"إنذار إسرائيلي" لنزع سلاح غزة خلال شهرين.. ما خيارات حماس؟

جيش الاحتلال بدأ إعداد خطط عملياتية تحسبًا لسيناريو عدم امتثال حماس
يواجه قطاع غزة لحظة مفصلية مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار مرحلته الثانية، وما تحمله هذه المرحلة من ملفات شديدة التعقيد، في مقدمتها مسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية إلى جانب انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع.
فقد نقلت القناة 12 العبرية عن مصادر سياسية إسرائيلية، في 17 يناير/كانون الثاني، ما وصفته بـ"إنذار نهائي" وجّهته تل أبيب إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وبقية الفصائل المسلحة في غزة، يقضي بنزع سلاحها بالكامل خلال مهلة لا تتجاوز شهرين، ملوّحة بأن الحرب ستُستأنف في حال عدم الامتثال.

شهران لنزع السلاح
وعلى وقع وقف إطلاق نار هشّ، مستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكدت المصادر أن هذا الإنذار يجري بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة، وبدعم علني من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي خيّر حركة حماس بين ما سماه "الطريق السهل أو الطريق الصعب" للتخلي عن سلاحها.
وبحسب القناة، بدأ العدّ التنازلي الإسرائيلي في اليوم نفسه الذي صدرت فيه التصريحات، متزامنًا مع الشروع في تشكيل هيئات جديدة لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، من بينها "مجلس السلام"، و"مجلس غزة التنفيذي" الذي يضمّ أعضاء دوليين، إلى جانب لجنة تكنوقراط محلية لإدارة الشؤون المدنية.
وأشارت مصادر القناة إلى أن جيش الاحتلال بدأ فعليًا إعداد خطط عملياتية تحسّبًا لسيناريو عدم امتثال حماس والفصائل الأخرى لهذا المطلب، مؤكدة أن تل أبيب "لن تقبل بأي خطوات شكلية أو جزئية في ملف نزع السلاح، ولن تتراجع عن خطوطها الحمراء ما دامت الحركة تحتفظ بقدرات عسكرية".
وعدّت إسرائيل نزع سلاح حماس شرطًا إلزاميًا لأي تقدم سياسي أو مدني مستقبلي في قطاع غزة، بل وربطت مستوى تعاونها مع الحكومة التكنوقراطية الجديدة المزمع تشكيلها بمدى تحقيق هذا الهدف.
ورغم ما تصفه تل أبيب بـ"الخسائر الفادحة" التي تكبدتها الحركة خلال الحرب الأخيرة، أفادت تقييمات أمنية نقلتها القناة بأن حماس ما تزال تحتفظ بقدرات عسكرية مقدرة، وتواصل إعادة تنظيم صفوفها، بل وشرعت – وفق الادعاءات الإسرائيلية – في إعادة التسلح، وبناء الأنفاق، وترميم قوتها القتالية في مناطق عدة من القطاع.
ويرى مسؤولون إسرائيليون أن إطالة أمد المرحلة الانتقالية دون حسم ملف السلاح يمنح حماس وقتًا إضافيًا لاستعادة قدراتها، ولذلك "تم تحديد جدول زمني صارم وقصير ينتهي بخطوة حاسمة إذا لم تتحقق الأهداف المرجوة".
وفي هذا السياق، أكد رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا لأمن إسرائيل. مشددًا على أن الإصرار على نزع سلاح حماس "مطلق" وغير قابل لأي مساومة.
وأوضحت مصادر القناة 12 أن إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الكاملة على تعريف مفهوم "نزع السلاح"، ومعاييره، وآليات التحقق منه، والجهة المخولة بتحديد ما إذا كان قد أُنجز بصورة "حقيقية ونهائية".
ويعكس هذا التشدد الإسرائيلي، وفق مراقبين، خشية تل أبيب من تكرار نموذج حزب الله في جنوب لبنان؛ حيث فشل تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بعد جولة قتال عنيفة خلال عامي 2024 و2025، ورفض الحزب نزع سلاحه.
وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد منحتا الحكومة اللبنانية مهلة حتى أواخر 2025 لبسط سيطرتها جنوبًا وتجريد حزب الله من سلاحه، غير أن المهلة انقضت دون تحقيق نتائج ملموسة.
وفي الوقت الذي يشجع فيه الأميركيون الجيش اللبناني على تحمل مسؤوليات أكبر في مواجهة الحزب، ويمنحون بيروت "فرصة أخيرة" لتعزيز سلطتها، تواصل إسرائيل تصعيد ضرباتها ضد أهداف تابعة لحزب الله بين الحين والآخر، محذّرة من أنها قد تضطر إلى تنفيذ عملية عسكرية واسعة إذا استمر فشل نزع السلاح بالكامل.

ما موقف حماس؟
في المقابل، تؤكد حركة حماس مرارًا أن سلاحها يُعد "حقًا وطنيًا مشروعًا" ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائمًا، وترى أن هذا الحق مكفول بموجب القوانين الدولية، ولا يمكن التنازل عنه إلا بتحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية كاملة، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس.
وتتحدث قيادات بارزة في الحركة بلهجة حاسمة إزاء مطلب نزع السلاح الكامل؛ إذ صرّح رئيس الحركة في الخارج، خالد مشعل، بأن التخلي عن سلاح المقاومة "يشبه نزع الروح من الجسد"، في إشارة إلى أن القضية تمس وجود الحركة وبقاءها، وليست مجرد ورقة تفاوضية.
وعلى مدى عقود، رأت حماس أن قوة جناحها العسكري، كتائب القسام، تشكّل ضمانة أساسية لردع العدوان الإسرائيلي، ومنع مخططاته الرامية إلى تهجير الشعب الفلسطيني، لا سيما في ظل غياب حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
ومع ذلك، ورغم الخطاب العلني المتشدد، لا تُغلق الحركة جميع أبواب المناورة. فقد قال مشعل نفسه، في تصريحات أخرى أدلى بها في ديسمبر/كانون الأول 2025، إن حماس قد تكون مستعدة لتجميد السلاح بدل تفكيكه كليًا، أي الإبقاء عليه مخزنًا وعدم استخدامه، مقابل ضمانات تحول دون عودة إسرائيل إلى شن الحرب.
وفي تصريحات أخرى لافتة، أبدى القيادي في حماس باسم نعيم، خلال الشهر نفسه، انفتاح الحركة على مناقشة خيارات مثل تجميد أو تخزين الأسلحة طوال فترة الهدنة، مع تقديم ضمانات بعدم استخدامها مطلقًا خلال سريان التهدئة.
وذهب نعيم إلى القول: إن الحركة "منفتحة جدًا" على نقاش مصير ما تبقى من أسلحتها، شريطة ألا يخل ذلك بأمن غزة الداخلي، مقترحًا إمكانية وضعها في مستودعات خاضعة لرقابة أو ضمانات فلسطينية إلى حين إشعار آخر.
غير أن وكالة الأنباء الفرنسية نقلت عن مسؤول إسرائيلي تأكيده رفض تل أبيب اقتراح تجميد السلاح في إطار هدنة طويلة الأمد. مشددًا على أن الخطة الأميركية تنص بوضوح على تجريد الحركة من سلاحها بالكامل.
وأضاف المسؤول: "غزة ستصبح منزوعة السلاح"، في إشارة صريحة إلى أن الخيار العسكري يبقى مطروحًا في حال لم يتم ذلك طوعًا.
وقد تعزز هذا الموقف من خلال تصريحات منسوبة إلى مصادر في إذاعة جيش الاحتلال، أكدت التزام تل أبيب بالتنسيق الكامل مع واشنطن لتحقيق نزع شامل لسلاح غزة، وعدم السماح لحماس بـ"إعادة بناء قدراتها العسكرية".
كما أكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، خلال لقائه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أن واشنطن لن تسمح لحماس بإعادة بناء قوتها العسكرية "مهما كان الثمن".

ما القادم؟
في ضوء أيديولوجية حركة حماس وتاريخها، فإن تسليم سلاحها يعني عمليا تفكيك جناحها العسكري وإنهاء دورها كحركة مقاومة، وهو ما يتناقض مع ميثاقها وتعهداتها الأساسية وأصل نشأتها، ما يجعل هذا الخيار مستبعدًا في المدى المنظور.
غير أن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى يتوقع، في محاولة لتفادي عودة العدوان الإسرائيلي، أن تُبدي حماس قدرًا من المرونة المحدودة والمشروطة فيما يتعلق بملف السلاح. وسيتحدد نهج الحركة، بحسب المعهد، ليس فقط بناءً على أيديولوجيتها ودينامياتها الإقليمية، بل أيضًا وفق حاجتها إلى الحفاظ على موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة.
ويرجح المعهد أن تُقيّم حماس ما إذا كان نزع السلاح الجزئي قد يساعدها على اكتساب شرعية غير مباشرة تتيح لها الحفاظ على بنيتها التنظيمية والسياسية في غزة، أو يمكّنها من الانضمام إلى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والمشاركة في الانتخابات المقبلة.
ولتحقيق ذلك، قد تعتمد الحركة – وفق التقديرات – على الوجود القانوني لأحزاب أو منظمات لا ترتبط بها رسميا، وهو أسلوب اعتادت عليه منذ تسعينيات القرن الماضي، ويُعد شائعًا بين الأحزاب المنتمية إلى جماعة الإخوان المسلمين في العالم العربي والغرب.
ومع ذلك، يرى المعهد أن حماس ستحرص على عدم فقدان هيمنتها العسكرية داخل القطاع، سواء في مواجهة المليشيات المسلحة الأخرى والعشائر المنافسة التي اشتبكت معها خلال الأشهر الأخيرة، أو في مواجهة قوات السلطة الفلسطينية التي قد تُنشر لاحقًا في حال ملاحقة عناصر الحركة.
وبالنسبة لحماس، يُعد الاحتفاظ بالأسلحة الشخصية لمقاتليها شرطًا أساسيًا للسيطرة الداخلية، والردع المحلي، وتوفير الحماية. وفق تقدير المعهد.
وعمليًا، قد توافق الحركة على خطوات جزئية أو رمزية لإبداء حسن النية دون التفريط بقوتها الفعلية، مثل تفكيك الأسلحة الثقيلة كالصواريخ وقذائف الهاون، أو تسليم جزء من مخزونها، مع الاحتفاظ بالأسلحة الفردية والخفيفة بدعوى استخدامها للدفاع الشخصي.
ولا يستبعد المعهد سيناريو فرض الأمر الواقع، موضحًا أنه إذا شعرت حماس بأن الضغط الدولي والإقليمي يميل نحو تجنب الحرب بأي ثمن، فقد تلجأ إلى خطوات تكتيكية تهدف إلى كسب الوقت وتعقيد مهمة نزع سلاحها.
ومن بين هذه الخطوات المحتملة، إخفاء جزء من الأسلحة في أماكن سرية، أو تسليمها لفصائل حليفة وأجنحة غير معلنة؛ بحيث تعلن الحركة ظاهريًا استعدادها للتخلي عنها، بينما تضمن فعليًا عدم فقدان قدرتها القتالية.
أما على الجانب الإسرائيلي، فقد تتخذ ردود الفعل في حال عدم نزع سلاح حماس أشكالًا متعددة، أبرزها التصعيد التدريجي بدل الضربة الشاملة الفورية، على غرار السيناريو المعتمد في لبنان.
وفي هذا السياق، قد تواصل إسرائيل احتلال مناطق واسعة من قطاع غزة، وتُبقي على ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي يشكّل نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع، كمنطقة عازلة تتوسع تدريجيًا داخل غزة، رافضة أي انسحاب إضافي ما دامت حماس تحتفظ بأي قدرة عسكرية، وهي ذريعة بدأت تل أبيب الترويج لها مبكرًا.
بل إن مصادر القناة 12 الإسرائيلية نفسها أكدت أن إسرائيل لن تنسحب من مواقعها الحالية، ولن تسمح ببدء عملية إعادة إعمار جادة، قبل تحقق نزع السلاح الكامل وفق معاييرها الصارمة.
وقد تلجأ تل أبيب أيضًا إلى تشديد الخناق الاقتصادي على غزة، ومواصلة الحصار بصورة أكثر قسوة لمنع حماس من إعادة التسلح، مع فرض قيود صارمة على إدخال مواد الإعمار والمعدات. بحسب ما أورده موقع "أكسيوس" الأميركي.
المصادر
- مسؤول كبير في حماس: الحركة مُستعدة لـ"تجميد أو تخزين" أسلحتها
- خالد مشعل لقناة الجزيرة: حماس تطرح “تجميد” سلاحها مقابل هدنة طويلةالأمد مع إسرائيل
- White House announces "phase two" of Gaza ceasefire deal
- Hamas’s “Rigid Pragmatism”: Between Tactical Flexibility and Ideological Intransigence
- Israel demands Hamas disarm within two months as US ushers in ceasefire second phase














