بعد "فيتو" ترامب.. ماذا عن مصير المالكي من رئاسة وزراء العراق؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

في وقت كان يستعد فيه نوري المالكي للعودة إلى مقر رئاسة الوزراء داخل المنطقة الخضراء في بغداد، أدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب العراق في مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي. 

اضطراب وصفه موقع فارسي بـ"إهانة عميقة للعراقيين، أججت غضبهم من التدخلات الخارجية في شؤون بلادهم، وأسهمت في إبطاء مسار تشكيل الحكومة".

صدى واسع 

وأفاد موقع "الدبلوماسية الإيرانية" بأن مصادر متعددة كشفت، خلال الأسابيع الماضية، أن واشنطن أبلغت مسؤولين عراقيين بعزمها تقييد وصول بغداد إلى عائدات صادراتها النفطية في حال تكليف المالكي برئاسة الوزراء"؛ لأنه "يتمتع بعلاقات وثيقة للغاية مع إيران".

وأوضح أنه "وفقا لهذه المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، فقد طُرح هذا التحذير خلال محادثات خاصة".

"وبناء على ذلك، يمكن القول إن إدارة ترامب أطلقت حملة شاملة ضد المرشح الذي يحظى بتوافق قوى سياسية عراقية لتولي رئاسة الوزراء، وهي حملة تبدو عازمة على المضي قدما فيها دون تراجع". بحسب تقديره.

وتابع: "منذ اللحظات الأولى عقب تغريدة ترامب، أعلن المالكي، أنه لا ينوي الانسحاب من الساحة السياسية".

وفي مقابلة مع قناة "الشرقية" المحلية، أكد المالكي أن ترامب تلقى "معلومات مغلوطة بشأن الوضع في العراق"، وأبدى في الوقت نفسه استعداده للتعاون مع واشنطن. 

واستدرك الموقع: "غير أنه شدد على أن قرار ترشيحه لرئاسة الوزراء يعود حصرا إلى المجلس المكوّن من كبار قادة الشيعة في العراق الذين طرحوا اسمه في يناير/ كانون الثاني 2026".

وأضاف المالكي أنه إذا تقرر سحب ترشيحه، فإن هذا المجلس وحده يملك صلاحية اتخاذ مثل هذا القرار.

في غضون ذلك، أشار الموقع إلى أن "القوى المقربة من إيران ومعظم السياسيين الشيعة يدفعون المالكي إلى التمسك بموقفه وعدم التراجع في مواجهة النفوذ الأميركي".

في الوقت ذاته، "ترى أطراف سياسية أخرى أن تنفيذ الولايات المتحدة لتهديداتها سيؤدي إلى زعزعة أكبر لاستقرار العراق".

ويرى الموقع أن "هذا التحذير الذي تردد صداه في بغداد يكشف عن حقيقة المشهد السياسي العراقي، فرغم العلاقات الوثيقة بين بغداد وطهران وتأثير كل منهما على الآخر، فإن الاقتصاد العراقي المعتمد على النفط لا يمكن أن يستمر دون تنسيق مع واشنطن وتفاهم نسبي مع البيت الأبيض".

ومن هنا، يعتقد التقرير أنه "رغم كون الإطار التنسيقي مظلة تجمع أبرز القوى الشيعية، إلا أنه لا يمتلك القوة الكافية لمواجهة واشنطن، ويظل مهددا بالعزلة السياسية والسمعة السلبية، فضلا عن خطر العقوبات".

خطوة تكتيكية 

ويعتقد التقرير أن "اسم نوري المالكي طُرح في بداية النقاشات حول رئاسة الوزراء كخطوة تكتيكية لا أكثر؛ خطوة هدفها أن يُجبر المالكي ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني على الانسحاب من المنافسة".

واستدرك: "غير أن ترشيح المالكي أصبح أكثر جدية عندما وافق السوداني على دعمه".

وأردف: "بعض المراقبين رجّحوا أن السوداني اتخذ هذا الموقف لأنه كان يتوقع أن تتدخل أطراف أخرى لمنع المالكي من الترشح، ليبقى هو الخيار النهائي ضمن الإطار التنسيقي".

واستطرد: "هناك من يرى أن السوداني كان متحمسا لإقصاء المالكي من المشهد السياسي وحرق أوراقه بالكامل".

ولفت التقرير إلى أن "هذا القرار جاء في وقت كان فيه قطاع واسع من العراقيين لا يزال غاضبا منه بسبب تمدد (تنظيم الدولة) في البلاد عام 2014".

وأضاف أنه "رغم التحفظات والتحذيرات، خلصت القوى السياسية العراقية في نهاية المطاف إلى قبول إعادة طرح المالكي لولاية جديدة في رئاسة الحكومة".

مع ذلك، استبعد الموقع أن تتمكن القوى الشيعية من فرض المالكي، قائلا: "حظوظ المالكي في العودة إلى السلطة تكاد تكون معدومة بسبب المعارضة الأميركية لترشيحه".

في الوقت نفسه، يقدر أن النفوذ الإيراني في العراق لا يزال قويا. مضيفا: "رغم أن الولايات المتحدة تبذل جهودا مكثفة لتقليص نفوذ إيران في العراق، إلا أن هذه الجهود تبدو بلا جدوى واضحة".

وتابع: "إن معظم رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على الحكم في العراق حافظوا على علاقات وثيقة مع إيران، بحكم الروابط السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين البلدين".

وخلص الموقع إلى أنه "رغم إصرار ترامب على عزل إيران عبر تقليص نفوذها في دول الجوار، إلا أن العراق يظل حالة مختلفة يصعب على واشنطن التحكم فيها بالكامل".

واستطرد: "على مدى سنوات، عدت الولايات المتحدة المالكي مجرد منفذ لتعليمات طهران".

في إطار تحليلي أوسع، أشار الموقع إلى أن "العراق يحظى بأهمية إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، ليس فقط بسبب ثروته النفطية، بل أيضا لموقعه الجيوسياسي الفريد".

"ومن ثم، وفي ظل تصاعد الأزمة بين واشنطن وبغداد وغياب رؤية واضحة لمستقبل العلاقة؛ اختار ترامب التدخل المباشر في السياسة العراقية لتضييق الخناق على إيران". يقول التقرير.

وتابع: "بالنسبة للولايات المتحدة، تقليص التبادل التجاري بين العراق وإيران، وإنهاء النفوذ السياسي لطهران في بغداد، واستبدال القيادات العراقية بشخصيات ذات توجهات مناهضة لإيران؛ كلها أهداف أساسية".

ومع ذلك، يقدر التقرير أن "واشنطن لا تستطيع تحقيق كل هذه الأهداف دفعة واحدة".

وفسر ذلك قائلا: "صحيح أن الضغط على ملف النفط العراقي، والتأثير في مسار اختيار رئيس الوزراء، وفرض الإملاءات على الساسة العراقيين قد ينجح في إبعاد المالكي عن المنصب، لكنه لن يغير طبيعة اللعبة السياسية داخل المنطقة الخضراء بشكل كامل".

خيار صعب

وحول السيناريوهات المستقبلية، قال الموقع: "أدركت بغداد أن البيت الأبيض يتبنى نهجا أكثر هجومية من أي وقت مضى".

وأضاف: "فالمعارضة لترشيح المالكي كان يمكن أن تُطرح في وقت مبكر، عندما كانت مسألة ترشحه لا تزال يكتنفها الغموض، إلا أن ترامب اختار، بعد تردد ملحوظ، أن يعلن موقفه بلغة تهديدية حملت قدرا كبيرا من التشكيك والإساءة، واضعا القرار العراقي موضع تساؤل علني".

وأمام هذا الواقع الجديد، يرى الموقع أنه "لم يعد أمام الساسة العراقيين من الشيعة والسنة والأكراد سوى التعامل مع المعطيات المستجدة والبحث عن مخرج يحفظ ما تبقى من رصيدهم السياسي".

ووفقا له، فإنه "لا شك أن معارضة ترامب العلنية للمالكي أربكت مسار تشكيل الحكومة، وألحقت حرجا سياسيا بكل من المالكي والإطار التنسيقي".

وبالتالي، "يجد الإطار نفسه اليوم أمام خيار صعب: إما التراجع عن قراره السابق بطريقة تحفظ ماء الوجه، أو المضي قدما مع تحمّل تبعات سياسية واقتصادية قد تفرضها إدارة ترامب". بحسب تحليله.

ويعتقد الموقع أنه رغم تأكيد المالكي والإطار التنسيقي على المضي قدما في قرار الترشح لرئاسة الوزراء، إلا أن هناك "مؤشرات عدة توحي باستمرار مفاوضات خلف الكواليس، وهي مفاوضات قد لا تصب في صالح المالكي إذا ما أسفرت عن تسوية بديلة".

كما أن جلسة مجلس النواب العراقي التي كانت مقررة في الأول من فبراير/ شباط 2026 تأجلت على ما يبدو بسبب غياب التوافق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حول منصب رئيس الجمهورية.

وبحسب تقدير الموقع، "قد يُنظر إلى هذا التأجيل بإيجابية نسبية؛ إذ يمنح الإطار التنسيقي مزيدا من الوقت لاستكمال مشاوراته الداخلية، لا سيما أن الدستور العراقي ينيط برئيس الجمهورية مهمة تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة".

ومن ثم، فإن الخيار الأسهل أمام الإطار يتمثل -وفق الموقع- في "انسحاب المالكي، بما يتيح للقيادات الشيعية التوافق على اسم جديد".

وأردف: "صحيح أن هذا السيناريو قد يفتح الطريق أمام السوداني مجددا، إلا أن ثمن تراجع المالكي قد يكون اضطرار الإطار إلى دعم شخصية أكثر قربا منه حفاظا على توازناته الداخلية".

أما إذا رفض المالكي التنحي، فتوقع أن "يلجأ الإطار التنسيقي إلى البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، أو حتى إلى المضي في ترشيحه مع الرهان على أن الكتل السنية والكردية داخل البرلمان لن تمنحه الثقة".

واستدرك: "غير أن التعويل على أطراف أخرى لإسقاط ترشيحه ينطوي على مجازفة سياسية كبيرة، وهو في جوهره المسار ذاته الذي أدى في البداية إلى تثبيت اسمه كمرشح توافقي".

وبالتالي، يرى الموقع أن "الإقدام على هذا الخيار سيحمل مخاطرة سياسية عالية، قد تعيد إنتاج الأزمة بدلا من احتوائها".