رئاسة وزراء العراق.. ما الذي يجرى خلف الأبواب المغلقة داخل الإطار التنسيقي؟

الإطار التنسيقي الشيعي لم يعلن رسميا ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء
رغم تحميل إدارته مسؤولية سقوط نحو ثلث مساحة العراق بيد تنظيم الدولة عام 2014، واتهامه بإهدار مئات المليارات من الدولارات نتيجة الفساد المالي والإداري، توصل الإطار التنسيقي الشيعي إلى ما يشبه الاتفاق على ترشيح نوري المالكي لشغل منصب رئيس الوزراء لولاية ثالثة.
وتولى المالكي رئاسة الحكومة العراقية لولايتين امتدتا من عام 2006 إلى 2014، وانتهت ولايته الثانية باجتياح تنظيم الدولة لمساحات واسعة من البلاد، ما دفع المرجعية الدينية الشيعية في النجف إلى وضع فيتو على منحه ولاية ثالثة، عبر رسالة وُجهت إلى حزب الدعوة الإسلامية الذي كان يترأسه آنذاك.

تحالف ثلاثي
في 10 يناير/كانون الثاني 2026، كشفت وسائل إعلام محلية وشخصيات سياسية عراقية منتمية إلى الإطار التنسيقي الشيعي، وتحديدا مقربة من كل من نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، أن الأخير تنازل عن ترشيحه لصالح الأول، عقب جلسات ثنائية عقدت بين الطرفين.
وقال القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية، عائد الهلالي: إن الاتفاق أسفر عن تشكيل “تحالف ثلاثي” داخل الإطار التنسيقي يضم كلا من المالكي والسوداني ومحسن المندلاوي، نائب رئيس البرلمان السابق، ويتكون من 91 مقعدا من أصل نحو 170 مقعدا يمتلكها الإطار.
وأوضح الهلالي أنه في حال تعذر تمرير المالكي داخل البرلمان لأي سبب، فإن الترشيح سيعود إلى السوداني، أما إذا نجح المالكي في تشكيل الحكومة، فسيحصل السوداني على مساحة واسعة من الحقائب الوزارية والمناصب العليا، وقد يتولى شخصيا منصب وزير الخارجية.
وعن أسباب دعم السوداني للمالكي وتنازله عن الترشح، أشار الهلالي إلى أن العراق يمر بأزمات إقليمية معقدة، سواء على مستوى التطورات في إيران أو سوريا، إضافة إلى وجود أطراف داخلية تسعى إلى جر البلاد نحو الحروب، ويرى أن المالكي هو “الشخصية الوحيدة القادرة على لجم هذه الفصائل”.
في المقابل، أكّد القيادي في ائتلاف السوداني، محمد الخالدي، أن اختيار زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، لرئاسة الحكومة الجديدة “أمر بالغ الصعوبة”؛ نظرا لحاجته إلى إجماع قوى الإطار التنسيقي، فضلا عن موافقة أطراف سياسية أخرى من خارج الإطار.
ونقلت وكالة “شفق نيوز” العراقية، في 11 يناير، عن الخالدي قوله: إن المالكي مطالب بإقناع قوى الإطار وبقية الأطراف السياسية، إضافة إلى التيار الصدري والمرجعية الدينية في النجف، من أجل تمرير نفسه مرشحا لرئاسة الوزراء. مؤكداً أن عدم تحقيق ذلك يجعل وصوله إلى المنصب أمرا بالغ التعقيد.
وأشار الخالدي إلى أن رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني “ما زال المرشح الأقوى والأقرب” للحصول على ولاية ثانية.
من جهتها، أكدت النائب عن ائتلاف دولة القانون، عديلة حمود، أن المنافسة التي كانت محصورة بين السوداني والمالكي قد حُسمت لصالح الأخير.
ونقلت صحيفة “الصباح” الرسمية، في 12 يناير، عن حمود قولها: إن الإعلام والقوى السياسية تداولت أسماء عديدة، إلا أن الصراع الحقيقي داخل الإطار كان بين “قطبي الإطار”، وإن السوداني تنازل رسميا عن ترشيحه لصالح المالكي، مرحبا بتوليه رئاسة الحكومة المقبلة.
وأوضحت حمود أن طرح اسم المالكي جاء بعد تفويضه بحسم المنافسة بين المرشحين داخل الإطار. مشيرة إلى أن “نوري المالكي بات المرشح الوحيد حاليا بعد التفاهمات الداخلية الأخيرة”.
وأضافت أن الاتفاق الداخلي وضع حدا للخلافات، وأن التباين في الآراء داخل الإطار لا يعكس معارضة فعلية بقدر ما هو جزء من نقاشات سياسية طبيعية.

انقسام إطاري
رغم إعلان عدد من الشخصيات السياسية ترشيح نوري المالكي، لم يتضمن البيان الرسمي الصادر عن الإطار التنسيقي تسمية مرشحه لتولي رئاسة الوزراء، وهو ما رآه مراقبون مؤشرا واضحا على استمرار الخلافات داخل الإطار بشأن ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي حول اسمه.
وقال الإطار التنسيقي، في بيانه الصادر بتاريخ 10 يناير/كانون الثاني: إنه عقد اجتماعه الدوري في مكتب محسن المندلاوي، لمواصلة بحث ملف تشكيل الحكومة المقبلة وحسم تسمية رئيس مجلس الوزراء، وذلك في إطار الاستحقاقات الدستورية للمرحلة القادمة.
وأضاف البيان أن الاجتماع شهد أجواءً إيجابية ونقاشات مسؤولة، أسفرت عن تطورات مهمة ومؤشرات متقدمة، بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار السياسي والمصلحة العليا للبلاد، دون الإشارة إلى أي اسم محدد لمرشح رئاسة الحكومة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “العالم الجديد” العراقية في 11 يناير، فإن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني تسبب في صدمة كبيرة داخل قوى الإطار التنسيقي، حين أبلغهم بترشيحه زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة، في حال أصروا على رفض تجديد ولايته.
وذكرت الصحيفة أن تيار الحكمة الوطني، بزعامة عمار الحكيم، كان أول الأطراف التي أبدت صدمتها وتحفظها؛ حيث دعا الحكيم إلى ضرورة أخذ رأي المرجعية الدينية في النجف، كما بدأ بدراسة خيار عدم المشاركة في حكومة يترأسها المالكي، في ظل مخاوف جدية من تكرار سيناريوهات سابقة تتعلق باحتكار القرار السياسي والتفرد بإدارة السلطة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر وصفتها بـ“المطلعة”، لم تسمها، أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني فاجأ الحاضرين في اجتماع الإطار التنسيقي بترشيحه نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء، الأمر الذي أصاب جميع المشاركين بالصدمة.
وعزت الصحيفة أسباب هذه الصدمة إلى أن أحدا لم يكن يتوقع إمكانية حصول أي توافق أو وفاق بين المالكي والسوداني، نظراً لكونهما طرفين متقاطعين سياسيا بشكل كامل، وهو ما دفع عمار الحكيم إلى التحفظ والمطالبة بالحصول على موافقة المرجعية الدينية في النجف، التي كانت قد رفضت منح المالكي ولاية ثالثة في عام 2014.
وأضافت الصحيفة أن قادة آخرين داخل الإطار، من بينهم قيس الخزعلي وهادي العامري، شعروا أيضا بحالة من الصدمة والحرج المزدوج بين الرفض والقبول، خاصة في ظل وجود اتفاق سابق بين جميع أطراف الإطار، باستثناء المالكي والسوداني، على دعم ترشيح باسم البدري.
وأرجعت الصحيفة سبب رفض تيار الحكمة الوطني، بقيادة عمار الحكيم، إلى خلفيات تتعلق بتجارب سابقة، إضافة إلى مخاوف لدى بعض قيادات التيار من احتكار القرار السياسي وتفرّد نوري المالكي بإدارة مفاصل السلطة داخل الحكومة، في حال توليه رئاسة الوزراء مجددا.
وفي السياق ذاته، رأى عضو تيار الحكمة الوطني علي الجوراني أن بيان الإطار التنسيقي الأخير جاء “مبهماً”، مؤكداً أنه لا يحسم بشكل واضح هوية مرشح رئاسة الوزراء، ولا يؤكد صحة الأنباء المتداولة بشأن تنازل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عن ترشيحه.
وقال الجوراني، خلال مقابلة تلفزيونية في 11 يناير: إن بيان الإطار التنسيقي الأخير لا يدل على حسم ملف مرشح رئاسة الوزراء بصورة نهائية، لافتا إلى أن الإطار كان قد رشّح في وقت سابق زعيم ائتلاف دولة القانون نوري كامل المالكي للمنصب، إلا أن هذا الترشيح لم يُعلن رسمياً، تجنباً لإحراج المرجعية الدينية.

قرار إيراني
وعن مدى تدخل قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني في الدفع باتجاه ترشيح نوري المالكي، لم ينفِ القيادي في ائتلاف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، عائد الهلالي، هذا التدخل، بل أعرب صراحة عن أسفه لعدم قدرة المكوّن الشيعي، على مدى أكثر من عشرين عاماً، على إنتاج قراره السياسي بشكل مستقل، ما أتاح المجال لتدخل إيران في هذا الملف.
وفي 7 يناير/كانون الثاني، كشفت وكالة “بغداد اليوم” أن محسن المندلاوي استضاف اجتماعاً غير معلن لقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في العاصمة بغداد، بحضور عدد من قيادات الفصائل المسلحة التي تمتلك أجنحة سياسية داخل البرلمان، في لقاء وُصف بأنه خُصص لمناقشة شكل الحكومة المقبلة، وآلية إدارة العلاقة بين رئاسة الوزراء وقيادات الإطار التنسيقي خلال المرحلة القادمة.
وأضافت الوكالة أن تزامن الحديث عن اجتماع استثنائي للإطار التنسيقي مع زيارة قاآني إلى بغداد، وتكثيف اللقاءات في منازل قيادات الصف الأول، يعكس دخول ملف رئاسة الحكومة مرحلة الحسم، سواء عبر توافق داخلي يكرّس أحد المرشحين الثلاثة الرئيسين، وهم نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، وحيدر العبادي.
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي، لطيف المهداوي، في حديث لـ“الاستقلال”: إن نوري المالكي “يُصوَّر حالياً في وسائل الإعلام على أنه الشخص القادر على تقييد المليشيات، والاقتراب من الولايات المتحدة، وضبط الساحة الشيعية، إضافة إلى تقديمه بوصفه رجل المرحلة القوي الذي يلبّي الحاجة الإيرانية الراهنة”.
وأضاف المهداوي أن “الذهنية العراقية تتوقع استحالة مرور المالكي، لكنه يبقى خيار الفائزين، تماماً كما كان البعض يتوقع استحالة تولي محمد الحلبوسي رئاسة البرلمان، ومع ذلك حدث الأمر، وبالتالي فإن العراق بات يتحمل كل الاستثناءات”.
ولفت إلى أن التيار الصدري لا يزال صامتا حتى اللحظة، مقدرا أنه من غير المرجح أن يتدخل لمنع وصول المالكي إلى السلطة، كما أن الولايات المتحدة لن تمانع، أو على الأقل لن تعلن رفضها لأي اسم، طالما لا يتقاطع مع مصالحها.
وأشار الباحث إلى أن “العراق بحاجة إلى شخصية قادرة على عبوره في ظل هذا الاضطراب الإقليمي، وما تشهده إيران من أزمات، وتهديدات إسرائيل المتصاعدة”، ويرى أن المالكي يبقى “أقوى الشخصيات داخل الإطار التنسيقي وزعيمه بلا منازع”.
وتوقع المهداوي أن يظل ملف تولي المالكي رئاسة الحكومة المقبلة معلقا إلى حين تبلور موقف عدم ممانعة من الأطراف المعنية، وفي مقدمتها المرجعية الشيعية في النجف، والتيار الصدري، والولايات المتحدة، إضافة إلى الدول الخليجية والعربية.
ونبّه الباحث إلى أن سجل المالكي “حافل بالانتهاكات في مختلف الملفات”، سواء في مجال حقوق الإنسان أو في الملفين المالي والإداري، وصولاً إلى اتهامه بالمساهمة في اجتياح تنظيم الدولة للعراق، بالتواطؤ مع قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني، ورئيس النظام السوري السابق بشار الأسد.
وتلاحق المالكي تهمة “الخيانة العظمى” بشكل رسمي، وفق ما خلصت إليه لجنة تحقيق شكّلها البرلمان العراقي عام 2015، حمّلته مسؤولية سقوط مدينة الموصل وثلث مساحة البلاد بيد تنظيم الدولة في عام 2014.
وفي 17 أغسطس/آب 2015، أعلن رئيس البرلمان العراقي الأسبق، سليم الجبوري، أن مجلس النواب أحال إلى القضاء تقرير لجنة التحقيق في سقوط الموصل، والذي تضمّن تحميل رئيس الحكومة السابق نوري المالكي و35 مسؤولا سياسيا وعسكريا آخرين مسؤولية ما جرى.
وقال الجبوري، خلال مؤتمر صحفي بثه التلفزيون الرسمي عقب جلسة للبرلمان، إن “مجلس النواب صوّت على إحالة الملف بجميع حيثياته وأدلته وأسمائه إلى القضاء، ليُحال بدوره إلى الادعاء العام ليأخذ مداه القانوني”. مؤكداً أنه “لم تُستثنَ أي فقرة من التقرير ولا أي شخص”.
وفي اليوم التالي لإعلان الجبوري، قلل المالكي من أهمية تقرير لجنة التحقيق، ويرى أنه “لا قيمة له”، وزعم أن اللجنة “سيطرت عليها الخلافات السياسية وخرجت عن موضوعيتها”. مدعياً أن “ما حصل في الموصل كان مؤامرة جرى التخطيط لها في أنقرة قبل أن تنتقل إلى أربيل”.
ومن بين الاتهامات البارزة التي تُوجَّه إلى المالكي في ملف سقوط تنظيم الدولة، سيطرة التنظيم على معسكر “سبايكر” في محافظة صلاح الدين شمالي البلاد، وارتكابه مجزرة راح ضحيتها نحو 700 جندي متدرب كانوا متمركزين في المعسكر.
المصادر
- لا يكفيه ما ارتكبه من جرائم.. لماذا يصر نوري المالكي على استفزاز سنة العراق؟
- مصادر «العالم الجديد»: قادة الإطار مصدومون من ترشيح المالكي.. الحكيم يتصدر الرفض بـ«فيتو» النجف
- ائتلاف السوداني: تمرير المالكي صعب جداً وعليه إقناع أطراف من العملية السياسية وخارجها
- تسمية رئيس الوزراء.. مكتب المالكي يعلن ترشيحه والإطار يتحدث عن "تطورات مهمة"
- كواليس زيارة قاآني.. من هو المرشح الذي حظي بدعم "الجنرال"؟













