصلة، يرجح التقرير الروسي أن الولايات المتحدة "تعمل على تحويل إسرائيل من حليف جيوسياسي يعتمد على ضمانات الأمن العسكري إلى حليف جيو اقتصادي قادر، بفضل موقعه وصلاته في محيطه الإقليمي، على استخدام أدوات ضغط اقتصادية إلى جانب الأدوات العسكرية، مثل التحكم في الصادرات أو فرض قيود على الاستثمارات".

وتوقع أنّ "تطور الأحداث وفق هذا السيناريو من شأنه أن يغير قواعد اللعبة بشكل ملموس؛ إذ إن إسرائيل وحدها حاليا تواجه تبعات مثل هذه الإجراءات غير الودية، وهو ما يظهر بوضوح في علاقاتها مع تركيا ويهدد تعاونها مع الاتحاد الأوروبي".

واستطرد: "أما رفض السير في هذا المسار، فيحمل خطر تآكل مكانة إسرائيل في منظومة الأولويات الأميركية، من موقع الشريك الاستثنائي إلى مجرد لاعب يُنظر إلى دعمه على أنه ضروري فقط في سياق الحفاظ على استقرار المنطقة".