حرب إيران.. هل تنجر دول الخليج للمعركة أم تتخلى عن القواعد الأميركية؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

ارتبط اسم منطقة الخليج، على مدى العقود القليلة الماضية، بصورةٍ ذهنية راسخة بوصفها مساحة استقرار نسبي في محيط إقليمي تعصف به الحروب والانقسامات، وجزيرة هدوء وسط بحرٍ متلاطم من الأزمات الممتدة من العراق إلى اليمن، ومن سوريا إلى أفغانستان.

فقد نجحت دوله في تقديم نفسها بوصفها نموذجاً للأمن والازدهار الاقتصادي، وقبلةً للاستثمارات العالمية، وملاذاً آمناً لرؤوس الأموال والسكان الفارين من بؤر التوتر.

غير أن هذه الصورة التي بُنيت بعناية، وتكرّست بفعل التحالفات الدولية والوجود العسكري الأجنبي، بدأت تتعرض لاختبار قاسٍ مع اندلاع الحرب التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتنسيق مع إسرائيل، ضد إيران.

فبدلاً من أن تبقى دول الخليج بعيدة عن نيران المواجهة، وجدت نفسها فجأة في قلب معادلة الردع المتبادل، وفي مرمى الرسائل العسكرية المتبادلة بين أطراف الصراع.

لقد قامت الفلسفة الأمنية الخليجية، منذ عقود، على فرضية مفادها أن استضافة القواعد العسكرية الأميركية، وتعزيز الشراكات الدفاعية مع واشنطن، يشكّلان مظلة ردع كافية لتحييد المخاطر، وعلى رأسها التهديد الإيراني.

غير أن تطورات الحرب الأخيرة أظهرت وجهاً مغايراً لهذه المعادلة؛ إذ تحولت تلك القواعد، في نظر طهران، إلى أهداف مشروعة للرد، وأصبحت أراضي بعض الدول الخليجية ساحة لإيصال رسائل بالنار، تؤكد أن أي انخراط ــ مباشر أو غير مباشر ــ في العمليات ضد إيران لن يمر من دون كلفة.

وهكذا، بدلاً من أن تجلب التحالفات العسكرية مزيداً من الطمأنينة، حملت معها احتمالات الانفجار، وبدلاً من أن تبقى مدن الخليج بعيدة عن أصداء الحروب، عرفت الصواريخ والطائرات المسيّرة طريقها إليها للمرة الأولى بهذا الوضوح والجرأة.

المشهد الذي كان يُقدَّم بوصفه حصناً منيعاً ضد العدوان، بات يُطرح اليوم بوصفه سبباً في استدعاء الأخطار إلى الداخل، ووضع دول المنطقة في خط مواجهة حرب لم تكن صاحبة قرارها.

في ظل هذا التحول، لم يعد السؤال مقتصراً على مسار الحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، بل اتسع لينال جوهر العقيدة الأمنية الخليجية نفسها: هل ما زالت استضافة القواعد الأميركية ضمانةً للأمن، أم تحولت إلى مخاطرة إستراتيجية مفتوحة؟ وهل تستطيع هذه الدول النأي بنفسها عن صراع يتصاعد على حدودها، أم أنها باتت، بحكم تحالفاتها وموقعها الجغرافي، جزءاً لا يتجزأ من معادلة اشتباك أكبر منها؟

وسط الجحيم

في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تمضي قُدماً في تدشين مشاريع اقتصادية عملاقة، وإطلاق رؤى تنموية طموحة تراهن على الاستقرار والانفتاح وجذب الاستثمارات، وجدت نفسها فجأة تغرق في بحر من الغارات والصواريخ والطائرات المسيّرة.

فالمشهد الذي اعتادته المنطقة بوصفها مركزاً للأعمال والسياحة والمال، تبدّل على نحو دراماتيكي إلى سماءٍ تمزقها المقذوفات النارية، وانفجارات تضرب قواعد عسكرية ومنشآت حيوية، قبل أن تمتد إلى فنادق وخزانات نفط.

عقب انطلاق العدوان الأميركي الإسرائيلي المشترك، والذي أسفر عن مقتل مرشد الثورة علي خامنئي وعدد من القيادات العسكرية والسياسية، لم تتأخر طهران في الرد. فأطلقت دفعات مكثفة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية باتجاه قواعد أميركية في البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والكويت، في تصعيد غير مسبوق نقل المواجهة إلى قلب الخليج.

الهجمات الإيرانية نالت دول مجلس التعاون الست، بما في ذلك سلطنة عُمان التي لعبت دور الوسيط في المفاوضات النووية بين طهران وإدارة دونالد ترامب. كما امتدت الضربات إلى الأردن والعراق وإسرائيل، في رسالة تؤكد أن نطاق الرد لن يبقى محصوراً في ساحة بعينها.

وكان نصيب الإمارات والبحرين الأبرز من حيث الرمزية والكثافة؛ إذ تعرضت القاعدة البحرية للأسطول الخامس الأميركي في المنامة لقصف مباشر، فيما هزت تفجيرات صادمة فنادق في دبي يُعتقد أنها تضم إسرائيليين وعسكريين أميركيين.

وأسفرت الهجمات عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من مئة، وسط حالة ذعر واسعة.

وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة نشرها مؤثرون وعمال مهاجرون تُظهر مقذوفات نارية تشق سماء الليل بسرعة هائلة فوق ناطحات السحاب الشهيرة في دبي والمنامة، قبل أن تهوي على أهدافها.

وأصابت طائرة مسيّرة إيرانية فندق برج العرب ذي الخمس نجوم في دبي، البالغ ارتفاعه 321 متراً والمقام على جزيرة اصطناعية، في حادثة حملت دلالات نفسية واقتصادية بالغة.

وعقب الضربة، قالت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري: إن استهداف الفندق جاء بدعوى استضافته ضباطاً من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، زاعمة مقتل ستة من كبارهم وإصابة اثنين آخرين.

في الكويت، تحدثت تقارير عن “تعطيل كامل” لقاعدة علي السالم الأميركية، وتدمير ثلاث منشآت بحرية تحتية في منطقة محمد الأحمد، فضلاً عن أضرار جسيمة لحقت بقاعدة سلمان البحرية في البحرين.

كما تعرضت ثلاثة مواقع كويتية لقصف يومي أدى إلى تضرر أو تدمير منشآت عدة، بينها معدات اتصالات عبر الأقمار الصناعية. وأعلن عن مقتل أربعة عسكريين أميركيين وسقوط ثلاث طائرات أميركية أثناء القصف، بينما قالت واشنطن إنها أُسقطت بنيران كويتية صديقة.

وأفادت وزارة الدفاع الإماراتية بأن أكثر من 540 طائرة مسيّرة و165 صاروخاً باليستياً وصاروخي كروز استهدفت أراضي الدولة وقاعدة الظفرة الجوية خلال أول يومين فقط من الحرب، بينها 21 طائرة مسيّرة أصابت أهدافاً مدنية.

ورغم إعلان الإمارات إسقاط 92 بالمئة من المقذوفات، حذرت الباحثة كيلي غريكو من مركز مركز ستيمسون من أن هذا “الانتصار التكتيكي” يخفي استنزافاً إستراتيجياً مكلفاً.

وقدّرت أن إيران أنفقت ما بين 177 و360 مليون دولار لإطلاق صواريخها ومسيّراتها، في حين تكبدت أبوظبي ما بين 1.45 و2.28 مليار دولار لاعتراضها، أي ما يعادل خمسة إلى عشرة أضعاف كلفة الهجوم، مع استهلاك جزء كبير من مخزون الصواريخ الاعتراضية الذي استغرق بناؤه سنوات، خلال 48 ساعة فقط.

في المقابل، بدا التركيز الإيراني أقل حدة تجاه السعودية وقطر؛ فالأولى تمر بمرحلة تهدئة نسبية مع طهران وتمتلك قدرات دفاعية أكبر، فيما تحافظ الثانية على قنوات اتصال مفتوحة وتلعب دور الوسيط، رغم استضافتها قاعدة أميركية كبرى.

وسعت حكومات الخليج علناً إلى تجنب اندلاع حرب شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، إدراكاً منها أن نماذجها الاقتصادية قائمة على الاستقرار الإقليمي وقدرتها على توفير بيئة آمنة للمستثمرين والسياح. غير أن الخسائر البشرية والعسكرية التي أعلنها الحرس الثوري، والتي تحدثت عن مقتل وإصابة 560 عسكرياً أميركياً في أول يومين، رفعت منسوب القلق.

وبفعل هذه التطورات، مارست دول خليجية، خصوصاً قطر والإمارات، ضغوطاً على واشنطن لإنهاء الحرب سريعاً، بعدما تحدث ترامب عن احتمال امتدادها لأربعة أسابيع، وفق ما نقلته وكالة بلومبرغ في 2 مارس/آذار 2026.

وبحسب تحليل للوكالة، فإن مخزون قطر من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية قد يكفي لأيام قليلة إذا استمرت الهجمات بالوتيرة نفسها، بينما تواجه الإمارات خطر استنزاف مخزونها الدفاعي بشكل متسارع.

هكذا، وبينما كانت المنطقة تراهن على التنمية والازدهار، وجدت نفسها فجأة في قلب معركة استنزاف مفتوحة، لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق أو تُعترض، بل بكلفة الأمن ذاته، وبالهشاشة التي كشفتها الحرب في بنية الاستقرار الخليجي.

مصير القواعد الأميركية

على مدى عقود، قامت معادلة استضافة القواعد العسكرية الأميركية بين دول الخليج والولايات المتحدة على صفقة واضحة المعالم: أمنٌ مقابل تحالف. وفّرت واشنطن مظلة ردع عسكرية، فيما منحتها العواصم الخليجية مواقع إستراتيجية وبنية تحتية متقدمة، في إطار شراكة عدت حجر الزاوية في استقرار المنطقة.

وفي ظل هذه المظلة، ازدهرت الاقتصادات، وشُيّدت ناطحات السحاب، وتوسعت المطارات، وازدهرت السياحة، على أساس قناعة راسخة بأن الوجود الأميركي كفيل بردع أي تهديد خارجي.

غير أن هذه المعادلة تعرضت لاهتزاز عميق مع تغيّر نهج الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع إيران، وما أعقبه من تصعيد عسكري واسع. فبدلاً من أن تبقى القواعد الأميركية عنصر حماية، تحولت – في نظر طهران – إلى أهداف مباشرة، وأصبحت دول الخليج، بحكم استضافتها لتلك المنشآت، جزءاً من ساحة الاشتباك.

اليوم، تدرك عواصم خليجية أن ما كان يُنظر إليه كأداة ردع قد أصبح عاملاً جاذباً للخطر. فلو لم تكن هناك قواعد أميركية أو بنية تحتية عسكرية تُستخدم في العمليات، لما كانت – وفق هذا المنطق – هدفاً لمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقها الحرس الثوري.

كما أن توفير الدعم اللوجستي أو الانطلاق من هذه الأراضي نحو ضرب إيران، جعلها في صلب بنك الأهداف.

وفي السياق ذاته، برزت تساؤلات حول منظومات الدفاع الجوي مثل “باتريوت” و“ثاد”، المنتشرة في بعض الدول الخليجية، إذ يرى مراقبون أن وجودها مرتبط أساساً بحماية الأصول والقوات الأميركية، أكثر من ارتباطه بحماية المراكز التجارية أو المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تشكل عصب الرؤى التنموية.

وتشير تقارير أميركية إلى أن سلطنة عُمان كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تتعرض لقصف إيراني واسع، باستثناء حادثة استهداف ناقلة نفط قرب أحد موانئها، ويُعزى ذلك إلى عدم وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، فضلاً عن دورها الوسيط بين واشنطن وطهران.

في المقابل، طالت الضربات جميع الدول التي تستضيف بنية تحتية عسكرية أميركية، في رسالة بدت واضحة: كلفة الاستضافة لم تعد سياسية فحسب، بل عسكرية مباشرة.

ووفق محللين تحدثوا إلى وكالة رويترز في 28 فبراير/شباط 2026، فإن الضربات الإيرانية سعت إلى إظهار أن أياً من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ليس بمنأى عن متناولها، وأن دعم حملة واشنطن ضد طهران يحمل ثمناً باهظاً.

وفي خضم هذا التصعيد، أعادت إيران طرح فكرة إنشاء منتدى أمني إقليمي لا تشارك فيه الولايات المتحدة، كبديل عن ترتيبات الأمن التقليدية.

غير أن هذه المبادرة لم تلقَ زخماً يُذكر داخل مجلس التعاون، في ظل استمرار اعتماد دوله على ضامنين أمنيين خارجيين، وصعوبة تصور منظومة ردع إقليمية خالصة في بيئة تتسم بانعدام الثقة وتضارب المصالح.

هكذا، لم يعد النقاش مقتصراً على إدارة حرب عابرة، بل بات يمس جوهر العقيدة الأمنية الخليجية: هل تستمر “صفقة الحماية” بصيغتها القديمة رغم كلفتها المتزايدة؟ أم أن ما جرى يؤسس لمرحلة مراجعة استراتيجية قد تعيد تعريف مفهوم الأمن والتحالف في الخليج؟

هل تنجر للحرب؟

مع اتساع نطاق الضربات الإيرانية لتشمل أهدافاً تتجاوز القواعد الأميركية في دول الخليج، وصدور تهديدات رسمية بالرد العسكري، تصاعدت التساؤلات حول احتمالات انجرار هذه الدول – رغماً عنها – إلى أتون الحرب.

فالمواجهة التي بدأت بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، لم تعد بعيدة جغرافياً أو سياسياً عن العواصم الخليجية، بل باتت تضغط على حدودها وأمنها الداخلي واقتصاداتها.

وزاد من خطورة المشهد ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تصريحات بدت تحريضية، إذ روّج – بحسب ما نقلته صحيفة واشنطن بوست في 28 فبراير/شباط 2026 – لفكرة أن الحرب ضد إيران بدأت بتنسيق أميركي سعودي، وأن الرياض شريك رئيس في إشعالها. وهو ادعاء نفاه المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن، مؤكداً تمسك بلاده بالحل الدبلوماسي ورفضها الزج بها في مواجهة إقليمية مفتوحة.

وفي مقابلة هاتفية مع صحيفة ديلي ميل مطلع مارس/آذار 2026، قال ترامب تعليقاً على تقارير احتمال مشاركة السعودية في ضرب إيران: “إنهم يقاتلون، إنهم يقاتلون أيضاً”، في صياغة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لإظهار الحرب كصراع أوسع، وربما تغذيتها ببُعد طائفي بين “محور سني” و“محور شيعي”.

كما نقل موقع أكسيوس أن السعودية طلبت من ترامب، خلال زيارة وزير دفاعها إلى واشنطن، توجيه ضربة لإيران، وهو ما نفاه الإعلام الرسمي السعودي.

وترافقت هذه الروايات مع ضغوط إسرائيلية وأصوات أميركية وأوروبية متشددة تدفع باتجاه انخراط خليجي مباشر في الحرب.

في المقابل، حذر رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، مؤكداً عبر منصة “إكس” أن هناك قوى تدرك أن الاشتباك الحالي بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سينتهي عاجلاً أم آجلاً، لكنها تسعى إلى جرّ دول مجلس التعاون إلى صراع مباشر يستنزف موارد الجميع ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع.

وشدد على أهمية أن تبقى دول المجلس “يداً واحدة” في مواجهة أي اعتداء، من دون السماح بفرض إملاءات أو ابتزاز سياسي عليها.

على الصعيد العسكري، يرى أندرياس كريج، أستاذ الدراسات الأمنية في كينجز كوليدج لندن، في حديث لـ دويتشه فيله مطلع مارس/آذار 2026، أن احتمال دخول الجيوش الخليجية الحرب يبقى وارداً، لكن في إطار دفاع محدود عن النفس، لا عبر شن هجمات مباشرة على إيران.

ويشير إلى أن دول الخليج ستحاول احتواء تداعيات الحرب بدلاً من الانضمام إليها فعلياً، عبر تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، وحماية القواعد والمنشآت الحيوية، وتشديد الأمن الداخلي.

وتلفت مجلة الإيكونوميست في عدد 28 فبراير/شباط 2026 إلى أن دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة “تواجه أوقاتاً خطيرة”، مشككة في مدى استعدادها للوقوف مع طرف ضد آخر في حرب مفتوحة.

فهذه الدول، رغم اعتبارها الجمهورية الإسلامية خطراً استراتيجياً بسبب برنامجها النووي وترسانتها الصاروخية وشبكة حلفائها الإقليميين، أمضت السنوات الأخيرة في مسار تقارب معها لتجنب هذا السيناريو تحديداً.

فقد استأنفت السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 2023 بعد قطيعة استمرت سبع سنوات، وسارت الإمارات في اتجاه مشابه، كما حثت هذه الدول علناً ترامب على عدم شن حرب.

لكن الضربات الإيرانية التي طالت فنادق وموانئ ومطارات خليجية قلبت الحسابات. فوفق تحليل لصحيفة وول ستريت جورنال مطلع مارس/آذار 2026، قد تؤدي الحسابات الإيرانية الخاطئة واستهدافها دول الخليج إلى نتيجة عكسية تتمثل في دفع هذه الدول إلى الاصطفاف ضدها.

إذ إن وابل الصواريخ والطائرات المسيّرة الذي أصاب منشآت مدنية واقتصادية حساسة عزز شعوراً متنامياً لدى بعض النخب الخليجية بضرورة مواجهة الخطر الإيراني بشكل أوضح.

ومع ذلك، لا يبدو أن ثمة إجماعاً خليجياً حتى الآن حول الخطوة التالية. فبينما لا يزال بعض المسؤولين يراهنون على إحياء المسار الدبلوماسي واحتواء التصعيد، يعتقد آخرون أن مسار الأحداث قد تجاوز نقطة اللاعودة.

وبين هذين الاتجاهين، تقف دول الخليج أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحمي أمنها وردعها من دون أن تتحول إلى طرف أصيل في حرب إقليمية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في المنطقة لسنوات طويلة قادمة؟

إسرائيل والماء العكر

في خضم الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، برزت اتهامات بأن إسرائيل تسعى إلى توسيع رقعة الاشتباك، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً وطائفياً، عبر تأجيج التوتر بين ما يُوصف بالمحورين السني والشيعي.

ووفق هذا الطرح، تحركت تل أبيب على محورين رئيسين، مستفيدة من ضبابية المشهد وارتباك الروايات في زمن الحرب.

المحور الأول تمثل في الترويج لروايات إعلامية – تبناها أيضاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب – تزعم أن السعودية، وربما الإمارات، كانتا من أبرز الدول العربية التي شجعت واشنطن على ضرب إيران.

ورغم النفي السعودي الرسمي، استمر تداول هذه المزاعم، في سياق يرى فيه مراقبون محاولة لدفع الرياض تحديداً إلى زاوية الاصطفاف العلني، وتحويل المواجهة إلى صراع ذي طابع مذهبي، بما يخدم إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.

أما المحور الثاني، فيتعلق بفرضية تداولها محللون سياسيون، مفادها أن تل أبيب قد تكون – بشكل غير مباشر – وراء استهداف منشآت نفطية ومدنية في بعض دول الخليج، مع إلصاق المسؤولية بالقصف الإيراني، بهدف تعميق الشكوك ودفع العواصم الخليجية إلى رد عسكري مباشر.

ورغم غياب أدلة قاطعة على هذا السيناريو، فإن توقيت بعض الضربات وحساسيتها الإستراتيجية غذّيا هذا الجدل.

ففي 2 مارس/آذار 2026، أعلنت وزارة الدفاع السعودية وقوع “حريق محدود” في منشأة رأس التنورة، أحد أبرز مراكز تكرير وتصدير النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية، نتيجة سقوط شظايا إثر اعتراض مسيّرتين حاولتا مهاجمتها. وتُعد رأس التنورة محوراً رئيسياً في منظومة الإمدادات العالمية للطاقة، ما منح الحادثة بعداً اقتصادياً دولياً يتجاوز حدود المملكة.

في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني أن بلاده “غير مسؤولة عن استهداف أرامكو”، مشيراً إلى إبلاغ الرياض بذلك رسمياً. كما نقلت وكالة تسنيم عن مصدر عسكري قوله إن المنشآت النفطية في دول المنطقة “ليست ولم تكن ضمن أهداف هجمات إيران”.

هذا التباين في الروايات فتح الباب أمام تكهنات بشأن الجهة المستفيدة من ضرب منشآت الطاقة السعودية في هذا التوقيت الحساس.

على صعيد آخر، أشارت صحيفة نيويورك تايمز مطلع مارس/آذار 2026 إلى أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج، خصوصاً دبي، هزّت صورتها كملاذ آمن في منطقة مضطربة. فالمدينة التي اعتادت استقبال رجال أعمال إيرانيين، ومشاهير أميركيين، وأثرياء روس، وتقديم نموذج للاستقرار والرفاه، وجدت نفسها فجأة في قلب مشهد صاروخي غير مسبوق.

وهكذا، وبين روايات متضاربة، وضربات ذات طابع رمزي وإستراتيجي، تبدو المنطقة ساحة مفتوحة ليس فقط لتبادل النار، بل أيضاً لحرب سرديات تسعى فيها أطراف عدة إلى إعادة رسم خطوط الانقسام والتحالف.

وفي هذا “الماء العكر”، تتقاطع الحسابات الأمنية بالطموحات السياسية، فيما تبقى دول الخليج أمام معضلة مزدوجة: حماية استقرارها الداخلي، وتفادي الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع قد يتجاوز بكثير حدود المواجهة الراهنة.