لبنان بين الإصلاح وحصرية السلاح.. أي مصير ينتظر انتخابات مايو البرلمانية؟

الصحافة اللبنانية أكد أن فرنسا والسعودية طلبتا تأجيل الانتخابات
على بُعد أكثر من ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات البرلمانية اللبنانية، تناقلت صحف محلية تقارير تفيد بتقدّم عدد من الدول، من بينها السعودية وفرنسا، بطلب لتأجيل العملية الانتخابية، ما أثار تساؤلات حول دوافع هذه المطالبات ومدى إمكانية الاستجابة لها في ظل التعقيدات الداخلية.
ورغم أن الاستحقاق المحدد في 10 مايو/أيار 2026 لا يزال قائمًا من الناحية الرسمية، فإن مصيره يكتنفه قدر من الغموض، في ظل استمرار الجدل السياسي والقانوني حول بعض مواد القانون الانتخابي، لا سيما المادتين 112 و122، اللتين تحصران تمثيل اللبنانيين المغتربين بستة مقاعد ينتخبونها ضمن ما يُعرف بـ"الدائرة 16".
في المقابل، تطالب أحزاب سياسية ممثلة في مجلس النواب، أبرزها القوات اللبنانية، بتعليق العمل بهاتين المادتين، كما جرى في دورتي 2018 و2022، عبر إدخال تعديل عليهما داخل المجلس النيابي، بما يتيح للمغتربين الاقتراع لكامل أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 128 نائبًا، بدل حصر تمثيلهم بعدد محدد من المقاعد.

اشتراطات خارجية
في 21 فبراير/شباط 2026، نشرت صحيفة الأخبار، المحسوبة على حزب الله، تقريرًا ذكرت فيه أن رئيسَي الجمهورية جوزيف عون ومجلس النواب نبيه بري تلقّيا، للمرة الأولى، طلبات مباشرة فرنسية–سعودية تقضي بالتمديد للمجلس النيابي وتأجيل الانتخابات لمدة سنة واحدة على الأقل.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، بدأ النقاش عقب عودة رئيس الحكومة نواف سلام من زيارة إلى فرنسا، وإجرائه اتصالات مع الجانب السعودية؛ حيث أبلغ جهات بارزة أنه سمع كلامًا مباشرًا يدفع نحو تأجيل الانتخابات، مع تمسّك واضح ببقائه في رئاسة الحكومة.
وأضافت أن الجديد يتمثل في ما نقله أحد زوّار القصر الجمهوري (لم تسمّه) عن تلقّي عون رسالة فرنسية تدعوه إلى البحث في تأجيل الانتخابات تحت عنوان أن “الظروف الداخلية ليست مؤاتية لأي تغيير جدّي، وأن بقاء حكومة سلام يساعد على استكمال الإصلاحات وخطة نزع السلاح”.
وأشارت الصحيفة إلى أن وزيرًا بارزًا (لم تسمّه) نقل عن بري أنه تعمّد رفع سقف خطابه بشأن الانتخابات بعد تلقيه، بصورة مباشرة، طلبًا سعوديًا بالتمديد سنة واحدة على الأقل.
ولفتت إلى أن الجانب السعودي رفع مستوى الضغط عقب تبلّغه قرار سعد الحريري خوض الانتخابات، مبررًا طلب التأجيل بأن لبنان يمر بظروف خاصة، ولا يمكنه تجميد ملف حصر السلاح أو الإصلاحات، مع تأكيد دعمه القوي لبقاء سلام في رئاسة الحكومة.
وبحسب الصحيفة، فإن بري يصرّ على أن يأتي طلب التمديد من الحكومة لا من البرلمان، وقد أبلغ المعنيين أن “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل) ليس في وارد المشاركة في أي مقترح للتمديد، من دون معارضته في حال تقدّمت الحكومة بالاقتراح ووافقت عليه الكتل الأساسية، لا سيما حلفاء السعودية، في إشارة إلى القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وبعض النواب السنّة.
وفي السياق نفسه، أفادت صحيفة البناء، في 21 فبراير، بأن شخصيات سياسية التقت سفراء دول أجنبية في لبنان خلال الأسبوع السابق، حيث جرى التلميح إلى غياب إرادة خارجية وظروف إقليمية مؤاتية لإجراء الانتخابات النيابية في الوقت الراهن.
ووفق الصحيفة، فإن هذه الدول تفضّل تأجيل الانتخابات لعام أو عامين إلى حين اتضاح المشهد الإقليمي، ولا سيما مآلات المفاوضات الأميركية–الإيرانية وتداعياتها على المنطقة، ما يعني عمليًا وضع لبنان في حالة انتظار.
في المقابل، نقلت صحيفة الجمهورية، في 21 فبراير، عن مسؤول رفيع المستوى (لم تسمّه) تأكيده أنه “لن يكون في مقدور أحد، في الداخل أو الخارج، تعطيل الانتخابات أو منع إجرائها في موعدها. الانتخابات ستُجرى في الموعد المحدد وعلى أساس القانون الانتخابي النافذ، ونقطة على السطر”.
وأضاف المسؤول أن “هناك جهات داخل الحكومة تدفع باتجاه التمديد، كما أن بعض أعضائها يستهويهم بقاء المجلس النيابي وتمديد ولايته، لكن ذلك لن يحصل. فالحكومة ملزمة بتطبيق القانون النافذ كما هو، ولا تستطيع تجاوزه استجابة لرغبات أو تقديرات سياسية ظرفية”.

السلاح أولا
وفي ما يتعلق بإمكانية تأجيل الانتخابات، قال المحلل السياسي اللبناني حنا صالح: إن “المصلحة الوطنية اللبنانية تقتضي إعطاء الأولوية لاستكمال نزع السلاح وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية قبل الذهاب إلى الانتخابات”.
وأضاف صالح، في تصريح لـ“الاستقلال”، أن “أي انتخابات تُجرى في ظل وهج سلاح حزب الله، وفي ظل مناطق خاضعة لاصطفافات وتقسيمات طائفية، ستؤدي عمليًا إلى تزوير إرادة الناخبين، وإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها، ما يُبقي لبنان بعيدًا عن قيام الدولة العادلة التي تلبي طموحات اللبنانيين”.
ومنذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على السلطات اللبنانية لنزع سلاح الحزب، في إطار ربط ذلك بتوفير الدعم لإعادة إعمار البلاد. في المقابل، يتمسّك الحزب بسلاحه، مع إبداء استعداد لمناقشة هذا الملف في حال انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية ووقف هجماته.
وحول ما يُثار عن ضغوط خارجية لتأجيل الانتخابات، أوضح صالح أنه لا يملك معطيات مباشرة بهذا الشأن، لكنه اعتبر أن “استمرار الفساد، الذي يُعد من أكبر الكوارث المالية خلال الأعوام الـ150 الأخيرة بحسب توصيف البنك الدولي، مع غياب أي محاسبة للفاسدين الذين ينعمون بأموال اللبنانيين، يجعل من الانتخابات مجرد عملية تعيد إنتاج الأزمة وتُبقي البلاد في الدائرة ذاتها التي أوصلتها إلى الانهيار”.
ورأى صالح أن موقف هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، الذي يرفض التمييز بين لبناني مقيم يحق له الانتخاب وآخر مغترب يُقيَّد حقه، قد يفرض نفسه على المشهد السياسي، معتبرًا أن “الدستور ينص على المساواة بين اللبنانيين، وهذا المبدأ سيجعل تأجيل الانتخابات أمرًا مرجحًا في ظل تعقيدات القانون الحالي”.
وخلال الأيام الماضية، يشهد لبنان انقسامًا سياسيًا حادًا بشأن قانون الانتخابات النيابية، لا سيما في ما يتعلق باقتراع اللبنانيين غير المقيمين وإنشاء “الدائرة 16”.
ويستند الجدل إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات، التي يعتبرها البعض مرجعية قانونية ملزمة للإدارة، في حين يرى آخرون أن القانون النافذ لا يمكن تعديله أو تعليق العمل به إلا عبر تشريع صريح يصدر عن مجلس النواب.
وفي ردّها على سؤال وزير الداخلية أحمد الحجار بشأن آلية اقتراع المغتربين، في ظل تعذر تطبيق الدائرة 16، أكدت الهيئة في 14 فبراير/شباط أن اللبنانيين المنتشرين في الخارج يحتفظون بحقهم في الاقتراع ضمن الدوائر الانتخابية الـ15، بما يضمن مشاركتهم في العملية الديمقراطية رغم التعقيدات القانونية الراهنة.
وكان الحجار قد شدد في حينه على أن “الهدف الأساسي هو إجراء الانتخابات في موعدها المحدد”، مؤكدًا أن “لا أحد يرغب في خلاف حول هذا الاستحقاق”، مع الإشارة إلى أن الاستشارة الصادرة عن الهيئة غير ملزمة، إلا أن عدم الأخذ بها يستوجب تعليلًا رسميًا وفقًا لأصول تنظيم العمل في وزارة العدل.
في المقابل، جدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري تمسكه بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد في 10 مايو/أيار المقبل، وذلك خلال استقباله نقيب المحامين في بيروت فادي مصري وعددًا من أعضاء النقابة، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية في 20 فبراير/شباط.
وأكد بري أنه أبلغ موقفه هذا إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون وإلى الحكومة، قائلًا: “من غير الجائز، ونحن في بداية عهد جديد، أن نُعيق انطلاقته بتعطيل أو تأجيل أو تمديد لأهم استحقاق دستوري، وهو الأساس في تكوين السلطات وإنتاج الحياة السياسية”.

واقع جديد
وفي السياق ذاته، رأى الكاتب الأميركي ديفيد شينكر أنه “من دون إدخال تعديلات على قانون الانتخابات، وفرض عقوبات على النخب الموالية لـحزب الله، والمضي في ملاحقات قضائية لملفات مؤجلة، مثل انفجار مرفأ بيروت، إلى جانب إجراءات عاجلة أخرى، فقد يتمكن الحزب وحلفاؤه من استعادة قبضتهم على لبنان في الجولة المقبلة من الانتخابات الوطنية”.
ودعا شينكر، في مقال نشره معهد واشنطن في 17 فبراير/شباط، إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تشجيع تعديل القانون الانتخابي، معتبرًا أن “البرلمان اللبناني يجب أن يعكس الواقع الجديد على الأرض”. وأشار إلى أن “مجتمع المغتربين اللبنانيين، الذي يفوق عدده عدد سكان لبنان، لا يحق له حاليًا التصويت سوى لستة مقاعد من أصل 128 مقعدًا نيابيًا”.
وأضاف أن “كثيرًا من هؤلاء المواطنين هاجروا بحثًا عن الأمان والاستقرار والفرص، بعيدًا عن ثقافة الموت التي يهيمن عليها حزب الله”، معتبرًا أن واشنطن لم تنخرط بما يكفي في هذا الملف السياسي الداخلي المهم، رغم أن الانتخابات المقبلة “ستحدد مستقبل لبنان، وأن الاقتراع القادم حاسم للحفاظ على زخم الإصلاح”.
ولفت إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يملك الكلمة الفصل في ما إذا كانت التعديلات على القانون ستُطرح للنقاش أو للتصويت، مشيرًا إلى أن “تغييرات محدودة، مثل السماح للنازحين الشيعة من الجنوب بالاقتراع في مراكز كبرى في بيروت أو محيطها، بدل قراهم المدمرة، بعيدًا عن أي ترهيب، قد تُحدث فارقًا في النتائج”.
من جهتها، قالت الكاتبة اللبنانية رانيا شخطورة إن “اللجنة الخماسية”، التي تضم سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وقطر ومصر والسعودية، استأنفت في الفترة الأخيرة نشاطها ولقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين، وأن سفيرين منها ألمحا، في لقاءات خاصة، إلى إمكانية تأجيل الاستحقاق الانتخابي إلى ما بعد الانتهاء من مسار سحب سلاح حزب الله.
وأوضحت، في مقال نشرته وكالة أخبار اليوم في 20 فبراير/شباط 2026، أن “المجتمع الدولي يرى أن إجراء الانتخابات خلال الأشهر القليلة المقبلة، وقبل اتضاح مآلات المفاوضات أو المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، لن يُحدث تغييرًا في موازين القوى داخل البرلمان، إذ سيحافظ الثنائي الشيعي على مقاعده الـ27، بينما قد يؤدي التأجيل إلى ما بعد حسم هذين الملفين إلى خرق يُقدّر بأربعة مقاعد على الأقل”.
ووفقًا لما نقلته الكاتبة، قد يُعقد اجتماع قريب للجنة الخماسية مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الدفاع ميشال منسى، ووزير الداخلية أحمد الحجار، وقائد الجيش رودولف هيكل، لبحث مسار تطبيق حصرية السلاح والمراحل التي أُنجزت، إضافة إلى التطرق لملف الانتخابات.
وخلصت إلى أن الانتخابات باتت، بشكل أو بآخر، مرتبطة بملف السلاح، وأن هناك تداولًا باحتمال تأجيلها لمدة تصل إلى سنتين، مقابل الالتزام بشروط إصلاحية، من أبرزها إدخال تعديلات على قانون الانتخاب، واعتماد البطاقة الممغنطة، على أن يُنجز ذلك في مهلة لا تتجاوز عامًا واحدًا.
المصادر
- السعودية وفرنسا رسمياً: أجِّلوا الانتخابات!
- المجتمع الدولي لا يحبذ إنجاز انتخابات لبنان… والسبب؟
- تأجيل الانتخابات... بناء على نصيحة من "الخماسية"؟
- وزارة العدل توضح: تصويت المغتربين مضمون في 15 دائرة انتخابية
- انقسام لبناني حيال رأي «هيئة التشريع» بشأن الانتخابات النيابية
- في لبنان، دفع الكرة إلى الأمام قبل انتخابات أيار/مايو
- بري متمسك بإجراء الانتخابات النيابية اللبنانية في موعدها بمايو المقبل















