إستراتيجية التنويع.. هل تتحول تركيا إلى بوابة أوروبا نحو مصادر الطاقة؟

منذ ١١ ساعة

12

طباعة

مشاركة

بدأ الوضع التركي يترسخ كعامل قوة في مشهد الطاقة العالمي، لا سيما بعد قرار الاتحاد الأوروبي بوقف استيراد الغاز الروسي. 

ويرى الخبير الألماني ماركوس هيلدبراند أن "أنقرة تتبع إستراتيجية تنويع مستمرة لمصادرها ومورديها، مما يجعلها شريكا جذابا ومحتملا لتجارة الطاقة مع أوروبا، خاصة في مجال الطاقة المتجددة".

كما أشار تقرير لمؤسسة "كونراد أديناور" الألمانية إلى أن مؤتمر المناخ العالمي (COP 31) الذي سيعقد في ولاية أنطاليا التركية خلال نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، سيكون مؤشرا مهما على كيفية تنسيق أهداف سياسة الطاقة مع أهداف حماية المناخ.

بؤرة الاهتمام 

وفي 26 يناير/ كانون الثاني 2026، وافقت 24 دولة من أصل 27 في الاتحاد الأوروبي على حظر استيراد الغاز الروسي. 

وبناء على ذلك، ستُقلل الواردات الروسية تدريجيا لتتوقف تماما بحلول 1 نوفمبر 2027. 

جدير بالذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طالب في سبتمبر/ أيلول 2025، جميع شركاء الناتو بالتوقف التام عن استيراد النفط والغاز الروسي لقطع التمويل عن حرب موسكو ضد كييف. 

وحسب تقرير المؤسسة الألمانية، تعد لائحة الاتحاد الأوروبي لوقف واردات غاز الأنابيب والغاز المسال من روسيا خطوة مهمة لتحقيق خطة "REPowerEU" التي قدمت في مايو/ أيار 2022.

كان أحد عناصرها  المركزية الثلاثة هو إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي، والذي بلغت حصته في الواردات الأوروبية عام 2024 حوالي 19 بالمئة. 

ويبقى الانتظار لكيفية تنفيذ الحظر فعليا، خاصة أن المجر قدمت دعوى أمام محكمة العدل الأوروبية في لوكسمبورغ ضده.

وأردف التقرير: "مع هذا الحظر، تبرز تركيا كشريك في سياسة الطاقة بشكل أكبر". 

وأشار إلى أن "هذا المخطط يؤثر على تركيا كونها تنقل النفط والغاز الروسي إلى أوروبا". 

ومع ذلك، أعلنت تركيا أنها "لا تعتزم الانصياع لقانون غاز أوروبي جديد محتمل، وأنها لن تتخلى تماما عن توريدات الغاز والنفط الروسية، ولن تفرض على نفسها التزامات إضافية بخصوص اعتماد منشأ الغاز بما يتجاوز المعتاد". 

واستدرك التقرير: "ومع ذلك، فإن نظرة دقيقة على سياسة الطاقة التركية تظهر إمكانات محتملة للتعاون".

مسألة بقاء

وفقا لوزير التجارة التركي عمر بولات، فإن الغاز الروسي يعد "حيويا" بالنسبة لتركيا في الوقت الراهن.

ولمواجهة هذه التبعية، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هدف الاستقلال الوطني في الطاقة، بحيث تكون تركيا قادرة على تلبية احتياجاتها التي تضاعفت بين عامي 2001 و2021. 

وفي 7 مايو/ أيار 2025، أكد أردوغان، في فعالية استثمارات الطاقة المتجددة لعام 2024، أن "الهدف ليس الاكتفاء الذاتي فحسب، بل أن تصبح تركيا مصدرا صافيا للموارد والتكنولوجيا".

وتتزايد التشابكات بين الاقتصاد والبيئة والجيوسياسة وسياسة الطاقة؛ وقد أعلن الرئيس أردوغان أن “أمن الطاقة هو مسألة بقاء بالنسبة للدولة”. 

وأوضح التقرير أن تركيا تعد الاستقلال الطاقوي هدفا مركزيا لعدة عوامل؛ منها تأمين التنافسية العالمية والرفاهية والتحول الصناعي، وخلق القدرة على الصمود في وجه نقص الإمدادات أو انفجار الأسعار، ومنح الحكومة هامش مناورة أوسع في السياسة الخارجية والأمنية عند حدوث مخاطر جيوسياسية.

إضافة إلى التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، مما يقلل انبعاثات الكربون ويسهم في هدف الحياد المناخي لعام 2053 والوفاء بالالتزامات الدولية مثل اتفاقية باريس للمناخ.

وكذلك تقليص عجز الميزان التجاري والميزانية؛ حيث تسببت الواردات الغالية في عجز كبير؛ وفي عام 2024 خفضت تركيا واردات الطاقة بنسبة خمسة بالمئة لتصل إلى 65.59 مليار دولار، علما أن نسبة الطاقة المستوردة تبلغ حوالي 70 بالمئة.

فضلا عن توفير مساحة أكبر لتسعير موارد الطاقة، مما يفيد السكان في ظل الأزمة الاقتصادية والعملية المستمرة.

السياسة الطاقية

وأكد التقرير أن "تركيا لا تعد حاليا دولة غنية بالطاقة ولا يمكنها تأمين احتياجاتها بنفسها على المديين القصير والمتوسط، خاصة مع توقعات بزيادة الطلب بنسبة 50 بالمئة حتى عام 2035". 

الاعتماد الأكبر على الخارج يكمن في الوقود الأحفوري؛ فوفقا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، شكل النفط والغاز والفحم نسبة 81.1 بالمئة من إمدادات الطاقة التركية عام 2023.

وتابع التقرير الألماني: "هذا الفقر في الطاقة يجبر تركيا على بناء شراكات إستراتيجية مع جيرانها الأغنياء بالموارد". 

وأردف: "تعد روسيا المورد الأهم للنفط والغاز والفحم عبر بنية تحتية متطورة؛ حيث إن تجارة النفط والغاز محكومة بعقود طويلة الأمد ولا بديل لها على المديين القصير والمتوسط لغياب طرق نقل بديلة".

لكن لفت تقرير المؤسسة الألمانية إلى أن محطات الغاز الطبيعي المسال (LNG) على السواحل التركية تمثل استثناء؛ حيث تسهم في تنويع الموردين.

وتابع موضحا: "فمع معالجة وتخزين وتوزيع الغاز المسال، يمكن لتركيا أن تصبح مستقلة عن غاز الأنابيب من دول معينة". 

في الوقت الراهن، تستورد تركيا الغاز المسال من الجزائر وقطر والولايات المتحدة ونيجيريا وترينيداد وتوباغو. 

وفي سبتمبر/ أيلول 2025، أُبرمت اتفاقية توريد بين شركة بوتاش التركية وشركة ميركوريا التجارية لشراء الغاز المسال الأميركي لمدة 20 عاما قادمة، مما يقلل التبعية لروسيا وإيران. 

ومن المحتمل -حسب التقرير- عدم تجديد العقد الإطاري مع إيران الذي ينتهي منتصف 2026 بنفس الشروط تحت ضغط ترامب، خاصة أن تركيا تفضل مشتريات الغاز المسال المرنة، مما يضع روسيا وإيران تحت ضغط سياسي.

لكن في المقابل، أكد التقرير على صعوبة تنويع واردات النفط؛ فمنذ الحرب الروسية ضد أوكرانيا، تضاعفت واردات تركيا من النفط الروسي تقريبا بسبب انخفاض الأسعار بعد انسحاب الشركات الغربية، وبذلك تستفيد أنقرة من عقوبات الاتحاد الأوروبي التي لم تشارك فيها منذ البداية.

الطاقة المتجددة

في مواجهة كل ذلك، تعد الطاقة المتجددة عنصرا مركزيا لتقليل الاعتماد على الخارج وجذب أوروبا كمورد للطاقة المستدامة غير الروسية. 

وتخطط تركيا، وفق ما ذكره التقرير، لزيادة إنتاج طاقة الشمس والرياح من 30 ألفا إلى 120 ألف ميجاوات بحلول عام 2035 باستثمار 80 مليار دولار، تماشيا مع خطة عمل "الصفقة الخضراء" لعام 2021. 

وفي عام 2024، بلغت حصة الطاقة المتجددة 42.7 بالمئة من مزيج الكهرباء التركي، شكلت الطاقة المائية نصفها تقريبا.

وأضاف التقرير أن المحطات النووية تلعب دورا كبيرا، حيث ستغطي محطة "آق قويي" التي تبنيها وتديرها شركة "روساتوم" الروسية 10 بالمئة من احتياجات الكهرباء. 

وتشير التقارير إلى أن محطة "سينوب" قد تذهب للولايات المتحدة بالتعاون مع كوريا الجنوبية بدلا من "روساتوم"، مما يمثل فصلا جديدا في التعاون مع واشنطن. كما تخطط تركيا لمحطة ثالثة في منطقة تراقيا.

وفيما يتعلق باحتياطياتها المحلية، أعلن الرئيس أردوغان عن اكتشاف حقل "غوك تبه-3" في البحر الأسود، والذي يمكنه تغطية احتياجات المنازل التركية لثلاثة أعوام ونصف العام (75 مليار متر مكعب). 

وفي 2026، ستضاعف أول منصة غاز عائمة "عثمان غازي" القدرات في حقل "صقاريا" لتصل إلى 20 مليون متر مكعب يوميا، بهدف تلبية 30 بالمئة من احتياج الغاز بحلول 2030.

كما تستمر جهود التنقيب في المتوسط رغم النزاع مع قبرص الرومية حول الوصول للموارد قبالة سواحل جمهورية شمال قبرص التركية.

وبالتوازي، أفاد التقرير بأن "تركيا توسع مخازن الغاز لإنشاء احتياطيات إستراتيجية، مع خطط لرفع السعة من 5.8 إلى 12 مليار متر مكعب بحلول 2028، ما يعادل 20 بالمئة من الاستهلاك السنوي".

وفي إنتاج النفط، سيتم استغلال حقول في منطقة غابار بولاية شرناق، حيث اكتشف بئر جديد، في يناير/ كانون الثاني 2025، ينتج 73 ألف برميل يوميا. 

وفي 12 مارس/ آذار 2025، أعلن وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار توقيع اتفاقية مع شركتي ترانس أتلانتيك بتروليوم وكونتيننتال ريسورسز الأميركيتين لتقديم الدعم التقني في ديار بكر وتراقيا، مؤكدا أن "تركيا ستصبح مستقلة ومصدرة للطاقة خلال 20 إلى 30 عاما".

إضافة إلى ذلك، ذكر التقرير أن تركيا اكتشفت في 2022 ثاني أكبر احتياطي للأتربة النادرة في العالم في ولاية إسكي شهير (694 مليون طن)، لتأتي خلف الصين والسويد. 

وفي 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، وقعت تركيا والصين مذكرة تعاون في التعدين. 

كما تمتلك تركيا 73 بالمئة من احتياطيات البورون العالمية، وهو مادة حرجة للصناعات العسكرية، استورد الاتحاد الأوروبي 98 بالمئة من حاجته منه من تركيا في 2023.

رؤية "تاجر الطاقة"

وحسب التقرير، تريد تركيا لعب دور "تاجر طاقة" أو "مركز طاقة" (Energy Hub)، مستغلة موقعها بين روسيا والقوقاز والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا. 

وأردف: "والهدف هو استغلال الموقع الجغرافي لتصبح سوقا للغاز. وقد اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2022 إنشاء مركز توزيع للغاز الروسي في تركيا، لكن خطط شركة غازبروم الروسية جُمدت في منتصف 2025 بسبب نقص قدرات الأنابيب التصديرية ورفض تركيا تسويق الغاز بالاشتراك مع غازبروم".

ولفت التقرير إلى أن تركيا تهدف إلى "تحقيق ربح اقتصادي ونفوذ سياسي عبر رسوم العبور وإعادة بيع الطاقة بأسعارها الخاصة، وقد وقعت اتفاقيات لتزويد بلغاريا والمجر ورومانيا ومولدوفا بالغاز". 

ووفق الخبير الألماني فإن "فائضا يتراوح بين 25 و30 مليار متر مكعب من الغاز المستورد قد يعاد بيعه". 

ورغم الشكوك حول قدرات خط أنابيب تاناب (TANAP) على تلبية الطلب الأوروبي كاملا، إلا أن “أوروبا تظل بحاجة لتركيا كدولة ترانزيت على المديين القصير والمتوسط”. وفق التقرير.

وتابع: "تمتد رؤية تركيا للبحث عن موارد خارج حدودها، مثل اتفاقيات التنقيب في ليبيا مع شركة TPAO، ومشاريع التنقيب في الصومال الموقعة في أبريل/ نيسان 2025".

وفي ختام التقرير، لفت إلى أن "تركيا توفر ظروفا مثالية لطاقتي الشمس والرياح، مما يفتح أسواقا كبيرة لألمانيا لتصدير خبراتها التقنية". 

لكنه أشار إلى أن “الشركات الألمانية في هذا المجال تواجه منافسة قوية من الصين”. موضحا أن "استغلال هذه الإمكانات يتطلب تعاونا سياسيا وثيقا مبنيا على الثقة لتقليل عوائق القطاع الخاص". 

وقد وضع ممثل تركيا لدى الاتحاد الأوروبي، فاروق قيماقجي، تعاون الطاقة في مركز الحوار المستقبلي.

ورغم تعليق الحوار منذ 2019 بسبب أزمة التنقيب قبالة قبرص، إلا أن صيغا مثل "منتدى الطاقة الألماني التركي" ولجنة "JETCO" تظل قنوات هامة للتواصل والحوار، وفق ما أفاد به التقرير.

وشدد التقرير على أن "استقرار العلاقات السياسية سيساعد القطاع الخاص على التخطيط والأمن وتقليل حواجز الاستثمار".

ورغم إقراره بأن "طموحات تركيا ونجاحاتها في تعزيز أمن الطاقة ملحوظة"، لكنه أكّد على أنها "تحتاج جهودا كبيرة لتقليل الاعتماد على روسيا وإيران، وأن هذا الاعتماد لا يمكن إنهاؤه فجأة".

واستدرك: "لكن إستراتيجية التنويع، مثل محطة سينوب النووية مع أميركا وزيادة استيراد الغاز المسال الأميركي، تجعل من تركيا شريكا جذابا لألمانيا وأوروبا بشكل متزايد، وسيوفر مؤتمر المناخ (COP31) في أنطاليا منصة هامة لتطوير هذه الجهود دوليا".