"قمع بالوكالة".. لماذا لجأت إيران إلى المليشيات العراقية لإنهاء الاحتجاجات؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في وقت يهدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية لإيران في حال أقدم النظام على قتل المتظاهرين، استعان الأخير بالمليشيات العراقية الموالية له للمشاركة في قمع الاحتجاجات التي تفجرت داخل إيران في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، نتيجة التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع ضغوط متصاعدة تمارسها الولايات المتحدة على السلطات العراقية، من أجل تفكيك المليشيات الموالية لإيران، وضرورة إبعادها عن المشاركة في الحكومة العراقية الجديدة، رغم حصول القوائم المرتبطة بها على نحو 80 مقعدا في آخر انتخابات برلمانية جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

وخلال لقائه رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني في 13 يناير/كانون الثاني، قال القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد، جوشوا هاريس: إن “المليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، والتي تتجاهل دعوات العراق لنزع السلاح، لا مكان لها في الحكومة العراقية بأي صفة”.

وأضاف هاريس، في بيان نشرته السفارة الأميركية على منصة “إكس”، أن “الولايات المتحدة ستواصل التأكيد بوضوح وثبات على ضرورة تحرك العراق بشكل عاجل لتفكيك المليشيات الإرهابية التي تسعى لتحقيق أجندة خارجية تقوض سيادة العراق، وتفقره، وتهدد الأميركيين والعراقيين، وتجر البلاد إلى صراع إقليمي”.

"قمع الاحتجاجات"

في 15 يناير/كانون الثاني، كشفت شبكة “سي أن أن” الأميركية، نقلًا عن مصدر عسكري أوروبي ومصدر أمني عراقي لم تسمّهما، أن مقاتلين عراقيين تسللوا إلى إيران خلال الأسابيع الماضية، للمساعدة في قمع الاحتجاجات المستمرة.

وقال المصدر الأمني العراقي: إن “نحو خمسة آلاف مقاتل من مليشيات عراقية دخلوا إيران عبر معبرين حدوديين في جنوب العراق، هما معبر الشيب في محافظة ميسان، ومعبر زرباطية في محافظة واسط”.

بدوره، أكد مصدر عسكري أوروبي أن نحو 800 مقاتل شيعي عبروا الحدود من محافظات ديالى وميسان والبصرة، للمشاركة في حملة القمع الإيرانية، تحت ذريعة أداء مناسك دينية.

وبحسب تقييم عسكري أوروبي نقلته الشبكة الأميركية، فإن هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى جماعات مسلحة موالية لطهران، من بينها “كتائب حزب الله”، و“حركة حزب الله النجباء”، و“كتائب سيد الشهداء”، و“منظمة بدر”، وتعمل جميعها ضمن مظلة قوات “الحشد الشعبي” العراقي.

ووفقًا للتقييم، جرى رصد وجود هؤلاء المقاتلين في عدة مناطق إيرانية حساسة، من بينها مدينة همدان؛ حيث شاركوا في قمع الاحتجاجات. مشيرًا إلى أن استخدام مقاتلين غير إيرانيين يعد مؤشرًا إضافيًا على هشاشة النظام وإصراره على التمسك بالسلطة، رغم الخسائر البشرية الفادحة التي خلفتها الاحتجاجات حتى الآن.

وأشارت الشبكة الأميركية إلى أن “اللجوء إلى المليشيات الأجنبية يندرج ضمن إستراتيجية أمنية واضحة، تهدف إلى تحييد أي احتمال للتقارب أو التعاطف بين القوات التي تمارس القمع والمتظاهرين”.

وفي 10 يناير/كانون الثاني، قالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان نشرته على صفحتها باللغة الفارسية على منصة “إكس”: إن “الولايات المتحدة قلقة حيال تقارير تفيد بقيام نظام الجمهورية الإسلامية بنشر إرهابيي حزب الله ومسلحين عراقيين لقمع الاحتجاجات السلمية”.

وبحسب معلومات كشفها موقع “إيران إنترناشيونال” المعارض في 8 يناير/كانون الثاني 2026، فقد بدأت مليشيات عراقية مرتبطة بالنظام الإيراني، قبل أيام، بتجنيد عناصر للمشاركة في قمع الاحتجاجات داخل إيران.

وأفاد الموقع بأن معظم العناصر المرسلة ينتمون إلى “كتائب حزب الله”، و“حركة النجباء”، و“لواء سيد الشهداء”، و“منظمة بدر”. مشيرًا إلى أن مسؤولين في الحكومة العراقية على علم بعملية حشد هذه القوات لدعم النظام الإيراني.

ولفت إلى أن عملية نقل هذه القوات تتم عبر ثلاثة معابر حدودية، هي: الشلامجة، وجذابة، وخسروي، تحت غطاء رسمي يتمثل في “رحلات دينية” لزيارة مرقد الإمام الرضا في مدينة مشهد، إلا أنها عمليًا تتجمع في مقر للمرشد الإيراني بمدينة الأهواز، قبل نقلها إلى مناطق مختلفة للمشاركة في القمع العنيف للاحتجاجات.

"انعدام الثقة"

وفي السياق ذاته، قال خليل نادري، المتحدث الرسمي باسم حزب الحرية الكردستاني الإيراني المعارض: إن "الحرس الثوري يستعين بمسلحي المليشيات العراقية المنضوية في الحشد الشعبي لقمع الانتفاضة في المدن الإيرانية".

ونقل موقع "الحرة" الأميركي عن نادري في 14 يناير، أن "عمليات القمع التي مارستها هذه المليشيات تركزت في مناطق لورستان والأحواز وبلوشستان، إثر بلوغ الاحتجاجات ذروتها، وعجز القوات الحكومية المحلية عن السيطرة على الوضع".

بدوره، قال مايكل روبين، وهو زميل بارز في معهد "أمريكان إنتربرايز": إن المرشد الإيراني علي خامنئي لا يثق تماما في قدرة الحرس الثوري على تنفيذ أوامره وقتل المتظاهرين الذين قد يكون من بينهم أفراد من عائلته وزملاء دراسة وقدامى محاربين، وعلى ما يبدو فقد تعاقد مع الحشد الشعبي لإعادة النظام.

وأضاف خلال مقال نشره على موقع المعهد في 14 يناير، أن "اضطرار خامنئي للاستعانة بمليشيات عراقية لتنفيذ أعمال القمع، ينبغي أن يكون بمثابة جرس إنذار لصناع السياسة الأميركيين لعدة أسباب مختلفة. داعيا ترامب إلى أن "يبادر بالتحرك ومحاسبة زعماء المليشيات في العراق فيما إذا ثبت قيامها بقتل المتظاهرين الإيرانيين".

وعلى الصعيد نفسه، وصفت صحيفة "ذا غلوبال بوست" الأميركية، العراق بأنه “مركز الجاذبية الإستراتيجي لإيران، والمنصة الأكثر أهمية التي تستند إليها للحفاظ على نفوذها الإقليمي سياسيا وعسكريا واقتصاديا”.

ورأت الصحيفة في تقرير، أن "العراق لا يُعد مجرد ساحة من ساحات النفوذ الإيراني، بل هو الساحة الأكثر أهمية، متقدما في أهميته على سوريا ولبنان".

وأشارت إلى أن "أي محاولة لطرد إيران من العراق أو دفعها للانكفاء داخل حدودها ستؤدي إلى بدء انهيار مشروعها الإقليمي؛ إذ ستتراجع قدرتها على تسليح وتنسيق الفصائل الحليفة لها، لا سيما في بلاد الشام، كما ستنكشف هشاشة ادعاءاتها بالهيمنة الإقليمية".

ورأى التقرير أن "هذا الإدراك هو ما يفسر إصرار إيران على تعزيز حضورها داخل العراق، لا التراجع عنه". لافتا إلى أن "تشكيل الحكومة العراقية الجديدة يمثل اختبارا حاسما في هذا السياق".

وذكرت الصحيفة أن "القوى السياسية والفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران تسعى لضمان نتائج تخدم المصالح الإيرانية، مستندة إلى الحشد الشعبي الذي لا يزال يشكل العمود الفقري لنفوذ إيران داخل العراق".

في 12 يناير، دعا الأمين العام لـ"كتائب حزب الله" في العراق، أبو حسين الحميداوي، المدرج على لوائح الإرهاب الأميركية، خلال بيان له إلى الوقوف إلى جانب إيران، و"الدفاع عن الجمهورية الإسلامية".

وقال الحميداوي في إشارة إلى إيران: "نحن معكم في السراء والضراء، وسيكون موقفنا واضحا لا لبس فيه في الدفاع عن شعب إيران ومقدساته"، وهدد في بيانه الولايات المتحدة من مغبة مهاجمة إيران.

وقبلها بيوم واحد، نشر أيوب فالح حسن المعروف إعلاميا بـ"أبو عزرائيل"، وهو قيادي في مليشيا "كتائب الإمام علي"، والتي تعمل تحت مظلة قوات الحشد الشعبي، مقطع فيديو لنفسه وهو يوجه المركبات العسكرية التي تغادر معسكرا تابعا لوزارة الداخلية العراقية.

وأظهر المقطع الذي نشره على منصة "إكس" مركبات عسكرية تحمل لوحات ترخيص حكومية عراقية، وهي تغادر الوحدة الثامنة التابعة لقيادة إنفاذ القانون في الشرطة الاتحادية العراقية، مهاجما احتجاجات إيران، قائلا: "من يحرق مؤسسات الشعب ليس ثوريا ولا مصلحا، بل هو أداة ينفذ أجندات صهيونية... مع الجمهورية ضد الغطرسة العالمية".

تداعيات محتملة

بخصوص انعكاسات تدخل مليشيات عراقية في قمع الاحتجاجات في إيران، قال الباحث في الشأن العراقي، علي المساري لـ"الاستقلال"، إن "التداعيات واردة على العراق؛ لأن هذه الجماعات تقمع المتظاهرين بقسوة، وأن نظام ولاية الفقيه سيكتفي بالتفرج عليهم وهم يحرقون ورقتهم بيدهم".

ولم يستبعد المساري أن يؤجج هذا التدخل الكراهية ضد العراقيين هناك ويتعرضون للقتل والتشريد، ناهيك عن غضبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب غير المتوقعة، التي من الممكن أن يتحمل كل العراقيين عواقبها، سواء بفرض عقوبات على العراق أو غيرها من الإجراءات الأميركية.

وأشار الباحث إلى أن هذه المليشيات لها تجارب سابقة في قمع الاحتجاجات وإجهاض الثورات سواء في ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 2019 في العراق، أو الثورة السورية في عام 2011 وحتى سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، فقد كانت هذه تقاتل إلى جانبه بحجة الدفاع عن المراقد المقدسة.

من جهته، قال الخبير الإستراتيجي العراقي، جواد الدهلكي: إن "تقارير مشاركة فصائل عراقية في إيران، والرغبة المعلنة في المشاركة، ستضع العراق أمام أزمة كبيرة ومعقدة، تبدأ أولا مع الشعب الإيراني بوصفه دولة جارة تربطها بالعراق معاهدة وقف إطلاق النار الموقعة عام 1988، والتي تنص صراحة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية".

ونقلت صحيفة "العالم الجديد" العراقية عن الدهلكي في 15 يناير قوله: إن "أي تورط عسكري خارجي سيستغل دوليا لتأجيج موقف أممي قد يفضي إلى قرارات بفرض عقوبات جديدة على العراق، وهذه المرة عبر بوابة دولية يصعب تجاوزها أو الالتفاف عليها".

ولفت الخبير الأمني العراقي إلى أن "العراق مقيد باتفاقية الإطار الإستراتيجي التي تمنع إقامة أي تعاون أو إشراك للقوات الأمنية العراقية في عمليات عسكرية خارج حدوده".

وحذر الدهلكي من أن "هذا الملف قد يؤدي أيضا إلى تعثر الحوارات المرتقبة بين مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق مارك سافايا، والحكومة العراقية، والمزمع عقدها خلال الأيام المقبلة في بغداد، فضلا عن إعادة العراق إلى دائرة البند السابع، وما يرافق ذلك من تهديد باستخدام القوة المفرطة".

وفي المقابل، ردّ حسين علاوي، مستشار رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، على كل الحديث عن دخول مليشيات عراقية لإيران، بالقول إن "الحكومة العراقية أكدت بخصوص الصراع الحالي والتطورات في إيران، أننا لن نسمح باستخدام أراضينا لتهديد أي دولة جارة".

وأضاف علاوي أن "ما يروّج ليس إلا أخبارا، هذه معلومات تحاول زج العراق بمكان خطر. تقارير تسلّسل مسلحين عراقيين لإيران هي مضللة تهدف لتضليل الرأي العام الدولي والإقليمي". حسبما نقلت منصة "الجبال" العراقية في 15 يناير.

وأشار المستشار الحكومي إلى أن "الجانب الإيراني لديه قدرات وليس بحاجة لدعمه من قبل العراق، وأنه ملتزم بالمعاهدات الدولية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة".

وبحسب علاوي، فإن "الأجهزة الأمنية العراقية تعمل للحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية الشعب"، مبينا أن “هناك استقرارا في العراق ونحن نترقب تشكيل الحكومة في العراق”.