حرب على البيئة.. لماذا تستخدم إسرائيل مبيدات خطِرة على حدود سوريا ولبنان؟

خالد كريزم | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

مع بداية عام 2026، تصاعد العدوان الإسرائيلي على البيئة والقطاع الزراعي في المناطق الحدودية مع كلٍّ من سوريا ولبنان، في سياق انتهاكات لا تقتصر على القصف والقتل، بل تمتد إلى استهداف التربة ومصادر رزق المزارعين، بما يهدّد الأمنين البيئي والغذائي في تلك المناطق.

وتعمد طائرات زراعية إسرائيلية إلى رشّ الشريط الحدودي بمبيدات كيميائية محظورة، مستهدفة الغابات والأراضي الزراعية في الجنوب اللبناني وريف القنيطرة السوري، بذريعة “إزالة الأعشاب الضارة” وتحسين مستوى الرؤية لأغراض أمنية، ما يؤدي إلى إتلاف المحاصيل وتلويث التربة وإلحاق أضرار مباشرة بالمزارعين وممتلكاتهم.

ما القصة؟

يمتلك جيش الاحتلال الإسرائيلي أسطولًا من طائرات الرشّ الزراعي، استخدمه لسنوات على حدود قطاع غزة وفي الضفة الغربية لتجريف الأراضي الزراعية، غير أنه خلال عام 2026 وسّع نطاق هذه العمليات ليشمل شمال فلسطين المحتلة، بمحاذاة الحدود مع لبنان وسوريا.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة طائرات خفيفة تحلّق على علو منخفض، وتقوم برشّ كثيف فوق مناطق زراعية قريبة من الشريط الحدودي، ما أثار مخاوف واسعة لدى المزارعين والسكان المحليين.

وكان جيش الاحتلال قد أبلغ بعثة الأمم المتحدة في لبنان اليونيفيل في أكثر من مناسبة بنيّته تنفيذ “نشاط جوي لنثر مادة كيميائية غير سامة”، من دون أن يحدّد طبيعة هذه المادة أو تركيبتها.

غير أن السلطات اللبنانية أعلنت لاحقًا أن الفحوصات المخبرية أظهرت احتواء الرذاذ على مادة “الغليفوسات”، وهو مبيد أعشاب قوي صنّفته منظمة الصحة العالمية عام 2015 على أنه “مادة مسرطنة محتملة للإنسان”.

وتُعدّ مادة الغليفوسات مبيدًا غير انتقائي؛ إذ تقضي على معظم أنواع النباتات عبر تعطيل قدرتها على إنتاج الأحماض الأمينية الأساسية. كما يمكن أن تبقى في التربة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى تدمير النباتات البرية المفيدة، والإضرار بخصوبة التربة، واحتمال تسرّبها إلى المياه الجوفية.

من جهتها، أوضحت منظمة PAX for Peace الهولندية أن الجيش الإسرائيلي استخدم في حروب سابقة خليطًا من الغليفوسات ومبيدات أخرى مثل “أوكسي فلورفن” (Oxygal) و“ديورون” (Diurex)، مشيرة إلى أن هذه المواد ارتبطت بأمراض مزمنة وأضرار بيئية بعيدة المدى.

وفي بيان مشترك، أفادت وزارتا الزراعة والبيئة في لبنان بأن بعض العينات أظهرت تركيزات من الغليفوسات “أعلى بعشرين إلى ثلاثين ضعفًا من المعدلات الطبيعية للاستخدام الزراعي”.

وأشار البيان إلى أن استخدام هذه المواد سيؤدي إلى “إلحاق أضرار جسيمة بالغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، بما يؤثر مباشرة في الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والتوازن البيئي”.

وأضاف: “تؤكد الوزارتان أن رشّ مواد كيميائية فوق الأراضي اللبنانية يُعدّ عملًا عدوانيًا خطيرًا يهدد الأمن الغذائي، ويلحق أضرارًا جسيمة بالموارد الطبيعية، ويقوّض سبل عيش المزارعين، فضلًا عن المخاطر الصحية والبيئية المحتملة على المياه والتربة وسلسلة الغذاء بأكملها”.

ولم تقتصر هذه العمليات على لبنان؛ إذ بين أواخر يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026، نفّذت طائرات إسرائيلية عمليات رشّ مماثلة فوق أراضٍ زراعية في محافظة القنيطرة جنوب سوريا.

وجرت هذه العمليات على طول خط الفصل في الجولان السوري المحتل، المعروف باسم “الخط ألفا”، وهو خط وقف إطلاق النار الفاصل بين القوات الإسرائيلية والسورية.

ما الأهداف؟

يسعى الاحتلال الإسرائيلي، وفق معطيات ميدانية وتقارير إعلامية، إلى إنشاء شريط خالٍ من الغطاء النباتي على طول “الخط الأزرق” الفاصل بين لبنان وإسرائيل، وكذلك في الجولان السوري المحتل، بما يتيح إقامة مرصد عسكري مفتوح ويجعل الأراضي الحدودية مكشوفة بالكامل أمام الجنود والمستوطنين. وتبرر إسرائيل هذه العمليات بذريعة “إزالة النباتات الضارة” لأغراض أمنية.

وفي 2 فبراير/شباط، أفادت قناة i24NEWS الإسرائيلية بأن “الجيش الإسرائيلي نفّذ عمليات رشّ مبيدات أعشاب في المناطق القريبة من الحدود مع سوريا ولبنان، بهدف تدمير النباتات التي قد يختبئ بينها إرهابيون”. بحسب تعبيرها.

ونقلت القناة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أن الهدف يتمثل في تقليص الغطاء النباتي الذي قد يستغله مقاتلو حزب الله أو فصائل سورية لشنّ عمليات ضد إسرائيل. غير أن هذه ليست المرة الأولى التي تُستخدم فيها مبيدات الأعشاب كأداة ضمن أدوات الحرب.

فمنذ عام 2014، وثّقت منظمات حقوقية إسرائيلية، مثل بتسيلم، إلى جانب مؤسسة Forensic Architecture في لندن، عشرات الحوادث التي قامت فيها طائرات إسرائيلية برشّ مبيدات الأعشاب على حدود قطاع غزة، ما أدى إلى تدمير محاصيل المزارعين الفلسطينيين والإضرار باقتصادهم المحلي.

كما شهد عام 2025 عمليات قطع ممنهجة للأشجار في الجولان؛ حيث أزال الجيش الإسرائيلي أكثر من 9 آلاف دونم من الأشجار، لتُستكمل العملية لاحقًا عبر القضاء على البذور والنباتات الجديدة باستخدام المبيدات.

ولا يزال ريف جنوب لبنان يحمل آثارًا بيئية جسيمة لعدوان عسكري إسرائيلي مكثف ضد حزب الله انتهى قبل نحو عام.

فإلى جانب سقوط نحو 4 آلاف قتيل وإصابة قرابة 17 ألفًا، وُجّهت اتهامات لإسرائيل باستخدام الفوسفور الأبيض والقنابل الحارقة، التي أحرقت الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون والغابات، وتركت التربة ملوّثة بمعادن ثقيلة، فضلًا عن مخلفات الذخائر العنقودية غير المنفجرة.

وتتقاطع هذه الممارسات مع ما يصفه ناشطون بـ“إرث الأرض المحروقة”؛ إذ نقلت صحيفة The Guardian عن هشام يونس، مؤسس ورئيس منظمة “الجنوبيون الخضر” البيئية اللبنانية، قوله: إن مفهوم الأرض “المحروقة” أو “الميتة” متجذر في تقاليد الحرب الصهيونية.

وأضاف يونس: “لطالما اعتمدت إسرائيل أساليب ذات آثار مدمّرة طويلة الأمد، سواء على المناظر الطبيعية والنظم البيئية، أو على الخصائص الإيكولوجية، أو عبر التقويض المنهجي للشروط الضرورية لاستدامة الحياة وسبل العيش”.

الأضرار والتأثيرات

كشف تقرير صادر عن منظمة PAX for Peace الهولندية، استند إلى صور الأقمار الصناعية، عن تحديد المناطق المتأثرة بعمليات الرش، مؤكدًا أن الطائرات الإسرائيلية رشت شريطًا يمتد لنحو 55 كيلومترًا على طول الحدود السورية.

وتراوح عرض خط الرش بين 30 و100 متر، مع وجود مسارات مزدوجة في بعض المناطق، ما رفع إجمالي المساحة المتضررة داخل الأراضي السورية إلى ما بين 4 و6.5 كيلومترات مربعة.

وفي جنوب لبنان، أوضحت المنظمة أن صور الأقمار الصناعية لم تكن واضحة بالكامل، لكنها أشارت إلى رش مناطق في بلدات الطيري وألبستان واللّبّونة، مؤكدة أن العملية طالت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والغابات.

وتحدث مزارعون في جنوب لبنان ومحافظة القنيطرة عن تحول حقول القمح والزيتون إلى اللون الأصفر خلال أيام قليلة من الرش، في مؤشر على تلف المحاصيل بالكامل. وأشار وزير الزراعة اللبناني نزار هاني إلى أن المنطقة المتضررة في لبنان تمتد لنحو 18 كيلومترًا، بعرض يتراوح بين 300 و500 متر.

وفي سوريا، أعلن محافظ القنيطرة أحمد الدالاتي في 13 فبراير/شباط أن عمليات رش المبيدات جوًا على طول خط وقف إطلاق النار ألحقت أضرارًا بنحو 4 آلاف دونم، وحرمت المربين من الاستفادة منها، لافتًا إلى أن نحو 70% من سكان المحافظة يعتمدون على الزراعة والثروة الحيوانية كمصدر رئيس للدخل.

من جهته، أكد مركز القنيطرة للإعلام وقوع أضرار بيئية وزراعية جسيمة في المواقع المستهدفة؛ إذ أظهرت معاينات ميدانية موت الغطاء النباتي بشكل كامل في المناطق التي جرى رشها، لا سيما الأعشاب البرية، بما يعكس التأثير المباشر والخطير لهذه المواد على البيئة الطبيعية.

كما رُصد تضرر حقل قمح في بلدة كودنة بمساحة تُقدّر بنحو 80 دونمًا، حيث بدا أثر الضرر واضحًا من خلال موت محصول القمح بالكامل، ما شكّل خسارة زراعية كبيرة وانعكاسًا سلبيًا على سبل عيش المزارعين والأمن الغذائي في المنطقة. وفقًا للمركز.

وتبرز هذه الأرقام الطابع الواسع والمنهجي للعملية، خاصة أن رذاذ المبيدات يمكن أن ينتشر بفعل الرياح إلى مسافات تتجاوز نطاق الرش المباشر، ما يعني أن الأثر الفعلي قد يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود المرصودة.

ويمتد التأثير أيضًا إلى الصحة البشرية؛ فقد حذرت وزارة البيئة اللبنانية من أن التعرض طويل الأمد لمادة الغليفوسات قد يرتبط بمخاطر صحية خطيرة، بينها السرطانات والتشوهات. مشيرة إلى تسجيل حالات تهيج جلدي ومشكلات تنفسية لدى بعض السكان.

كما حذر باحثون في هيومن رايتس ووتش من أن استمرار الرش في منطقة تعتمد بشكل أساسي على الزراعة قد يعرقل عودة آلاف النازحين الذين تهجروا خلال الحرب الأخيرة.

الكاتب الصحفي السوري المختص بقضايا البيئة والمناخ زاهر هاشم أوضح أن الغليفوسات يعمل عبر تثبيط إنتاج أحماض أمينية أساسية (إنزيمات) موجودة في النباتات وبعض أنواع البكتيريا والفطريات، ما يؤدي إلى موت النبات بالكامل بعد امتصاص المادة عبر الأوراق.

وبيّن هاشم لـ"الاستقلال" أن رش هذه المادة يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، وزيادة مخاطر انعدام الأمن الغذائي في المناطق المتضررة، فضلا عن اختلال توازن البكتيريا النافعة في التربة، ما قد يقلل من خصوبتها الطبيعية.

وأضاف أن الغليفوسات يمتلك قدرة على الارتباط بمعادن مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والمنغنيز، ومع مرور الوقت قد تصبح هذه العناصر أقل توافرًا للنباتات، الأمر الذي يضعف نموها الطبيعي ويؤثر سلبًا في جودة المحاصيل الزراعية.

وتابع أن مركبات AMPA (حمض الأمينو ميثيل فوسفونيك)، الناتجة عن تحلل الغليفوسات، قد تبقى في التربة لسنوات رغم تحلل المادة الأم سريعًا، ما ينعكس على جودة الأراضي الزراعية وخصوبتها على المدى الطويل.

وأشار إلى أن الاستخدام المفرط للغليفوسات قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في الخريطة النباتية؛ إذ يسهم في ظهور سلالات من الأعشاب الضارة المقاومة له، على غرار ما يحدث مع المضادات الحيوية، ما يدفع المزارعين إلى استخدام جرعات أعلى أو مواد كيميائية أكثر سمية.

كما أن القضاء الشامل على الأعشاب غير المستهدفة نتيجة الرش واسع النطاق يحرم الحشرات النافعة، مثل النحل والفراشات، من مصادر غذائها وموائلها، ما يخلّ بتوازن السلسلة الغذائية المحيطة بالأراضي الزراعية.

ويؤكد المختص البيئي أن الغليفوسات قد يصل إلى الغابات أو النباتات البرية المجاورة عبر الانجراف الهوائي أو الجريان السطحي، وهو ما يضعف مناعتها الطبيعية ويجعلها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض.