من البحر الأحمر إلى الخرطوم.. كيف أعادت السعودية رسم خطوط النفوذ في السودان؟

صفقة السلاح الباكستانية لا تمثل مجرد اتفاقية تسليح، بل تعكس تحولا استراتيجيا
لم يعد الدعم العسكري الذي يتلقاه الجيش السوداني مجرد تفصيل في حرب داخلية معقدة، بل بات عنوانًا لتحول إقليمي كبير تقوده المملكة العربية السعودية، في لحظة تشهد تصاعدًا غير مسبوق في التوتر مع دولة الإمارات.
فمع احتدام الخلاف بين الرياض وأبوظبي حول ملفات اليمن والبحر الأحمر والنفوذ في القرن الإفريقي، اختارت السعودية حسم موقفها في السودان، عبر تمكين الجيش النظامي للدولة، وكسر ميزان القوة الذي راكمته قوات الدعم السريع المتمردة، بدعم إماراتي مباشر وغير مباشر.
وجاءت صفقة السلاح الباكستانية الضخمة للجيش السوداني التي كُشف عنها في 9 يناير/كانون الثاني 2026، لتكون أول ترجمة عملية لهذا التحول السعودي، ورسالة سياسية وعسكرية في آن واحد، مفادها بأن السودان ليس ساحة مفتوحة لمشاريع التفكيك، ولا امتدادًا لتجارب المليشيات العابرة للحدود.
وفي لحظة إقليمية مشحونة، يبدو أن الرياض قررت الانتقال من موقع الوسيط الحذر إلى موقع الفاعل غير المباشر، في مواجهة مشروع إماراتي ترى فيه تهديدًا لوحدة الدول واستقرار الممرات الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر.

تفاصيل الصفقة
أعلن مقربون من دوائر صنع القرار في الخرطوم وإسلام أباد أن باكستان باتت على وشك توقيع صفقة أسلحة تاريخية مع السودان بقيمة 1.5 مليار دولار.
وتشمل الصفقة عشر طائرات هجومية، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة للاستطلاع والهجوم، وأنظمة دفاع جوي متقدمة، وطائرات تدريب، مع احتمال إدخال مقاتلات من طراز JF-17 ضمن صفقة قابلة للتوسع.
ويتمثل الهدف المعلن للصفقة في تعزيز قدرات الجيش السوداني في حربه المستمرة ضد قوات الدعم السريع، في واحدة من أخطر النزاعات التي تشهدها المنطقة منذ عام 2023.
غير أن هذا الحدث العسكري لم يكن مجرد توريد أسلحة، بل يمثل تحولًا إستراتيجيًا في موازين القوى داخل السودان، وقد يكون جزءًا من مبادرة سعودية غير مباشرة لإسقاط المشروع الانفصالي الذي تقوده قوات الدعم السريع بدعم إماراتي، عبر ترجيح كفة الجيش السوداني والدولة.
تمثل الصفقة الباكستانية–السودانية، الممولة سعوديًا، إضافة نوعية في تعزيز القدرات الجوية للجيش السوداني؛ إذ تشمل طائرات هجومية خفيفة من طراز Karakoram-8، توفر قدرة على استهداف مواقع قوات الدعم السريع في المناطق الحضرية وعلى خطوط الإمداد، وهي طائرات مناسبة لطبيعة الحرب غير التقليدية ذات التهديدات المتنقلة.
كما تضم الصفقة أكثر من 200 طائرة مسيّرة، تشمل مسيّرات استطلاع لتتبع تحركات الخصم، وأخرى هجومية وانتحارية لضرب مواقع قوات الدعم السريع، ما يعزز قدرات الجيش في مجالي الرصد والهجوم في آن واحد.
ويُعد تزويد الجيش بأنظمة دفاع جوي متقدمة خطوة بالغة الأهمية لسد فجوة طالما عانى منها، خاصة في مواجهة الطائرات المسيّرة التي استخدمتها قوات الدعم السريع في هجماتها على مدن مثل كسلا وبورتسودان خلال عام 2025.
وسيحصل الجيش السوداني كذلك على طائرات تدريب من طراز Super Mushshak، بما يسهم في إعداد طيارين محليين مؤهلين، وتقليل الاعتماد على برامج التدريب الخارجي.
وتشير تقارير إلى احتمال إدراج مقاتلات JF-17، التي في حال دخولها الخدمة ستمنح الجيش السوداني تفوقًا جويًا ملموسًا، وتحدث تحولا في قواعد الاشتباك ضمن حرب طويلة الأمد.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز البريطانية في 9 يناير/كانون الثاني، فإن هذه المنظومات مجتمعة تعالج نقاط الضعف الجوية التي عانى منها الجيش منذ عام 2023، لا سيما في مواجهة الطائرات المسيّرة التابعة لقوات الدعم السريع، كما تؤسس لسيطرة جوية قادرة على حماية المدن ومحاور الإمداد الحيوية.

من الوساطة إلى الانخراط
رغم أن الرياض لم تظهر رسميًا كطرف في توقيع الصفقة، فإن مؤشرات متعددة تربط بينها وبين تسهيل إتمامها.
ويرى محللون أن السعودية لعبت دور الوسيط وربما الراعي السياسي لاتفاق الدفاع، دون أن تُعلن نفسها طرفًا ممولًا بشكل مباشر.
ولا يبدو هذا التوجه وليد اللحظة؛ إذ تمتد العلاقة بين الرياض والمؤسسة العسكرية الباكستانية لعقود، وتشمل التدريب والتعاون الإستراتيجي والدعم المالي، ما جعل هذا المسار أداة مألوفة في الحسابات السعودية.
أما لجوء السعودية إلى بوابة باكستان بدل التدخل المباشر، فيعزوه تقرير لمركز “تقدم للسياسات” ومقره واشنطن (10 يناير/كانون الثاني)، إلى جملة عوامل، من بينها تجنب كلفة سياسية ودبلوماسية مرتفعة في حال التدخل العلني، وتفادي تصعيد مباشر مع الإمارات على الساحة السودانية.
كما يتيح هذا المسار للرياض اختبار نموذج تحالف أوسع، يعزز قدرات الجيوش النظامية في دول الصراعات، دون الانخراط العلني في مبادرات قد تثير حساسيات دولية.
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، وُجهت اتهامات واسعة للإمارات بأنها أكبر داعم عسكري لقوات الدعم السريع، عبر قنوات غير شفافة شملت المال والسلاح والمرتزقة، وصولًا إلى اتهامات بانخراط ضباط إماراتيين في العمليات.
وعدّت القيادة السودانية هذا الدعم مسعىً لإضعاف الجيش وتقويض الدولة المركزية وضرب وحدة الأراضي السودانية، خاصة بعد اتهام أبوظبي بدعم هجمات الطائرات المسيّرة على مطارات ومدن سودانية خلال عام 2025.
ودفعت هذه التطورات حكومة بورتسودان إلى قطع العلاقات مع الإمارات، وتصعيد القضية في المحافل الدولية، إلى جانب تعزيز التنسيق مع حلفاء إقليميين، في مقدمتهم السعودية ومصر.

صراع المحاور
ووفق تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية في 8 يناير/كانون الثاني، فإن “السعودية، التي تنظر إلى نفسها بوصفها قائدة للعالمين العربي والإسلامي، تتحرك لكبح جماح النفوذ الإماراتي إقليميًا”.
وتقول منى يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن: إن “السعودية قررت مواجهة نفوذ الإمارات على عدة محاور، ويشمل ذلك القرن الإفريقي والسودان، حيث يدعم الطرفان معسكرين متنافسين في حرب أهلية وحشية أشعلت أكبر أزمة إنسانية في العالم”.
وبحسب الوكالة الأميركية، يعتقد السعوديون وآخرون داخل مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم البحرين والكويت وعُمان والإمارات وقطر، أن أبوظبي انتهجت أولويات اقتصادية خاصة بها على حساب مصالح المجموعة.
ورغم أن مركز الخلاف السعودي–الإماراتي تبلور أساسًا في الملف اليمني، إلا أن الوكالة تشير إلى أن السودان كان نقطة تفجير الأزمة بين الطرفين.
وهو ما أكدته بلومبيرغ عندما نقلت أن “السعوديين يعتقدون أن الإمارات، وتحديدًا رئيس الدولة محمد بن زايد، وافقت على التقدمات الأخيرة التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، بوصفها خطوة انتقامية من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان”.
وأضافت الوكالة أن ذلك جاء “بسبب مناقشة ولي العهد السعودي دور الإمارات في السودان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارة للبيت الأبيض”، وذلك نقلًا عن أشخاص مطلعين على موقف الرياض.

ركيزة أساسية
قال الباحث السوداني محمد نصر لـ"الاستقلال": إن الدعم السعودي القوي للجيش السوداني لا يمكن فصله عن إدراك عميق لدى الرياض بأن وحدة السودان واستقراره يمثلان ركيزة أساسية لأمن الخليج، وفي مقدمته الأمن القومي السعودي.
وأوضح نصر أن السودان، بحكم موقعه الجغرافي وثقله السكاني، فضلًا عن إشرافه المباشر على البحر الأحمر، يشكّل حلقة مركزية في منظومة الاستقرار الإقليمي، محذرًا من أن أي انهيار شامل للدولة السودانية لن تقتصر تداعياته على الداخل فحسب.
وأضاف أن هذا الانهيار من شأنه فتح الباب أمام بؤرة توتر ممتدة، تمتد من القرن الإفريقي إلى الممرات البحرية الحيوية، بما يهدد أمن التجارة الدولية واستقرار الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وأشار نصر إلى أن الدعم السعودي للجيش السوداني يندرج في هذا السياق، بوصفه دعمًا للدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، وليس مجرد انحياز عسكري في إطار نزاع داخلي عابر.
وشدّد على أن حسم المعركة لصالح الجيش السوداني يمثل، من منظور الرياض، خط دفاع متقدم عن أمن الخليج، قبل أن يكون شأنا سودانيا داخليا، أو حتى جزءا من خلاف سعودي–إماراتي ظرفي.
وفي السياق ذاته، رأى نصر أن ما قامت به الإمارات في السودان، عبر دعم التمرد وإطالة أمد الحرب، لم يلحق الضرر بالسودان وحده، بل انعكست آثاره السلبية على الإقليم بأسره، من خلال تغذية مسار تفكيك الدولة وتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للمليشيات والاقتصاد الموازي.
ولفت إلى أن سقوط السودان كدولة مركزية لن يؤدي إلى فراغ مؤقت، بل إلى انفجار أمني طويل الأمد، تتقاطع فيه الهجرة غير النظامية، وتجارة السلاح، وتهريب البشر، ونشاط الجماعات المسلحة، وهو سيناريو سيدفع الإقليم بأكمله ثمنه، لا سيما دول الخليج المرتبطة أمنيا وملاحيا بالبحر الأحمر.
وختم محمد نصر تصريحه بالتأكيد على أن صفقة السلاح الباكستانية لا تمثل مجرد اتفاقية تسليح تقليدية، بل تعكس تحولا إستراتيجيا في مسار الصراع السوداني وفي معادلات الإقليم، بين رؤية سعودية–مصرية–عربية تدعم الدولة الوطنية ووحدتها، ورؤية إماراتية تراهن على المليشيات ومسارات تفكيك الدول.
المصادر
- حصري-مصادر: باكستان توشك على إكمال صفقة لتزويد السودان بأسلحة وطائرات
- السعودية تتحرك لشراء مقاتلات JF-17 للسودان
- arabia-moves-to-rein-in-uae-after-yemen-exposes-rivalry
- البرهان يبحث مع مسؤول سعودي جهود السلام في السودان
- Pakistani Arms Deals with Sudan and Libya and Their Regional Implications
- Pakistan nears $1.5 billion deal to supply weapons, jets to Sudan














