واشنطن تعود بقوة إلى العراق.. ماذا يحمل مبعوث ترامب؟

يوسف العلي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع بدء العدّ التنازلي لوصول مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى العراق، يتصاعد منسوب التوقعات بشأن الأجندة التي يحملها، لا سيما في ظل المحادثات المكثفة التي يجريها بشكل شبه يومي مع وزراء ومسؤولين أميركيين، والتي تتمحور جميعها حول الشأن العراقي بمختلف ملفاته السياسية والأمنية والاقتصادية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد كلّف سافايا، المنحدر من أصول عراقية كلدانية والبالغ من العمر 43 عاماً، بهذه المهمة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد بروزه كأحد أبرز أعضاء حملته الانتخابية في ولاية ميشيغان، فضلاً عن دوره اللافت في ملف الإفراج عن المختطفة الروسية–الإسرائيلية لدى المليشيات في العراق، إليزابيث تسوكوف.

اجتماعات مُمهدة

وقبيل وصوله المرتقب إلى بغداد، أجرى سافايا سلسلة من الاجتماعات مع كبار المسؤولين في إدارة ترامب، هدفت إلى وضع اللمسات الأخيرة على أجندة زيارته، وكشفت عن تركيز واضح على مناقشة التحديات الرئيسة وفرص الإصلاح في القطاع المصرفي العراقي، سواء الحكومي أو الخاص.

وفي هذا السياق، عقد سافايا في 15 يناير/كانون الثاني 2026 اجتماعاً مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، جرى خلاله بحث إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات التهريب وغسل الأموال، إضافة إلى العقود والمشاريع المالية الاحتيالية التي تُستخدم في تمويل وتمكين الأنشطة الإرهابية.

كما ناقش المبعوث الأميركي الخطوات اللاحقة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات التي وصفها بـ"الخبيثة"، والتي تسهم في تقويض النزاهة المالية وإضعاف سلطة الدولة، وذلك وفق ما أورده في تدوينة نشرها على منصة "إكس".

وفي اجتماع ثانٍ عقده في البيت الأبيض مع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، ومدير مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، تم الاتفاق على أن القضايا التي نوقشت ستُطرح مجدداً وبشكل موسّع خلال زيارته المقبلة إلى العراق.

وأكد سافايا، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس" في 16 يناير/كانون الثاني، عزمه التواصل مع من وصفهم بـ"صنّاع القرار المناسبين" في العراق، بهدف معالجة الأوضاع على أرض الواقع، وبما يخدم مصلحة الشعب العراقي على حد تعبيره.

وفي آخر اجتماع له داخل الولايات المتحدة حتى 18 يناير/كانون الثاني، التقى سافايا بمديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، وبجو كينت مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب التابع لها، واصفاً اللقاء بأنه كان "مثمراً للغاية". وناقش الاجتماع مجموعة من القضايا الجوهرية التي سبق أن أثارها، وفي مقدمتها دور المليشيات المدعومة من إيران والشبكات المرتبطة بها.

وأكد سافايا أن المناقشات شملت أيضاً أهمية مواصلة الحكومة العراقية جهودها خلال عام 2025 لتعزيز أمن الحدود، ومكافحة التهريب والفساد، وترسيخ سلطة الدولة. وأضاف أنه، وفي ظل قيادة الرئيس دونالد جيه ترامب، يلتزم التزاماً كاملاً بكشف المخالفات وملاحقة المتورطين فيها أينما وجدوا، والعمل على تحقيق الاستقرار في العراق وضمان أمنه، بما يخدم سيادته ورفاهية شعبه.

سياق متزامن

وتأتي هذه التحركات متسقة مع جولة أجراها القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، جوشوا هايس، منذ مطلع يناير/كانون الثاني، شملت لقاءات مع عدد من القيادات السياسية العراقية، من بينها اجتماعات مع شخصيتين بارزتين في "الإطار التنسيقي" الشيعي، هما عمار الحكيم ونوري المالكي، شدد خلالها على ضرورة "تفكيك المليشيات الإرهابية".

وكان آخر لقاءات هايس في 13 يناير/كانون الثاني مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، حيث جدد تأكيده أن "المليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، والتي تتجاهل دعوات العراق لنزع السلاح، لا مكان لها في الحكومة العراقية بأي صفة كانت".

كما شدد هايس على أن الولايات المتحدة ستواصل التأكيد، بوضوح وثبات، على ضرورة تحرك العراق بشكل عاجل لتفكيك المليشيات التي تسعى لتحقيق أجندات خارجية، وتقوض سيادته، وتستنزف موارده، وتهدد أمن العراقيين والأميركيين على حد سواء، وتجر البلاد إلى صراعات إقليمية.

مرحلة جديدة

وفي ما يتعلق بدلالات تحركات سافايا ورسائلها السياسية، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي حامد العبيدي إن "الجدية التي يعمل بها المبعوث الأميركي هذه المرة تبدو أعلى من السابق، وإن العين الأميركية باتت أكثر احمراراً تجاه المليشيات في العراق، قبل أن تتحول هذه الضغوط إلى صفعات عسكرية".

وأوضح العبيدي، في حديث لـ"الاستقلال"، أن ما يقوم به سافايا ينسجم مع التحولات الجارية في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن عام 2026 ينذر بمرحلة جديدة قد تشهد خلو المنطقة من المليشيات، سواء في لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن، وأن التعامل الدولي مستقبلاً سيكون حصراً مع الحكومات.

وبيّن الباحث أن ما جرى مع مليشيا "قسد" في سوريا يمثل دليلاً واضحاً، إذ رغم الدعم الأميركي السابق لها، إلا أن واشنطن دعمت حكومة أحمد الشرع لبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية. وأضاف أن الأمر ذاته ينطبق على مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، التي انتهى دورها بعد تمردها على الدولة، في ظل دعم غربي لتحرك السعودية ضد حليفتها الإمارات.

واستطرد العبيدي قائلاً إن التطورات الأخيرة تحمل تأثيرات بالغة الأهمية، مشيراً إلى أن أحمد الشرع ثبّت تحالفه مع الولايات المتحدة وتركيا والسعودية، ويوظف هذا التحالف لمعالجة الملفات الداخلية مع الأكراد والعلويين والدروز، وكذلك مع إسرائيل، التي أعلنت نيتها الانسحاب من تسعة مواقع في الجولان كانت قد سيطرت عليها.

ولفت إلى أن "الهلال الشيعي قد انتهى، ليحل محله هلال سني (تركي–سوري–أردني–سعودي) برضا أميركي"، موضحاً أن هذا الهلال يطوق العراق ويمتد ليخترق أراضيه من الجهة الكردية عبر إقليم كردستان.

وبحسب العبيدي، فإن هذا الهلال وافق على تسليم القيادة الكردية لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، بعد أن كاد حزب العمال الكردستاني ينتزعها منه خلال العقود الماضية.

ويرى الباحث أن إيران والمؤسسة الدينية الشيعية (المرجعية) قد تتجه إلى ركوب موجة الإسلام السياسي بدلاً من الخطاب المذهبي الذي طغى في المرحلة السابقة، في محاولة لكسب الشارع السني، ومواجهة الضغوط الأميركية وتجريدها من نفوذها الإقليمي.

وفي السياق ذاته، رأى السياسي العراقي الشيعي البارز عزت الشابندر أن اجتماعات سافايا، الذي سيصل إلى العراق قريباً، لن تحمل بشارات سارّة للعديد من الأسماء المتصدرة للمشهد السياسي العراقي، قائلاً في تدوينة نشرها على منصة "إكس" في 19 يناير/كانون الثاني: "المفلس في القافلة أمين".

إجراءات محتملة

وفي ما يتعلق بالأجندة المتوقعة لزيارة سافايا، ذكرت صحيفة "المدى" العراقية في 18 يناير/كانون الثاني أن المبعوث الأميركي قد يعمل على إغلاق معظم المصارف العراقية، والإبقاء على عدد محدود يتراوح بين 4 و6 مصارف فقط من أصل أكثر من 96 مصرفاً، وذلك ضمن حملة أميركية مشددة لمكافحة غسيل الأموال وتجفيف مصادر تمويل إيران.

وبشأن تشكيل الحكومة العراقية، أفادت الصحيفة بأن "الإطار التنسيقي" أبدى استعداده للتعاون الكامل مع سافايا في ملف الفصائل المسلحة، مع ترك الخيار للولايات المتحدة في كيفية التعامل مع الجماعات التي ترفض نزع السلاح، سواء عبر القوة العسكرية أو من خلال استهداف أنشطتها الاقتصادية.

وفي الوقت الذي رفعت فيه واشنطن منسوب تهديدها تجاه طهران، ملوّحة بخيارات عسكرية قاسية قبل أن تتراجع لاحقاً، كانت الفصائل العراقية منشغلة بصراعات داخل بغداد تتعلق بتقاسم المناصب في الحكومة المقبلة، ورسم ملامح مرحلة ما بعد السلاح، وفقاً لما أوردته الصحيفة.

ووفقاً للصحيفة، تشير البيانات الرسمية الصادرة في واشنطن وبغداد إلى أن الملفين الرئيسين على طاولة الجانبين يتمثلان في منع إشراك الفصائل المسلحة في الحكومة المقبلة، وقطع مصادر تمويلها، وكذلك مصادر تمويل إيران بالعملة الصعبة.

من جانبها، رأت صحيفة "الصباح الجديد" العراقية، في مقال نشرته في 18 يناير/كانون الثاني، أن تحركات سافايا تحمل رسالتين أساسيتين: الأولى موجهة إلى الحكومة العراقية، وتتمثل في ضرورة الإسراع بإصلاح القطاع المصرفي وضبط النظام المالي بما يتوافق مع المعايير الدولية، والثانية تحذيرية موجهة إلى الجهات المستفيدة من الفوضى المالية، ومفادها أن مرحلة التغاضي قد انتهت.

في المقابل، ذهبت صحيفة "العالم الجديد" العراقية إلى أبعد من ذلك، إذ نقلت عن مصادر قريبة من الإطار التنسيقي، لم تسمّها، أن المبعوث الأميركي بدأ فعلياً التدخل في مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، واختيار الوزراء، ولا سيما للوزارات السيادية.

وبحسب تقرير نشرته الصحيفة في 18 يناير/كانون الثاني، فإن تدخل سافايا في اختيار وزراء الحكومة الجديدة يتم بالتنسيق مع الإطار التنسيقي، مقابل غضّ الطرف عن بعض القوى والفصائل التي تتحفظ عليها الإدارة الأميركية.

وأوضحت الصحيفة أن تحرك سافايا يأتي في إطار حرص الإدارة الأميركية على أن يكون لها دور مباشر في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، كاشفةً أن تحركات مبعوث ترامب تسبق زيارته المرتقبة، وقبل الإعلان الرسمي عن الشروع في تشكيل الحكومة.

ووفقاً للمعلومات التي أوردتها الصحيفة، فإن هذه التحركات أثارت نقاشات داخلية وبين بعض القوى السياسية العراقية حول حجم التدخل الأميركي في تشكيل الحكومة المقبلة، رغم النفي الرسمي المتكرر من قبل قيادات في "الإطار التنسيقي" على وجه الخصوص.