وساطة تركية لكبح التصعيد.. هل تسعى واشنطن لإسقاط النظام الإيراني؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مرحلة دقيقة تشهدها العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، تتقاطع فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية مع محاولات احتواء دبلوماسي تقودها أطراف إقليمية في مقدمتها تركيا. 

ونشرت صحيفة "حرييت" التركية مقالا للكاتب عبد القدير سيلفي، ذكر فيه أنه “على عكس التصورات الشائعة، تشير المعطيات المتداولة في الكواليس الدبلوماسية إلى أن واشنطن لا تسعى حاليا إلى تغيير النظام في طهران، بل تركز على تعديل سلوك إيران النووي والإقليمي". 

ولفت الكاتب التركي إلى أن “ذلك يأتي في ظل مخاوف جدية من أن يؤدي أي مسار تصعيدي إلى فوضى إقليمية واسعة النطاق”.

وأردف بأن "المقاربة الأميركية الراهنة تقوم على قناعة مفادها أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة العسكرية هو خيار غير واقعي وغير مضمون النتائج".

وأوضح سيلفي أن "التجارب السابقة في العراق وأفغانستان وليبيا أثبتت أن تغيير الأنظمة عبر القوة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل غالبا ما يفتح الباب أمام الفوضى والحروب الأهلية". 

وأضاف "كما أن ضرب إيران عسكريا قد يعزز التماسك الداخلي حول النظام بدلا من إضعافه، وذلك عبر استنهاض النزعة القومية والدينية لدى الشارع الإيراني".

وبناء على ذلك، تركز الولايات المتحدة على حزمة مطالب محددة؛ وهي وقف الأنشطة النووية الحساسة، تسليم أي مخزون من اليورانيوم المخصّب، تخفيف الخطاب العدائي تجاه إسرائيل، وتحسين سجل حقوق الإنسان داخليا. وفق سيلفي.

ورأى أن هذه الأهداف تعكس رغبة أميركية في "تغيير السلوك" لا "تغيير النظام"، وهي مقاربة أكثر براغماتية وأقل كلفة.

مسار واقعي

وقال سيلفي: "في قلب هذا المشهد برز الدور التركي بوضوح من خلال التحركات المكثفة لوزير الخارجية هاكان فيدان، الذي أجرى خلال 24 ساعة اتصالين مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، في وقت كانت فيه الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية تستعد لضرب إيران خلال ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر". 

وأوضح أن “التحرك التركي لم يقتصر على طهران، بل شمل أيضا التواصل المباشر مع واشنطن؛ حيث استقبل فيدان سفير واشنطن في أنقرة توم باراك، وهو المعروف بقربه المباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريقه السياسي”.

وشدَّد على أن “هذه الاتصالات المتزامنة، إضافة إلى اللقاءات غير المعلنة التي أجراها فيدان مع مسؤولين أميركيين لا تدل إلّا على أن أنقرة تقوم بدور وساطة حقيقي يتجاوز المجاملات الدبلوماسية”. 

كما أن زيارة وزير الخارجية التركي إلى الإمارات، رغم أن جدول أعمالها المعلن كان يتعلق باليمن، حملت في طياتها نقاشا عميقا حول الملف الإيراني، خاصة أن الإمارات تمثل شريانا ماليا مهما للاقتصاد الإيراني، وأن لأبوظبي علاقات وثيقة مع إسرائيل.

وأشار الكاتب إلى أن “الوساطة التركية تستند إلى رصيد من الثقة كان قد بُني على مدى سنوات، خاصة منذ تولي هاكان فيدان رئاسة جهاز الاستخبارات، حيث لعب دورا محوريا في ملفات إقليمية ودولية معقدة”. 

واستطرد: “تجربة جمع رئيسي الاستخبارات الروسية والأوكرانية في إسطنبول، وما تلاها من اتفاق برعاية الرئيس رجب طيب أردوغان، ما تزال حاضرة كنموذج على قدرة أنقرة على إدارة حوارات حساسة في أوقات الأزمات”.

ولفت الكاتب النظر إلى أن “هذا الدور لا ينبع فقط من موقع تركيا الدبلوماسي، بل من إدراك إستراتيجي بأن أي انفجار في إيران ستكون له انعكاسات مباشرة وخطيرة على الأمن القومي التركي”.

وأوضح أن “تركيا تدرك أن إيران، بخلاف دول أخرى شهدت حروبا داخلية، تمتلك نظاما عقائديا مسلحا وقاعدة بشرية واسعة، وأن أي فوضى فيها قد تمتد آثارها إلى كامل الشرق الأوسط”. 

وتابع: “لذلك، تعمل أنقرة على دفع الطرفين نحو مسار تفاوضي واقعي، وتؤكد ضرورة تقديم شروط قابلة للتطبيق لا تدفع إيران إلى الانسحاب من طاولة المفاوضات”.

عامل حاسم

وعلى الضفة المقابلة، تتبنى إسرائيل مقاربة أكثر تصعيدا، فهي تقوم على إضعاف إيران عبر الضربات الأمنية والضغط السياسي والإعلامي، مع السعي لاستثمار أي اضطراب داخلي. 

لذلك، يخشى صناع القرار في طهران من أن تتحول الاحتجاجات أو الأزمات الاقتصادية إلى مدخل لتدخل خارجي مباشر أو غير مباشر، خاصة في ظل تصريحات إسرائيلية علنية تشجع الإيرانيين على “الانتفاض” ضد نظامهم.

هذا السيناريو يثير قلقا إقليميا واسعا، لأن تحويل إيران إلى ساحة صراع داخلي مفتوح سيؤدي إلى خلخلة موازين القوى في الشرق الأوسط، ويفتح المجال أمام موجات نزوح واضطرابات أمنية عابرة للحدود، يؤكد الكاتب التركي.

واستدرك: "نجد أن هناك شخصيات معارضة في الخارج، مثل رضا بهلوي، يتمّ طرحها كبديل محتمل للنظام الإيراني. غير أن هذا الطرح يفتقر إلى الواقعية السياسية". 

وأوضح أن “بهلوي لا يمتلك قاعدة شعبية حقيقية داخل إيران، بل ويُنظر إليه من قبل شريحة واسعة من الإيرانيين بوصفه امتدادا لمرحلة تاريخية مرتبطة بالارتهان للخارج”. 

وشدَّد سيلفي على أن "الاعتماد على مثل هذه الشخصيات لا يشكل حلا، بل قد يزيد من تعقيد المشهد ويفقد أي مسار انتقالي محتمل شرعيّته الداخلية".

وأضاف أن "المشهد الحالي يعكس توازنا هشا بين الردع والتصعيد؛ حيث نجد الولايات المتحدة تلوّح بالقوة لكنها لا ترغب في استخدامها على نطاق واسع، بينما إيران ترفع سقف الخطاب لكنها تدرك كلفة المواجهة الشاملة، فيما تعمل تركيا على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة". 

واستطرد: “وعليه فإن نجاح هذا التوازن مرهون بقدرة الأطراف على العودة إلى منطق التسويات، لا سيما في الملف النووي”.

وختم سيلفي مقاله: “يمكن القول إن إيران تقف اليوم عند مفترق طرق: إما الانخراط في مسار تفاوضي عقلاني يخفف الضغوط الخارجية ويمنع الانفجار الداخلي، أو الانزلاق إلى مواجهة متعددة المستويات ستكون كلفتها باهظة على الجميع”. 

وتابع: "في هذا السياق، يبدو الدور التركي عاملا حاسما في منع الأسوأ، بينما يظل التعويل على إسقاط الأنظمة عبر التدخل الخارجي خيارا محفوفا بالمخاطر، لا يفضي إلى استقرار داخلي ولا يخدم السلام الإقليمي".